Top
Image Alt

آثار إهمال المتكلمين توحيدَ الألوهية

  /  آثار إهمال المتكلمين توحيدَ الألوهية

آثار إهمال المتكلمين توحيدَ الألوهية

الأثر الأول: هو إنكار دخول توحيد الألوهية في حقيقة التوحيد: إن هذا أمر واضح عند علماء الكلام، وهو أنهم لم يدخلوا توحيد الألوهية في حقيقة التوحيد وأخرجوه منه، وقد سبق أن قلت عند ذكري لأقسام التوحيد عندهم أنهم لم يذكروا توحيد الألوهية، وهذا الذي تقدم كافٍ في بيان أنهم يرون أن توحيد الألوهية لا يدخل في حقيقة التوحيد، وهذا هو الأثر الأول من آثار الإهمال أن توحيد الألوهية لا يدخل في حقيقة التوحيد.

أما المتأخرون من المتكلمين فقد صرحوا بذلك بوضوح تام، وأعني بالمتأخرين من المتكلمين الذين خلطوا علم الكلام بشبهات وشركيات غلاة التصوف، وقد كان كثيرٌ منهم في زمن أئمة الدعوة السلفية في القرن الثاني عشر وما تلاه.

وقد وجدنا أن بعض المعارضين للدعوة السلفية في هذا العصر يرد على بعض أئمة الدعوة، وينتقضهم في جعلهم توحيد الألوهية من ألوان التوحيد، فيقول: “وأما جعلهم التوحيد نوعين: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، فباطل أيضًا؛ فإن توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية”.

هذا في الحقيقة كلام لبعضهم، ولكنه يصرِّح بأن توحيد الألوهية هو توحيد الربوبية، وهذا أثر خطير جدًّا من آثار إهمال توحيد الألوهية، وهذا أيضًا جعل الناس أو بعض الناس يقعون في الشرك -والعياذ بالله تبارك وتعالى- دون أن يشعر الواحد منهم بذلك.

وقد ذهب إلى عدم الاعتراف بتوحيد الألوهية من أقسام التوحيد كثيرٌ من علماء الكلام المتأخرين، ولا أود أن أذكر أسماء بعضهم، فقد أفضى البعض إلى ما قدَّم، ولكني أناقش فقط، وأبيِّن أن هذا من الخطأ الفادح الذي أدى إلى الوقوع في بعض ألوان الشرك في العبادة، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

وهنا أيضًا ينبغي أن أنبه لأمر مهم: وهو أن خلاف هؤلاء في تقسيم التوحيد، وادعاءهم بدعيته، وأنه من بدع ابن تيمية ومن سار على نهجه ليس خلافًا في التقسيم الفني، بحيث يكون لفظيًّا؛ لأنهم ينكرون أن يتعلق التوحيد بأفعال العباد وإرادتهم وأقوالهم، وبالتالي إذا وقع في الشرك لا يعد عندهم لونًا من ألوان الشرك.

كما أن الخلاف أيضًا في التقسيم ليس خلافًا في التقسيم لذاته؛ لأنهم -كما تقدم- يقسمون التوحيد نفسه إلى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وقد يعبرون عن هذا المعنى بتقسيم ثنائي آخر وهو نفي الكمية المتصلة، ونفي الكمية المنفصلة، كما أنهم يقسمون المعاني في سائر العلوم إلى أقسام متعددة؛ فهم إذًا لا يرون أن التقسيم بدعة في ذاته، إذًا الدافع لنفي التقسيم هو وجود قسم في التوحيد يمنعهم من الاستغاثة بغير الله والنذر، والذبح لغيره، وتعظيم القبور بالتمسح والتبرك بها، ونحو ذلك، فالخلاف في أقسام التوحيد خلاف إذًا حقيقي مؤثر.

إخراج الشرك العملي من حقيقة التوحيد:

هذا من آثار الإهمال أدى بهم إهمالهم لتوحيد الألوهية أنْ أخرجوا الشرك العملي من حقيقة الشرك، وهذه نتيجة طبيعية لمن حصرَ التوحيد في توحيد الربوبية؛ إذ الشرك نقيض التوحيد، لكن هذه النتيجة في الحقيقة خطيرة للغاية، وعندما نتابع حقيقة الشرك عندهم نجدهم كما سبق يربطون الشرك بالاعتقاد القلبي، الذي هو مناط التوحيد والإيمان، وفي هذا يقول أحدهم: “فالذي يوقع في الإشراك هو اعتقاد ألوهية غير الله سبحانه، أو اعتقاد التأثير لغير الله”.

ولا بد أن تلاحظ وأنت تقرأ هذا النص أن الألوهية هي بعينها الربوبية عند قائل هذا القول، وقد علق بعضهم على ذلك بقوله: “فاجتمعت الأمة على أن الذبح والنذر لغير الله حرام، ومن فعلها فهو عاص لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، والذي منع العلماء من تكفيرهم أنهم لم يفعلوا ذلك باعتقاد أنها أنداد لله، تأملْ خطورة هذه المسألة، هو يصرح ويقول بأن الذبح والنذر لغير الله حرام، ولكن إذا ذبح إنسان أو نذر لغير الله -تبارك وتعالى- فلا يلحقه أي لون من ألوان الإثم أو الكفر أو الشرك بذلك، لماذا؟ قال: لأنه لمّا فعل الذبح والنذر لم يكن معتقدًا أن هذه أنداد مع الله -تبارك وتعالى.

وأنا أقول لهؤلاء لأبيِّن لهم خطأ مفهومهم في التوحيد: بأن المشركين الذين بُعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا يعتقدون أنهم يعبدون هذه الأصنام؛ لأنها أنداد مع الله، ولكنهم ذكروا سبب عبادتهم لهذه الأصنام كما قرره القرآن في قوله: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3].

ويذهب بعض هؤلاء إلى أن كفر المستغيث بغير الله لا يكون إلا باعتقاده الاستقلال عن الله -تبارك وتعالى، وفي ذلك يقول: “فالمستغيث لا يعتقد أن المستغاث به من الخلق مستقل في أمر من الأمور غير مستمد من الله تعالى، ولا فرق في ذلك بين الأحياء والأموات” ولا شك أن هذا واضح في أنه يجوِّز الاستغاثة بالمخلوق، طالما أن المستغيث يعتقد أن المخلوق لا يستقل بالفعل.

وبعضهم يعتذر عن العوام الذين وقعوا في الشرك بأنهم لا يعتقدون الفعل لغير الله تعالى، وفي ذلك يقول: “وأنت إذا نظرت إلى كل فرد من أفراد المسلمين، عامتهم وخاصتهم لا تجد في نفس أحد منهم غير مجرد التقرب إلى الله لقضاء حاجاتهم الدنيوية، والأخروية بالاستغاثات، مع علمهم بأن الله هو الفعَّال المطلق المستحق للتعظيم بالأصالة وحده لا شريك له.

وإذا جئنا إلى أحد المعاصرين نجده يصرح بأن الإقرار بالخلق والإيجاد مانع من تكفير المستغيث بغير الله، إذ يقول: “ولا يكفر المستغيث إلا إذا اعتقد الخلقَ والإيجادَ لغير الله” ومعنى ذلك أن من طلب من غير الله وسأله أنه ليس بمشرك، في حين أن القرآن الكريم يأمرنا بإخلاص الدعاء لله -تبارك وتعالى- وحده دون سواه.

ولذلك أقول: بأن هذا كلام باطل، وفهم غير سديد أدّاهم إلى أن يقع البعض منهم في بعض ألوان الشرك والعياذ بالله -تبارك وتعالى؛ لأنهم بعد أن حصروا الشرك في الربوبية فقط، أصبح من الطَبعي إذًا أن يرى الواحد من هؤلاء أن الاستغاثة بالأنبياء، والصالحين، والملائكة، وكذا الذبح والنذر لهم من محبتهم وإكرامهم، ومحبة الأنبياء والصالحين، والملائكة وإكرامهم واجب شرعي، ولكن لا يجوز أن نصرف لهم لونًا من ألوان العبادة بحال، كالاستغاثة والاستعانة، والدعاء والتوكل والإنابة، وغير ذلك؛ لأن الذي يجيب المضطر إذا دعاه هو رب العالمين سبحانه وتعالى جل في علاه.

ولذلك أقول: لقد أثَّر منهج أهل الكلام عندما أهملوا توحيد الألوهية، تأثيرًا كبيرًا إلى درجة تسويغ الشرك باسم التوحيد، وكذا الدعوة إلى الشرك، ومحاولة إدخال أكبر عدد فيه عند هؤلاء، وللأسف الشديد هؤلاء لم يفقهوا حقيقة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يفقهوا الأمة التي بُعث فيها صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك أردد هنا بعض ما قاله سلفنا الصالح رضي الله عنهم: “ستُنقضّ عرى الإسلام عروة عروة، مَن دخل في الإسلام من لا يعرف الجاهلية” فلا بد أن نعرف الجاهلية، وأن نعرف لماذا بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، وما ألوان الشرك التي كانت عندهم.

ويؤسفني أن أقول: إن بعض هؤلاء قد نسب الشرك إلى الأنبياء، حيث زعم أن الأنبياء استعانوا بغير الله تعالى، فقال: “فالأنبياء مع أنهم معصومون استعانوا بغير الله تعالى، حتى نزل في حق محمد صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين} [الأنفال: 64] ثم يغمز في الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- ويقول: فكيف تنكر الوهابية جواز الاستمداد بالمخلوق؟

ونلاحظ أنه فهم من الآية فهمًا سقيمًا، وهو أن الله تعالى حسبٌ للنبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك المؤمنون حسب له أيضًا، وهذا الفهم السقيم للآية أوصله إلى هذه النتيجة المنحرفة، والفهم الصحيح للآية هو أن الله تعالى حسبٌ للنبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك حسبٌ للمؤمنين؛ فإن الواو في قوله: {وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين} [الأنفال: 64] هي واو مع، وتكون “مِن” في محل نصب، و”حسب” بمعنى: كافيك، أي: الله يكفيك ويكفي من اتبعك، كما تقول العرب: حسبك وزيدًا درهم، قال الشاعر:

إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا

*فحسبك والضحاك سيف مهند

فإن الحسب والكفاية لله -تبارك وتعالى- وحده دون سواه، كالتوكل والتقوى والعبادة، كما قال رب العالمين سبحانه: {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِين} [الأنفال: 62] ففرق سبحانه وتعالى بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب وهو الكفاية لله وحده، وجعل التأييد له بنصره سبحانه وبالمؤمنين.

ونظير هذه الآية ما جاء في قول الله -تبارك وتعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُون} [التوبة: 59] فتأملْ كيف جعل الإيتاء لله، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] وجعل الحسب له وحده سبحانه وتعالى دون سواه، فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله، بل جعله خالصَ حقِّه كما قال تعالى: {إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُون} ولم يقل وإلى رسوله، بل جعل الرغبة إليه وحده.

كما قال تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَب * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب} [الشرح: 7- 8] فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب لله وحده، كما أن العبادة والتقوى والسجود لله وحده، والنذر والحلف لا يكون إلا لله وحده سبحانه، ونظير هذا قول الحق تبارك وتعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36] فالحسب هو الكافي، فأخبر سبحانه أنه هو وحده كافٍ عبده، فكيف يظن بإنسان بعد ذلك أن يجعل المؤمنين أيضًا حسبًا للنبي صلى الله عليه وسلم.

ولهذا، فإنني بعد أن ذكرت هذا البيان وأوضحت هذا التوضيح أود أن أقول: اهتموا بتوحيد الألوهية، واعلموا أن إهمال هذا التوحيد يؤثر في الإيمان، ويؤثر في الحقيقة أيضًا في اندفاع بعض الناس إلى ارتكاب بعض ألوان الشرك والوقوع فيها؛ لأنهم عندما اعتقدوا أن مجرد إيمانهم بالربوبية يعفيهم من أي لون من ألوان الشرك، حتى ولو نادى الواحد منهم أو دعا أو طلب أو استغاث من غير الله -تبارك وتعالى.

error: النص محمي !!