Top
Image Alt

آداب الجدل أو آداب المناظرة

  /  آداب الجدل أو آداب المناظرة

آداب الجدل أو آداب المناظرة

الأدب الأول: إخلاص النية لله تعالى: أكاد أستشف أو أستنبط أن بعضكم أو بعضكن، رأى أن إخلاص النية لله تعالى قد مر بنا الكلام عنه في القاعدة الأولى، أو القاعدة الثانية من القواعد، فلماذا نأتي به في الأدب؟ ثم أكاد أيضًا أن أستشف أن بعضكم يقول: إن إخلاص النية لله تعالى أمر واجب، بل إنه فرض حتمًا، فما ينبغي أن يوضع ضمن الأدب، بل يوضع ضمن القواعد الأساسية، فيما يتصل بأدب البحث والمناظرة، أو آداب المناظرة.

وهذا صحيح، إخلاص النية لله تعالى قاعدة، والاهتمام بهذا الموضوع اهتمامًا كبيرًا جعل علماء الأدب والمناظرة أو آداب المناظرة، جعلهم يضعون إخلاص النية لله تعالى مع القواعد، ويضعونها أيضًا مع الأدب، وهذا يعطينا ماذا؟ يعطينا أن إخلاص النية لله تعالى فيه مرونة كثيرة، فيه درجات، هناك مَن يخلص نيته لله تعالى، وتنتهي القضية، هناك من يتحرى إخلاص النية لله تعالى، على قدر ما يطيق، يخلص النية لله تعالى، ولذلك هذا يبين لماذا قلنا: إخلاص النية لله تعالى وضعناها في القواعد، ثم وضعناها في الأدب؟

الأدب الثاني: أن يبدأ المناظران أو المتناظران بذكر الله -تبارك وتعالى- وأن يسأل كل منهما الله تعالى التوفيق، والإعانة، والمعونة، وأن يظهر الله لهم الحق الذي يبحثان عنه مع أي منهما كان.

الأدب الثالث: التأدب في الجلوس بين المتناظرين: أن يجلس المتناظر في جلسة الوقار، وجلسة الاحترام، وجلسة الإكبار لزميله، والتقدير لزميله، لا يجلس إذا جلس واحد منهما أعطى وجهه للآخر أو كذا……إلخ، فلا ينبغي أن يجلس يعطي جنبه للآخر -كما سبق أن قلنا- أو يجلس، ويتكئ هكذا استهتارًا،؛ إظهارًا للاستهتار بالآخر، أو ما إلى ذلك. هذا ما ينبغي أبدًا.

أبو الوليد الباجي -رحمه الله- يقول عن هذا الأدب، بالنسبة للمتناظر: يتوقر في جلوسه، ولا ينزعج من مكانه. يعني: إذا أراد حتى أن يقوم لا يقوم مندفعًا، ولا يجلس مندفعًا ولا كذا؛ لأن هذا ينسبه إلى الخرق والبله، ولا يعبث بيده ولحيته وهو جالس، فإن ذلك يذهب وقاره، وعليه أن يقبل على خصمه، فإن الإقبال على الخصم إنما هو من أهم قواعد الأدب.

الأدب الرابع: اجتناب الهوى، بعضكم سيقول: اجتناب الهوى لعله فرض من الفروض، أو قاعدة من القواعد، وهذا صحيح، وقد نبهنا إلى ذلك قبلًا لكن هذه الأمور الهامة يعيدها الكتاب والمؤلفون، ويذكرونها لأهميتها، لماذا؟ كما قلنا في قضية النية، نقول أيضًا في أن اجتناب الهوى درجات، وفيه مرونة كثيرة، وعلينا أن نجتنب الهوى على قدر ما نطيق.

الأدب الذي يلي بعد ذلك: التريثُ في الكلام والهدوء، وعدم التعجل في الكلام؛ بحيث يكون كلام الإنسان واضحًا وبينًا، وهادئًا، مرتبًا ومنسقًا، لا ينبغي أن يتكلم الإنسان سريعًا سريعًا هكذا …إلخ.

الأدب الخامس: إطلاق المتناظرين: أن يطلق كل منهما المجال أمام أخيه؛ إظهارًا للأدب. يعني: أَنْ أُظهِرَ الأدب بإطلاق أمام زميلي أو خصمي، ما ينبغي أن يكون الإنسان متوترًا، أو عبوسًا؛ يعني: إذا كان إطلاق الوجه أو طلاقة الوجه أو تبسمك في وجه أخيك صدقة، وهو ليس خصمًا لك، فالحاجة إلى هذا التبسم وطلاقة الوجه مع الخصم، الحاجة أكثر وأشد؛ لأنها ترفع من التوتر الموجود، أو الخصومة بين الاثنين.

الأدب السادس: تجنب التحايل والمكر والخُبث في المناظرة: أن يتكلم الإنسان مع أخيه بهدوء، ألا يظهر أو يكون حريصًا على ألا يكتشف خصمه أنه يمكر به، أو أن يحاول الإيقاع به، عليه أن يظهر دائمًا أنه طالب حق، وليس فقط طالبًا أن يتغلب على خصمه فقط.

الأدب السابع: الرجوع إلى الحق متى تبين، سوف أسأل أيضًا الرجوع إلى الحق متى تبين، هل هو قاعدة أم أدب؟ هو قاعدة وهو أيضًا أدب، على المتناظر أن يسلم للحق نفسه إذا ظهر، سواء كان عنده أو عند غيره.

الأدب الثامن: من الآداب أيضًا: أن يلتزم المتناظر الصمت والهدوء، وينتظر حتى ينتهي الآخر من كلامه.

الأدب التاسع: ومن آداب المناظرة أيضًا: الترفق بالخصم والتأدب معه، إذا كان الخصم من شأنه أنه يخاف، أو يرتعب أو ظهر عليه نوع من التوتر أو كذا …إلخ. قد يكون أحد المتخاصمين على علم كبير، أو على منزلة عظيمة، أو شيء من هذا القبيل، فَيَحْدُثُ عند الخصم أو الطرف الآخر نوع من التوتر، أو هكذا فعليه أن يترفق بخصمه.

أيضًا من الأشياء الهامة جدًّا قضية الإنصاف: {يَا أَيّهَآ الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ للّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىَ أَلاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَىَ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]، الحافظ ابن كثير يقول: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل مع كل أحد صديقًا كان أو عدوًّا، موافقًا كان أو مجادلًا أو مناظرًا.

هذه آداب البحث والمناظرة، هناك آداب كثيرة أكثر من هذا بكثير، لكننا لخصناها في هذا.

ويبقى بعد هذا أن نقول: إن المناظرة لها آداب ولها قواعد، لكن ملاك آدابها وقواعدها، ألا تكون إلا طلبًا للحق، وألا تكون إلا استعانةً على إظهار الحق، وليس أكثر، فإذا ظهر الحق عندك التزمه الخصم، وإذا ظهر عند الخصم وجب عليك أن تلتزمه، والتزام الحق إذا ظهر عند الخصم ليس دليلًا على ضعف، ولا دليلًا على تخاذل، وإنما هو دليل على قوة الإيمان عند الإنسان، وعلى قوة التزامه بالحق.

أسأل الله -تبارك وتعالى- أن يعيننا على الحق، وأن يعيننا بالحق، وأن يجعل الحق دائمًا رائدنا وهدفنا، أسأل الله -تبارك وتعالى- أن يتقبل منا ومنكم، وأن يعيننا ويعينكم، وأن ينفعكم وينفع بكم إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

error: النص محمي !!