Top
Image Alt

آداب الجمعة

  /  آداب الجمعة

آداب الجمعة

بيان آداب الجمعة على ترتيب العادة، وهي عشر جمل:

الأول: أن يستعد لها يوم الخميس عزمًا عليها واستقبالًا لفضلها، فيشتغل بالدعاء والاستغفار والتسبيح بعد العصر يوم الخميس؛ لأنها ساعة قوبلت بالساعة المبهمة في يوم الجمعة.

قال بعض السلف: إن لله -تبارك وتعالى- فضلًا سوى أرزاق العباد، لا يعطي من ذلك الفضل إلا من سأله عشية الخميس ويوم الجمعة.

ويغسل في هذا اليوم ثيابه ويبيضها، ويعد الطيب إن لم يكن عنده، ويفرغ قلبه من الأشغال التي تمنعه من البكور إلى الجمعة، وينوي في هذه الليلة صوم يوم الجمعة؛ فإن له فضلًا، وليكن مضمومًا إلى يوم الخميس أو السبت لا مفردًا فإنه مكروه، ويشتغل بإحياء هذه الليلة بالصلاة وختم القرآن، فلها فضل كثير، وينسحب عليها فضل يوم الجمعة.

الثاني: إذا أصبح ابتدأ بالغسل بعد طلوع الفجر، وإن كان لا يبكر فأقربه إلى الرواح أحب؛ ليكون أقربَ عهدًا بالنظافة، فالغسل مستحب استحبابًا مؤكدًا، وذهب بعض العلماء إلى وجوبه. قال صلى الله عليه وسلم: ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم)) والمشهور من حديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((من أتى الجمعة فليغتسل)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((من شهد الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل)).

وقد عُرف جواز ترك الغسل بوضوء عثمان -رضي الله تعالى عنه- وبما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمة، ومن اغتسل فالغسل أفضلُ)).

ومن اغتسل للجنابة فليفِض الماء على بدنه مرة أخرى، على نية غسل الجمعة، فإن اكتفى بغسل واحد أجزأه وحصل له الفضل، إذا نوى كليهما، ودخل غسل الجمعة في غسل الجنابة، ومن اغتسل ثم أحدث توضأ ولم يبطل غسله والأحب أن يحترز عن ذلك.

الثالث: الزينة، وهي مستحبة في هذا اليوم، وهي ثلاثة: الكسوة والنظافة وتطييب الرائحة، أما النظافة فبالسواك وحلق الشعر وقلم الأظافر وقص الشارب، وسائر ما سبق في كتاب الطهارة. قال ابن مسعود: “من قلم أظافره يوم الجمعة أخرج الله -تبارك وتعالى- منه داء، وأدخل فيه شفاء”.

وأحب طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه، وروي ذلك في الأثر، قال الشافعي: من نظف ثوبه قَلَّ همه، ومن طاب ريحه زاد عقله.

وأما الكسوة فأحبها البياض من الثياب؛ إذ أحب الثياب إلى الله تعالى البيض، ولا يلبس ما فيه شهره.

الرابع: البكور إلى الجامع، ويستحب أن يقصد الجامع من فرسخين وثلاث وليبكر، ويدخل وقت البكور بطلوع الفجر، وفضل البكور عظيم، وينبغي أن يكون في سعيه إلى الجمعة خاشعًا متواضعًا، ناويًا للاعتكاف في المسجد إلى وقت الصلاة، قاصدًا للمبادرة إلى جواب نداء الله -تبارك وتعالى- إلى الجمعة إياه، والمسارعة إلى مغفرته ورضوانه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرَّبَ بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرنَ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما أهدى دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما أهدى بيضة، فإذا خرج الإمام طويت الصحف ورفعت الأقلام، واجتمعت الملائكة عند المنبر يستمعون الذكر، فمن جاء بعد ذلك فإنما جاء لحق الصلاة، ليس له من الفضل شيء)).

والساعة الأولى إلى طلوع الشمس، والثانية إلى ارتفاعها، والثالثة إلى انبساطها حين ترمد الأقدام، والرابعة والخامسة بعد الضحى الأعلى إلى الزوال، وفضلها قليل، ووقت الزوال حق الصلاة ولا فضل فيه، وقال صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث لو يعلم الناس ما فيهن لركضوا ركض الإبل في طلبهن: الأذان والصف الأول والغدو إلى الجمعة)).

وقال أحمد بن حنبل: أفضلهن الغدو إلى الجمعة. وفي الخبر: إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المساجد، بأيديهم صحف من فضة وأقلام من ذهب، يكتبون الأول فالأول على مراتبهم.

وكان يُرى في القرن الأول سحرًا وبعد الفجر الطرقات مملوءة من الناس، يمشون في السرج ويزدحمون بها إلى الجامع كأيام العيد، حتى اندرس ذلك فقيل: أول بدعة حدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجامع، وكيف لا يستحي المسلمون من اليهود والنصارى وهم يبكرون إلى البِيع والكنائس يوم السبت والأحد، وطلاب الدنيا كيف يبكرون إلى رحاب الأسواق للبيع والشراء والربح، فلم لا يسابقهم طلاب الآخرة.

الخامس: في هيئة الدخول، ينبغي ألا يتخطى رقاب الناس، ولا يمر بين أيديهم، والبكور يسهل ذلك عليه، فقد ورد وعيد شديد في تخطي الرقاب، وهو أنه يُجعل جسرًا يوم القيامة يتخطاه الناس. وروى ابن جريج مرسلًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب يوم الجمعة، إذ رأى رجلًا يتخطى رقاب الناس، حتى تقدم فجلس، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته عارض الرجل حتى لقيه فقال: “يا فلان، ما منعك أن تجمع اليوم معنا؟ قال: يا نبي الله، قد جمعت معكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألم نرك تتخطى رقاب الناس؟! أشار به إلى أنه أحبط عمله.

قال الحسن: تخطوا رقاب الناس الذين يقعدون على أبواب الجوامع يوم الجمعة، فإنه لا حرمةَ لهم.

السادس: ألا يمر بين يدي الناس، ويجلس حيث هو إلى قرب أسطوانة أو حائط؛ حتى لا يمرون بين يديه -أي: بين يدي المصلي- فإن ذلك لا يقطع الصلاة ولكنه منهي عنه، قال صلى الله عليه وسلم: ((لأن يقف أربعين عامًا خير له من أن يمر بين يدي المصلي)).

وقد روى في حديث آخر في المار والمصلي، حيث صلى على الطريق أو قصر في الدفع، فقال: ((لو يعلم المار بين يدي المصلي والمصلَّى ما عليهما في ذلك، لكان أن يقف أربعين سنة خيرًا له من أن يمر بين يديه)). والأسطوانة: الحائط، والمصلى: المفروش حد للمصلي، فمن اجتاز به فينبغي أن يدفعه. قال صلى الله عليه وسلم: ((ليدفعه، فإن أبَى فليدفعه، فإن أبى فليقاتله،فإنه شيطان)). وكان أبو سعيد الخدري رضي الله عنه يدفع أن يمر بين يديه حتى يصرعه، فربما تعلق به الرجل فاستعدى عليه عند مروان، فيخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بذلك، فإن لم يجد أسطوانة فلينصب بين يديه شيئًا طوله قدر ذراع، وليكون ذلك علامة لحده.

السابع: أن يطلب الصف الأول فإن فضله كثير، كما رويناه، وفي الحديث: ((من غسل واغتسل وبكر وابتكر، ودنا من الإمام واستمع، كان ذلك له كفارة لما بين الجمعتين وزيادة ثلاثة أيام)) وفي لفظ آخر: ((غفَر الله له إلى الجمعة الأخرى)).

الثامن: أن يقطع الصلاة عند خروج الإمام ويقطع الكلام أيضًا، بل يشتغل بجواب المؤذن ثم باستماع الخطبة، وقد جرت عادة بعض العوام بالسجود عند قيام المؤذنين، ولم يثبت له أصل في أثر ولا خبر، ولكنه إن وافق سجود تلاوة فلا بأس بها للدعاء؛لأنه وقت فاضل. وقال صلى الله عليه وسلم: ((مَن قال لصاحبه والإمام يخطب: أنصت أو مَه؛ فقد لغَا، ومن لغا والإمام يخطب فلا جمعةَ له)).

وهذا يدل على أن الإسكات ينبغي أن يكون بإشارة أو رمي حصاة، لا بالنطق، وفي حديث أبي ذر: ((أنه لما سأل أبيّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: متى أنزلت هذه السورة؟ فأومأ إليه أن اسكت، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أبيّ: اذهب فلا جمعةَ لك، فشكاه أبو ذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: صدق أبيّ)).

وإن كان بعيدًا من الإمام فلا ينبغي أن يتكلم في العلم ونحوه، بل يسكت ولا يجلس في حلقة من يتكلم، فمَن عجز عن الاستماع بالبعد فلينصت فهو المستحب، وإذا كانت تكره الصلاة في وقت خطبة الإمام فالكلام أولى بالكراهة. وقال علي رضي الله عنه: “تكره الصلاة في أربع ساعات: بعد الفجر وبعد العصر ونصف النهار والصلاة والإمام يخطب”.

التاسع: أن يراعي في قدوة الجمعة ما ذكرناه في غيرها، فإذا سمع قراءة الإمام لم يقرأ سوى الفاتحة، فإذا فرغ من الجمعة قرأ الحمد لله سبع مرات قبل أن يتكلم، و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} والمعوذتين سبعًا سبعًا. ويستحب أن يقول بعد الجمعة: اللهم يا غني يا حميد يا مبدئ يا معيد، يا رحيم يا ودود، أغنني بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك. يقال: من داوم على هذا الدعاء أغناه الله عن خلقه ورزَقه من حيث لا يحتسب، ثم يصلي بعد الجمعة ست ركعات، فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما: ((أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين)) وروى أبو هريرة أربعًا، وروى علي وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم ستًّا، والكل صحيح في أحوال مختلفة، والأكمل أفضل.

العاشر: أن يلازم المسجد حتى يصلي العصر، فإن أقام إلى المغرب فهو الأفضل، يقال: من صلى العصر في الجامع كان له ثواب الحج، ومن صلى المغرب فله ثواب حجة وعمرة، ولا ينبغي أن يتكلم في الجامع وغيره من المساجد بحديث الدنيا. قال صلى الله عليه وسلم: ((يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم أمر دنياهم، ليس لله تعالى فيهم حاجة، فلا تجالسوهم)).

كذلك يستحب الإكثار في يومها وليلتها من قراءة القرآن والذكر والدعاء؛ لحديث أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من قرأ حم، الدخان في ليلة الجمعة أو يوم الجمعة بنى الله له بيتًا في الجنة” أخرجه الطبراني في (الكبير). وحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من قرأ السورة التي يُذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى تغيب الشمس”. وحديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين)) أخرجه النسائي وكذا البيهقي والحاكم مرفوعًا وموقوفًا وقال: هذا صحيح الإسناد.

فيسن قراءة ما ذُكر كله أو بعضه ليلة الجمعة ويومها، لا على وجه يشوش على مصل أو نائم، أما رفع الصوت بالقراءة في المسجد فمكروه أو حرام، وقال شيخنا في (شرح العباب): ينبغي حرمة الجهر بالقراءة في المسجد، وحمل قول النووي بالكراهة على ما إذا خيف التأذي، وعلى كون القراءة في غير المسجد.

ويسن قراءة سورة: {الم * تَنزِيلُ} [السجدة: 1، 2] بعد الفاتحة في الركعة الأولى في صلاة الصبح، و{هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ} [الإنسان: 1] في الركعة الثانية؛ لحديث ابن عباس ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ يوم الجمعة في صلاة الصبح: {الم * تَنزِيلُ} [السجدة: 1، 2] و{هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ} [الإنسان: 1] وفي صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقون)) أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

وظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب على قراءة هاتين السورتين في صبح الجمعة، كما يُشعر به لفظ: “كان”، وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ السورتين بتمامهما، خلافًا لما يفعله بعض الناس من الاقتصار على بعضهما، فهو خلاف السنة، وهذا مذهب الشافعي وبه قال الحنفيون وأحمد، إلا أنه تكره المداومة عليهما عندهم. قال في (المحيط): يستحب قراءة هاتين السورتين في صبح يوم الجمعة بشرط أن يقرأ غير ذلك أحيانًا؛ لئلا يظن الجاهل أنه لا مجزئ غيره، أو يرى القراءة بغيره مكروهة. وقالت المالكية: يكره تعمد قراءة سورة فيها سجدة في الفريضة، وهو رواية ابن القاسم عن مالك، وروى أشهب عنه جواز قراءة السورة التي فيها السجدة، إذا كان وراء الإمام عدد قليل لا يخاف أن يختلط عليهم.

وقال ابن حبيب: يجوز قراءة سورة فيها سجدة في الصلاة الجهرية دون السرية؛ لأمن التخليط في الجهرية، ومنهم من علل الكراهة بخشية اعتقاد العوام أنها فرض. قال ابن دقيق العيد: أما القول بالكراهة مطلقًا فيأباه الحديث، لكن إذا انتهى الحال إلى وقوع هذه المفسدة فينبغي أن تترك أحيانًا لتندفع، فإن المستحب قد يترك لدفع المفسدة المتوقعة، وهو يحصل بالترك في بعض الأوقات.

ولا وجه للقول بالكراهة مطلقًا أو في الصلاة السرية، بل يرده حديث ابن عمر رضي الله عنهما: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في صلاة الظهر ثم قام فركع، فرأينا أنه قرأ تنزيل السجدة)) أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما، فهو يدل على عدم التفرقة بين السرية والجهرية.

فالراجح أن قراءة هاتين السورتين في صبح يوم الجمعة سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا وجه للقول بتركها في بعض الأحيان، لخوف اعتقاد العوام الوجوب أو نحوه.

والحكمة في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم هاتين السورتين في صبح الجمعة، أنهما تضمنتا ما كان وما يكون في يومها، فإنهما اشتملتَا على خلق آدم وعلى ذكر المعاد وحشر العباد، وذلك يكون يوم الجمعة، فكان في قراءتها في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه وما يكون، فتكون السجدة جاءت تبعًا وليست مقصودةً.

error: النص محمي !!