Top
Image Alt

آدابه في سيرته مع الخصوم

  /  آدابه في سيرته مع الخصوم

آدابه في سيرته مع الخصوم

أول ما ينبغي على القاضي أن يتأدب به مع الخصوم: أنه إذا حضر الخصمان أجلسهما بين يديه -أي: أمامه- فلا يجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره؛ فإن لليمين فضلًا, وهذا يدل على أن علماءنا اهتموا، حتى بمثل هذه الأمور التي قد تبدو صغيرة، فهو يُجلس الخصمين المدَّعِي والمدَّعَى عليه أمامه، ولا يُجلس أحدًا عن يمينه والآخر عن يساره؛ لأنه ربما يظن أن من أجلسه على يمينه أن له ميزة وفضلًا، وقد ينكسر في نفسه وخاطره الذي أجلسه عن يساره؛ لأنه من المعلوم أن جهة اليمين عند العرب وعند المسلمين لها شيء من الميزة، ولا ريب؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحب التيامن في أموره كلها؛ فعلى القاضي التسوية بينهما، وعليه أن يجلسهما أمامه.

كما أن عليه أيضًا التسوية بين المسلم وغير المسلم، وإن كان في ذلك خلاف مبنيٌّ على أساس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تسوية غير المسلم بالمسلم، لكن هذا محمول -إن صح- على عدم التسوية بينهما في المحبة، والمودة، والولاء، والإخاء. فلا شك أن للمسلم منزلة أعلى من غيره، لكن في مجلس القضاء كلهم سواسية أمام القاضي في طلب الفصل, وحسم النزاع.

أيضًا يسوِّي بين المتخاصميْن في التوجه وفي النظر وفي توجيه الخطاب، فينظر إليهما بنفس النظرة التي ينظر بها إلى كل منهما، فهي نظرة واحدة عادلة, غير متجهّم، فلا يضحك لأحدهما أو يبتسم له بينما يعبس في وجه الآخر، اللهم إلا إذا تعدَّى أحدهما على الآخر فينظر إلى المعتدي بغضب ليزجره، ومن كان فيه لَدَد في الخصومة, أي: فيه عدم استكانة، وفيه مشاغبة، ومحاولة للاستمرار في الخصومة وإشعال نار الخلاف؛ زجره القاضي ورفع صوته عليه.

ومن المستحب أن يحضهما عند بداية المحاكمة على السكينة والوقار، ويستحب أن يعظهما في كلمات معدودة قبل أن يبدأ النظر في القضية، فيذكرهما بالله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويخبرهما أن قضاءه هذا لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا، ويسكّن جأش المضطرب إذا لاحظ أن أحدهما مضطرب، أو أن أحدهما خائف؛ فعليه أن يسكن جأش المضطرب، ويؤمن روع الخائف الفزع.

وبعض الناس عندما يقفون أمام القاضي يعتريهم الحسرة، فلا يستطيع أن يتكلم، أو تضيع منه الكلمات، ويجف ريقه، ويرتعش جسده؛ فعليه أن يطمئنه بالحسنى.

كما أن عليه أن يُدخل الخصوم عليه مرتبين, أي: حسب حضورهم، فمن حضر أولًا يدخل عليه أولًا، إلا إذا كان هناك نظام آخر رُتّبت فيه الأسماء ترتيبًا أبجديًّا في الإعلان الذي يُوضع على باب المحكمة ويُرتب فيه الأسماء، فلا يتدخل القاضي، لكن إذا لم يكن هناك ترتيب فليسمح لهم بالدخول عليه مرتبين حسب حضورهم، ويراعي من كان متعبًا أو مسافرًا، أو أنه لو تأخر إلى آخر الجلسة رُبما كان يتأخر به الليل، أو غاب عن أهله فأفزعهم، فيراعي هذا.

وإذا شتم أحد الخصمين الآخر زجره وأدبه، وربما يكون هذا التأديب برفع الصوت عليه، وربما يكون بتهديده بالحبس أو السجن أو بالجلد, فيتخذ من الوسائل ما يؤدِّب به من يعتدي على خصمه أمامه، وإذا طلب من أحد الخصمين أن يسكت ولا يتكلم، فتكلم؛ زجره وإذا قاطع أحد الخصمين الآخر؛ زجره، حتى تسير الأمور بين يدي القاضي سيرًا حسنًا، وحتى تتكشف له البينات، ويتضح له سبيل الحكم الصحيح.

كذلك له أن يؤدِّب من يُسيء إلى الشهود؛ فربنا سبحانه وتعالى قال: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} [البقرة: 282], فإذا أساء أحد الخصمين إلى شهود صاحبه أيضًا أدبه القاضي، وإذا طلب حضور أحد من خارج المحكمة يشهد، وحدد له وقتًا معينًا فتباطأ أو امتنع عن الحضور لغير عذر؛ فإنه يؤدبه على ذلك، وكذلك من يرفع دعوى ضدّ خصم, وبعض الناس يفعلون هذا قديمًا وحديثًا, فقد يرفع أحدهم دعوى أمام القاضي، وهي دعوى كيدية لا أساس لها، وإنما يُريد برفع هذا الدعوى التشهير؛ لأن بعض الناس يستحي أن يذهب إلى ساحة القضاء، ويعتبر أن في ذلك نوعًا من الإساءة إليه، وينتهز الفرصة بعض الناس ويرفعون عليهم دعاوى كيدية، فإذا كانت الدعوى لغرض غير صحيح، وثبت لدى القاضي ذلك، أو ثبت أنها إنما رُفعت بغرض الإساءة والتشهير؛ فإنه يؤدّب من تسبب في ذلك بما يراه مناسبًا.

وكذلك قد يلمز بعض المتخاصمين القاضي، أو يعيب عليه مجلسه أو قضاءه؛ فعليه أيضًا أن يؤدبه، وأن يمتنع عن القضاء في القضايا التي يكون أحد طرفيها قريبًا له، أي: إذا كانت الخصومة بين طرفين, أحدهما قريب له كأخيه، أو والده، أو عمه، أو ابنه، أو ما إلى ذلك من القرابات التي من الدرجة الأولى أو الثانية… إلخ؛ فإنه يمتنع ويعتذر عن القضاء لهذه القضية، ويحيل هذه القضية إلى غيره من القضاة، فهذا من أدبه.

وإذا تحاكم إليه ذَوُو قرابة؛ كأن تكون هناك خصومة بين بعض الإخوة، أو بعض أبناء الأعمام، أو الأخوال، أو الأقارب من ذوي الأرحام، إذا رُفعت إلى القاضي قضية من هذا النوع, فإن عليه أن يُشير عليهم بالصلح ويزينه لهم، ويهيئ لهم أسبابه؛ لأن الخصومة بين يدي القاضي تترك في نفوس الأقارب جراحًا لا تندمل بسهولة، وندوبًا لا تُنسى، فيشير عليهم أن يتصالحوا بدلًا من الاستمرار في الدعوى، وحتى لا يحكم فيها بحكم هو من الضروري فيُرضي طرفًا، ويسخط طرفًا آخر؛ فيترتب على ذلك شيء من إيغار الصدور, ولتجنب ذلك يشير عليهم بالصلح؛ فإن الله تعالى يقول: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128]، كما يقول: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114] خصوصًا إذا كان ذلك ممكنًا؛ فإن أصروا على استمرار الدعوى حكم فيها.

كما أن على القاضي أثناء سير المحاكمة أن يُراعي الخصوم عند الإدلاء بحججهم وبيناتهم, فعليه أن ينظر في وجوههم، وأن يتفرَّس في لحظهم وإشاراتهم، وما يعتمل في قلوبهم، وتظهر آثاره على وجوههم؛ فمن شكَّ فيه بحث في جلية أمره، ولكن في تلطّف حتى يطمئن قبل أن يصدر حكمه، فإن اشتبهت عليه الأمور أجَّل القضية حتى يبحث عما خفي عليه فيها، وأثار شكه نحو بعض الخصوم فيها، كما أن على القاضي ألا ينظر في الدعاوى التافهة؛ إنما يحيلهم إلى المصالحة، أو إلى قاضٍ درجة أقل، أو أن يحيلهم إلى شيخ بلدهم أو عمدتهم، أو ما إلى ذلك حتى يحفظ للقضاء هيبته.

error: النص محمي !!