Top
Image Alt

آراء العلماء بالنسبة لمصادر الأفعال الثلاثية

  /  آراء العلماء بالنسبة لمصادر الأفعال الثلاثية

آراء العلماء بالنسبة لمصادر الأفعال الثلاثية

موقف مصادر الأفعال من السماع والقياس:

أجمع علماء اللغة العربية على أن مصادر الأفعال غير الثلاثية قياسية، هي قياسية باتفاق، ولكنهم مع اتفاقهم بالنسبة لمصادر الأفعال غير الثلاثية اختلفوا في مصادر الأفعال الثلاثية: أسماعية هي أم قياسية؟:

وللعلماء في ذلك ثلاثة آراء:

الرأي الأول: إن مصادر الأفعال الثلاثية قد جاءت على أوزان مختلفة، وصور متباينة، ولذلك باستقراء هذه المصادر -مع كثرتها وتنوعها واختلافها وتعددها- لم يتمكن العلماء من وضع قواعد تضبطها، والوصول إلى أقيسة تندرج تحتها هذه المصادر، فمثلًا: حينما يقول ابن مالك -رحمه الله-:

فَعلٌ قِيَاس مَصدَرِ المُعَدَّى

*من ذِى ثَلاثَةٍ كَرَدَّ ردَّا

قال العلماء: إن وزن “فَعْل” هو المصدر القياسي للأفعال الثلاثية المجردة إذا كان الفعل الثلاثي متعديًا، سواء أكان على وزن “فَعَل” مثل كتب أم كان على وزن “فَعِل” مثل فهم.

وقال بعض العلماء -كما ورد في (همع الهوامع) للسيوطي -: لا تدرك مصادر الفعل الثلاثي إلا بالسماع، فلا قياس على “فعْل”، ولو عدم السماع، ومعنى هذا: أنه لا يقال: إن “فَعْلًا” هو المصدر القياسي للثلاثي المتعدي ولو عدم السماع، ومعنى هذا: أن مصادر هذه الأفعال تدخل في باب السماع فقط ولا تدخل في باب القياس.

وجد كثير من العلماء في هذا الرأي الشيء الكثير من العنت والتعويق والتضييق من إطار استعمال اللغة العربية، وقالوا: إن هذا الرأي يقف سدًّا حاجزًا بين اللغة والانتفاع بها على خير وجه.

وعلى حسب مقتضيات الأزمان: هذا الرأي يعوّق اللغة عن بلوغ حد الكمال والوفاء بحاجات الإنسان المتجددة مع تجدد الأزمنة.

الرأي الثاني: وهو رأي الفراء -وهو علَم كبير من أعلام مدرسة الكوفة، توفي في العام السابع بعد المائتين من الهجرة، تلميذ الكسائي، يقال عنه: أمير المؤمنين في النحو- حيث يرى: أن مصادر الأفعال الثلاثية قياسية ينبغي أن يقاس عليها.

والقياس: هو حكم عام مستنبط من تتبع الكثير الوارد عن فصحاء العرب، وهو ضابط منتزع من الاستعمال الغالب، فكثرة استعمال وزن أي مصدر لأي فعل مصححة للقياس عليه، فيسوغ لك في كل فعل ثلاثي أن تأتي بمصدره على الوزن الغالب في أمثاله، حتى وإن سمع له مصدر على خلاف هذا الوزن؛ لأن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، والمقاييس العربية تبُنى على وجود الكثرة.

فمثلًا: “علم” هذا فعل ثلاثي مجرد متعدٍّ، يجوز أن يكون مصدره على “فَعْل” وهو المصدر القياسي للفعل الثلاثي المتعدي، على الرغم من أنه سُمِع له مصدر آخر مغاير للمصدر القياسي، فقالوا: فيه عِلْم عَلِمَ يعْلَمُ عِلْمَا، لكن يجوز مع هذا المسموع المخالف للمصدر القياسي أن نستعمل المصدر القياسي على الرغم من وجود هذا المسموع المخالف.

و”شكر” مثلًا يأتي متعديًّا: شَكَرَ فلان ربه، المصدر المسموع له شُكْرًا وشُكْرانًا، ومع ذلك يجوز أن نخالف هذا المسموع ونستخدم المصدر القياسي فنقول شَكَر شكْرًا، هذا هو رأي الفراء ومن وافقه من العلماء.

رأي قال عنه الكثير: إن فيه رفقًا وحكمة ومسايرة لطبائع الأشياء يحاول أن يوسع من إطار استعمال اللغة العربية، وهو على عكس الرأي الذي أورده السيوطي في (الهمع).

الرأي الثالث: رأي سيبويه: وموقفه من هذه القضية موقف وسط، فلا هو يغلق الباب ألبتة، ولا هو يفتحه على مصراعيه كما فعل الفراء ومن وافقه.

سيبويه -وهو عالم علماء المدرسة البصرية، المتوفى سنة ثمانين بعد المائة من الهجرة- يرى أن مصادر الأفعال الثلاثية قياسية، لكن بشرط إذا لم يُسمع ما يخالف قياسها، وإلا عمل بالمسموع، هي قياسية إلى حد ما، إذا لم يرد سماع يخالف هذا القياس، أما في حالة ما إذا ورد سماع مخالف للقياس فينبغي إذن في هذه الحالة أن نترك القياس وأن نستعمل ما سُمِع عن العرب.

هذا الرأي رأي وقف وسطًا بين مانعٍ للقياس، وبين متيح للقياس.

رأي العلماء في موقف سيبويه من مصادر الأفعال الثلاثية:

إن هذا الرأي قد ارتضاه الأخفش المتوفى سنة خمسة عشرة بعد المائتين من الهجرة، وهو تلميذ من تلاميذ سيبويه، كما ارتضاه أيضًا جمهور العلماء، لماذا؟ لتوسطه واعتداله، ولاحترامه المسموع في الوقت الذي لم يغفل فيه فتح الباب أمام القياس، وإن كان كثير من المحدثين يرون فيه نوعًا من التشديد والتضييق من إطار الاستعمال اللغوي، كالرأي الأول الذي أورده السيوطي في (الهمع).

ومع ذلك فنحن نرى هذا الرأي من الاعتدال بمكان، وقد قال عنه الشيخ خالد الأزهري -رحمه الله- في (التصريح بمضمون التوضيح): والمراد بالقياس هنا: أنه إذا ورد شيء ولم يُعلم كيف تكلموا بمصدره فإنك تقيسه على هذا، أي: على هذا الكثير المسموع لا أنك تقيس مع وجود السماع، قاله سيبويه والأخفش والجمهور.

error: النص محمي !!