Top
Image Alt

آراء العلماء في جواز تصحيح الحديث وتحسينه

  /  آراء العلماء في جواز تصحيح الحديث وتحسينه

آراء العلماء في جواز تصحيح الحديث وتحسينه

موقف ابن الصلاح من تصحيح المتأخِّرين للحديث.

وسببُ الكلام في هذه المسألة هو: أنَّ ابن الصلاح يرى: أنَّه إذا كان هناك حديثٌ في كتابٍ أو جزءٍ، لم ينصَّ على صحته حافظٌ معتمد في شيء من المصنَّفات المشهورة؛ فإنَّه لا يُحكم بصحَّته، لضعف أهليَّة أهل هذه الأزمان.

قال: لأنَّه ما من إسنادٍ من ذلك إلا ونجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه، عريًَّا عما يشترط في الصَّحيح من الحفظ والضَّبط والإتقان.

قال في المنهل الرَّويِّ: مع غلبة الظَّنِّ أنَّه لو صح، لما أهمله أئمَّة الأعصار المتقدِّمة، لشدَّة فحصهم واجتهادهم.

فملخَّص كلام ابن الصَّلاح: أنَّه لا تُصحّح أحاديثُ في زمنه، أو فيما بعد زمنه من باب أولى، لأمريْن:

الأمر الأول: ضعفُ أهليَّة أهل هذه الأزمان، يعني: زمنه وما بعده.

الأمر الثَّاني: أنَّ رجال هذه الأزمان يعتمدون في روايتهم على كتبهم دون الحفظ، وهذا التصحيح للأحاديث التي لم يُنصَّ على صحتها حافظ معتمد؛ فإذا وجدنا هذه الأحاديث في كتاب أو جزء ولم ينص على صحته حافظٌ معتمد، فإنَّه لا يجوزُ لأحدٍ من أهل هذه الأزمان تصحيحُ هذه الأحاديث. وكما سيتبيَّن لنا أيضًا: لا يجوز تضعيف أحاديث لم يُنص على تضعيفها. وكذلك: التَّحسين هو مثل التَّصحيح كما سنرى.

موقف النووي والعراقي:

قال النووي -وتابعه عليه غيره-: والأظهر عندي: جوازُه لمَن تمكَّن وقويتْ معرفتُه.

قال العراقي: وهو الذي عليه عملُ أهل الحديث -يعني: في تصحيح مثل هذه الأحاديث التي توجد في كتاب أو جزءٍ، ولم ينصَّ على صحَّتها حافظٌ معتمد- وضرب الأمثلة على ذلك.

فقال: فقد صحَّح جماعةٌ من المتأخِّرين أحاديثَ، لم نجدْ لمن تقدَّمهم فيها تصحيحًا.

قال: فمن المعاصرين لابن الصَّلاح:

– أبو الحسن عليُّ بن محمد بن عبد الملك بن القطان صاحب الوهم والإيهام، وهو كتابٌ مطبوع، وتعقَّب فيه أقوال عبد الحق الأشبيلي، في كتابه الأحكام الوسطى.

صحَّح في كتاب الوهم والإيهام حديث ابن عمر: ((أنَّه كان يتوضأ ونعلاه في رجليْه، ويمسح عليهما، ويقول: كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل)) أخرجه البزار. وبطبيعة الحال، النَّعلان لا يمنعان وصولَ الماء إلى الرِّجليْن.

وصحَّح أيضًا أبو الحسن عليُّ بن محمد بن عبد الملك بن القطَّان، صحَّح حديث أنس: ((كان أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون الصَّلاة، فيضعون جنوبَهم. فمنهم من ينام ثم يقومُ إلى الصَّلاة))، أخرجه قاسم بن أصبغ.

ومن الذين صحَّحوا أيضًا من الأحاديث في هذه الأعصار التي أشار إليها ابنُ الصَّلاح:

– الحافظُ ضياءُ الدِّين محمد بن عبد الواحد المقدسي، جمع كتابًا سمَّاه: المختارة، وقد طُبع جزءٌ منه، التزم فيه الصِّحَّة، وذكر فيه أحاديثَ لم يُسبق إلى تصحيحها.

– وصحَّح الحافظ زكيُّ الدين المنذريُ صاحب التَّرغيب والترهيب: صحَّح حديث بحر بن نصر، عن ابن وهب، عن مالك، ويونس عن الزُّهريِّ، عن سعيد، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، في: غفران ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، وربَّما كان ذلك في: صيام رمضان: ((من صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدَّم من ذنبه))، وجاءت روايةٌ: ((وما تأخَّر)). فلعلَّ الذي صحَّحه الحافظ زكيُّ الدين المنذري هو هذا الحديث، أو هذه الرواية الَّتي جاء فيها غفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

هؤلاء كلُّهم في طبقة عصر ابن الصَّلاح.

ثم صحح الطبقة التي تلي هذه الطبقة:

–  فصحَّح الحافظ شرف الدين الدِّمياطي حديث جابر: ((ماءُ زمزمَ لما شُرب له)).

ثم صحح طبقةٌ بعد هذه:

–  فصحَّح الشيخ تقيُّ الدِّين السبكي حديث ابن عمر في: زيارة قبر الرسولصلى الله عليه وسلم، وقد ضعِّف بعبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف. لكنه أثبت أنَّه صحيح من رواية عبيد الله بن عمر.

قال الحافظ العراقي: ولم يزل ذلك دأبَ من بلغ أهليَّة ذلك منهم، إلا أنَّ منهم من لا يُقبل ذلك منه، يعني: بعضهم يوفّق في هذا التصحيح وبعضهم لا يوفّق؛ لكن الباب مفتوح لم يغلق كما أغلقه ابن الصلاح أو كاد أن يُغلقه.

وكذلك كان المتقدِّمون ربَّما صحح بعضهم شيئًا فأُنكر عليه تصحيحه، يعني: إذا كان بعضهم اجتهد وتعقّب على تصحيحه في هذه الأعصار؛ فهذا كان أيضًا في المتقدِّمين، ربما صحح بعضهم شيئًا فلا يسلم له، ولم يكن هذا دليلًا على أنَّه لا يجوز أن يصحِّحوا ما لم يصحِّح.

موقف شيخ الإسلام ابن حجر:

قال شيخ الإسلام ابن حجر: قد اعترض على ابن الصلاح كلُّ من اختصر كلامه، ونحن نعلم أنَّه بعد أن ألَّف ابن الصلاح كتابه -وقد اختصره كثيرون ومنهم: النَّووي في كتابيْه: التقريب، والإرشاد، وغيرهم، كما شرحه كثيرون- فكلُّ من اختصر كلامه اعترض على ابن الصلاح، لم يوافقه أحدٌ منهم. وكلهم دفع في صدر كلامه من غير إقامة دليل.

يعني: اعترضوا عليه من غير أن يقيموا دليلًا على فساد رأيه ولا بيان تعليل.

ومنهم من احتجَّ بمخالفة أهل عصره، ومَن بعده له في ذلك، كابن القطَّان كما رأينا، والضياء المقدسي في المختارة، والزّكيُّ المنذريُّ في (التَّرغيب والتَّرهيب)، وابن القطَّان في الوهم والإيهام، ومَن بعدهم: كابن المواق، والدمياطي، والمزي، ونحوهم…

قال: وليس بوارد، لأنَّه لا حجَّة على ابن الصَّلاح بعمل غيره، يعني: إذا كان غيرُه قد وافقه أو عمل على خلاف ما يقول، فليس هذا حجة.

قال الحافظ ابن حجر: وإنَّما يُحتجُّ عليه بإبطال دليله، أو معارضته بما هو أقوى منه.

ومنهم من قال: لا سلف له في ذلك. ولعلَّه يعني: لم يقل أحدٌ مثلما قال ابن الصلاح قبله. ولعلَّه بناه على جواز خلوِّ العصر من المجتهد، يعني: لم يكن في عصره مِن المجتهدين مَن يجتهدُ في تصحيح الأحاديث؛ وهذا إذا انضمَّ إلى ما قبله -من أنَّه لا سلف له فيما ادَّعاه، وإلى عمل أهل عصره ومَن بعدهم على خلاف ما قال- انتهضَ دليلًا للرَّدِّ عليه.

فالرَّدُّ على ابن الصَّلاح، إنَّما هو: أنَّه لا سلفَ له فيما ادَّعاه، لم يسبقه أحد فيما ادَّعاه، وعمل أهلُ عصره كابن القطان وغيره في تصحيح الأحاديث، ومَن بعدهم، فهذا وذاك دليلٌ للرَّدِّ عليه.

قال: ثم إنَّ في عبارته مناقشات، ويحسن بنا قبل أن نورد مناقشات ابن حجر، أن نذكر نصَّ عبارة ابن الصلاح، في علومه أو في مقدمته:

قال ابن الصلاح:

فقد تعذَّر في هذه الأعصار الاستقلالُ بإدراك الصَّحيح، بمجرَّد اعتبار الأسانيد، لأنَّه ما من إسنادٍ من ذلك إلا وتجدُ في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه عريًَّا عمَّا يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان.

فآل الأمر إذًا في معرفة الصحيح والحسن، إلى الاعتماد على ما نصَّ عليه أئمَّة الحديث في تصانيفهم المعتمدة. وبناءً على كلِّ هذا، قال: فإنَّا لا نتجاسر على الحُكم على حديث لم يصحِّحه أحدٌ من المتقدِّمين.

ردّ الحافظ على ابن الصلاح:

فقال: قوله: فإنَّا لا نتجاسر: ظاهرُه أنَّ الأَوْلى تركُ التَّعرُّض له، لِما فيه من التَّعب والمشقَّة؛ فلا يحسن قوله -بعد ذلك-: فقد تعذَّر.

ومنها: أنه ذكر مع الضبطِ: الحفظَ والإتقان، وليست متغايرة، يعني: فالضبط هو: الحفظ والإتقان.

ومنها: أنَّه قابل بعدم الحفظ مع وجود الكتاب، فافهمَ أنه يعيب من حدَّث من كتابه، ويُصوِّب من حدَّث عن ظهر قلبه. والمعروف: أنَّ أئمَّة الحديث خلافُ ذلك؛ وحينئذ فإذا كان الراوي عدلًا، لكن لا يحفظ ما سمعه عن ظهر قلب، واعتمد على ما في كتابه فحدَّث منه، فقد فعل اللازم له؛ فحديثُه على هذه الصورة صحيح، لأنَّّ الكتاب يضبط ما يضبطه حفظُ القلب أو حفظ الصدر.

قال: وفي الجملة: ما استدلَّ به ابن الصلاح من كون الأسانيد ما منها إلا وفيه من لم يبلغ درجة الضبط المشترطة في الصَّحيح، قال ابن حجر:

إن أراد أنَّ جميع الإسنادِ كذلك، فهو ممنوع، لأنَّ مِن جملة الإسناد مَن يكون من رجال الصَّحيح، وهو قد عمَّم، وقلَّ أن يخلو إسنادٌ عن أن يكون فيه من رجال الصَّحيح.

وإن أرادَ أنَّ بعض الإسناد كذلك فمسلَّم؛ لكن لا ينهض ذلك دليلًا على التَّعذُّر، إلا في جزء ينفرد بروايته مَن وصف بذلك؛ فلا ينبغي أن يُعَمِّم ذلك.

أمَّا الكتاب المشهور، الغنيُّ بشهرته عن اعتبار الإسناد منَّا إلى مصنِّفه، كـالمسانيد والسنن، ممَّا لا يحتاج في صحة نسبتها إلى مؤلِّفها إلى اعتبار إسنادٍ معيَّن، فإنَّ المصنِّف منهم إذا روى حديثًا، ووُجدت الشَّرائط فيه مجموعةً، ولم يطَّلع المحدِّث المتقن المطَّلع فيه على علَّة، لم يمتنع الحكمُ بصحته، ولو لم ينصَّ عليها أحدٌ من المتقدِّمين.

معنى هذا الكلام: أنَّ ابن الصلاح قال: إذا وُجد حديثٌ في كتاب أو جزء، لم ينصَّ أحد من المتقدِّمين على صحته، فإنّنا لا نتجاسر على الحكم بصحته، لتعذُّر ذلك في هذه الأزمان.

فناقشه ابن حجر في ذلك، فقال: إن هذا ينطبق على الأجزاء التي ينفردُ بروايتها من لم يبلغ درجة الضبط المشترطة في الصحيح، أما الكتاب المشهور الغني بشهرته عن اعتبار الإسناد منَّا إلى مصنِّفه كـالمسانيد والسنن، يعني: كـمسند الإمام أحمد، والسنن الأربع، وغيرها… فإذا وجد في أحد هذه الكتب من المصنَّفات حديثٌ وجمع شرائط الصَّحيح، ولم يطَّلع المحدِّث المتقن المطَّلع فيه على علَّة، لم يمتنع الحكم بصحته، ولو لم ينص عليها أحدٌ من المتقدِّمين؛ وبهذا يخالف ابن حجر في قوله هذا ابن الصلاح.

قال ابن حجر: ثمَّ ما اقتضاه كلامه من قبول التصحيح من المتقدمين، وردّه من المتأخِّرين، قد يستلزم ردَّ ما هو صحيحٌ، وقبولَ ما ليس بصحيح؛ فكم من حديثٍ حَكم بصحته إمامٌ متقدم، اطلع المتأخر فيه على علة قادحة تمنع من الحكم بصحته، ولا سيَّما إن كان ذلك المتقدِّم ممَّن لا يرى التَّفرقة بين الصَّحيح والحسن كابن خزيمة وابن حبان.

معنى كلام ابن حجر هذا: أنه يقول: إنَّ مقتضى كلام ابن الصلاح من قبول تصحيح المتقدِّمين مطلقًا، وردِّه من المتأخرين مطلقًا، قد يستلزم ذلك ردََّ ما هو صحيح؛ ذلك لأن المتقدمين قد يصحِّحون حديثًا وهو فيه علَّة لم يطَّلعوا عليها، يعني: لم يطلع الذين صحَّحوه من المتقدمين عليها، وقد يضعِّفون حديثًا وهو في الحقيقة صحيح، لأنَّ هذا المتقدِّم لم يطَّلع على طرقٍ وعلى أمور تقوِّيه، فيستلزم ذلك -وقد أقفل الباب في وجْه المتأخِّرين- ردَّ ما هو صحيح، ممَّا ضعَّفه المتقدِّمون وصحَّحه المتأخِّرون، وقبولَ ما ليس بصحيح مما ضعّفه المتقدمون وصحَّحه المتأخِّرون.

قال: فكم من حديث حَكم بصحته إمام متقدم، اطّلع المتأخِّر فيه على علة قادحة تمنع من الحكم بصحته!

فمعنى ذلك: أنَّنا نصحح ما هو ضعيف في حقيقة الأمر -بعد أن اطّلع المتأخِّر على هذه العلة- لأنَّ المتقدم صحَّحه وإن كان هو ليس بصحيح في واقع الأمر.

وكذلك ما ضعَّفه المتقدم واطَّلع المتأخِّر فيه على ما يقوِّيه من طُرق ومن شواهد أو من متابعات لم يقف عليها المتقدم.

فمعنى ذلك: أنَّ الحديث صحيح، ولكنَّنا نحكمُ عليه بأنه ليس بصحيح، لأنَّ أحد المتقدِّمين قد ضعَّفه، ولا نلتفت إلى ما توصّل إليه المتأخِّر، لأنَّ ابن الصلاح قد أقفل الباب في وجهه، وبالتالي يستلزم ذلك قبولَ ما ليس بصحيح.

قال ابن حجر: ولاسيَّما إن كان ذلك المتقدِّم ممن لا يرى التَّفرقة بين الصَّحيح والحسن كابن خزيمة وابن حبان، فمعنى ذلك: أنه إذا حكم على حديثٍ أنَّه صحيح، نمنع المتأخِّر أن يحكم عليه لاعتبارات موضوعيَّة: أنَّه حسن، وليس بصحيح، ويختلط الأمر في ذلك، ونقول: إنَّ المتقدم صحّحه فلا يجوز لمتأخِّرٍ أن يحسنه، وهكذا…

قال ابن حجر: والعجبُ منه -أي: من ابن الصلاح- كيف يدَّعي تعميمَ الخلل في جميع الأسانيد المتأخِّرة، ثم يقبل تصحيح المتقدِّم؟! وذلك التصحيح إنما يتّصل للمتأخر بالإسناد الذي يدَّعي فيه الخلل.

معنى هذا: أنّ الأسانيد التي نقلت إلى المتأخِّر الأحاديث الَّتي لا يجوز له أن يحكم عليها بالصِّحة في رأي ابن الصَّلاح، هي تلك الأسانيد الَّتي تنقل إليه تصحيح المتقدم؛ إذا كان هناك خلل في الأسانيد التي نقلت الحديث بحيث لا نستطيع أن نحكم على حديث منها بأنه صحيح لهذا الخلل، فكذلك ينبغي ألا نثق في تلك الأسانيد، عندما تنقل لنا تصحيح المتقدم ونعتمد عليه؛ وبالتالي لا نعتمد على من لم يصححه ذلك المتقدم.

فإن كان ذلك الخلل خللًا في الأسانيد عامة مانعًا من الحكم بصحة الإسناد، فهو مانعٌ من الحكم بقَبول ذلك الصحيح أو ذلك التَّصحيح من المتقدِّمين. وإن كان لا يؤثر في الإسناد في مثل ذلك لشهرة الكتاب -كما قدَّمنا كما يرشد إليه كلامه: إن المتقدمين أسانيدهم صحيحة- فكذلك لا يؤثر في الإسناد المعيَّن الذي يتصل به روايةُ ذلك الكتاب إلى مؤلّفه، وينبغي أن نعتمد على هذا الإسناد كلية، وكما نقبل التَّصحيح نقبل أيضًا أن ننظر في هذه الأحاديث، وأن نحكم فيها بما يتلاءَم معها، وأن نصحِّحَها إذا كانت صحيحة.

قال: وينحصر النّظر في مثل أسانيد ذلك المصنف منه فصاعدًا. يعني: الذي ينبغي أن ننظر إليه، وأن نبحث عنه مثلًا بالنسبة إلى مسند الإمام أحمد لا ندَّعي أن هناك خللًا في أسانيد وصول ذلك الكتاب إلينا، فهو لشهرته يغني عن ذلك، وينحصر النظر فقط في أسانيد أحاديث ذلك المصنّف منه فصاعدًا؛ وبالتالي يمكننا أن نحكم بناءً على هذه الأسانيد التي سلمت من الخلل في نظر ابن الصلاح، نحكم على صحة بعضها حتى ولو لم ينص المتقدم على ذلك.

ابنُ حجر يعذر ابنَ الصَّلاح فيما ذهب إليه:

قال ابن حجر منصفًا لابن الصلاح: لكن قد يقوِّي ما ذهب إليه ابن الصلاح بوجهٍ آخَر وهو: ضعفُ نظر المتأخِّرين بالنِّسبة إلى المتقدِّمين.

وقيل: إنَّ الحامل لابن الصلاح على ذلك: أن المستدرك للحاكم كتاب كبير جدًّا، يصفو له منه تصحيحٌ كثير، وهو -مع حرصه على جمع الصَّحيح- غزيرُ الحفظ، كثيرُ الاطِّلاع، واسع الرواية؛ فيبعد كلَّ البعد أن يوجد حديثٌ بشرائط الصحة لم يُخَرِّجه. وهذا قد يُقبل، لكنَّه لا ينهضُ دليلًا على التَّعذُّر.

ومعنى كلام ابن حجر: أنّ الحاكم في مستدركه قد جمع كلَّ ما هو صحيح، ويبعد أن يوجد حديثٌ بعد المستدرك ليس محكومًا عليه بعدم الصحة وهو صحيح.

ومن هنا إذا كان هناك حديثٌ لم يحكم عليه المتقدِّمون، ولم يحكم عليه الحاكم، فهذا يجعل الحكمَ عليه بالصحة متعذِّرًا.

موقف السُّيوطي من قضيَّة جواز تصحيح المتأخِّرين للحديث:

قال السُّيوطي: والأحوط في مثل ذلك، أن يعبرَ عنه بـصحيح الإسناد، ولا يُطلق التَّصحيح، لاحتمال علَّةٍ للحديث خفيَت على المتأخِّر.

قال السُّيوطيُّ: وقد رأيتُ من يعبر خشيةً من ذلك بقوله: صحيحُ الإسناد، إن شاء الله تعالى.

يعني: فاحتاط بأمريْن:

– الأمر الأول: أنه حكم على الإسناد، ولم يحكم على الحديث، لأنَّه قد تكون هناك علَّةٌ خفيَّة مع صحَّة رجاله.

– واحتاط أيضًا بقوله: إن شاء الله تعالى؛ فعلَّق هذه الصحة على مشيئة الله تعالى.

قال السيوطي: وكثيرًا ما يكون الحديث ضعيفًا أو واهيًا، يعني هو يدلِّل على أنَّ صحة الإسناد لا تستلزم أن يكون الحديث صحيحًا.

قال: وكثيرًا ما يكون الحديث ضعيفًا أو واهيًا، والإسنادُ صحيحٌ مركَّبٌ عليه:

فقد روى ابن عساكر في تاريخه، من طريق عليِّ بن فارس: حدَّثنا مكِّيُّ بن بندار، حدثنا الحسن بن عبد الواحد القزويني، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا مالك عن الزُّهري، عن أنس مرفوعًا: “خُلق الوردُ الأحمرُ من عَرَقِ جبريل ليلةَ المعراج. وخُلق الوردُ الأبيضُ من عرقي. وخُلق الورد الأصفر من عَرق البراق”.

قال ابن عساكر: هذا حديثٌ موضوعٌ، وضعه من لا علْم له، وركََّبه على هذا الإسناد الصحيح.

ثم نبَّه السُّيوطيُّ في (تدريب الرَّاوي شرح تقريب النَّواوي) على أنَّه: لم يتعرَّض المصنِّفُ -أي: الإمام النَّووي- ومَن بعده، كابن جماعة وغيرِه ممَّن اختصر ابنَ الصَّلاح والعراقي في الألفيَّة والبلقيني وأصحاب النُّكت، لم يتعرَّضوا إلا للتَّصحيح فقط، وسكتوا عن التَّحسين.

قال السيوطي: وقد ظهر لي أن يُقال فيه: إنَّ من جوَّز التَّصحيح، فالتَّحسين أوْلى. ومَن منَع، فيحتمل أن يجوِّزه.

إنَّ مَن جوَّز التَّصحيح كالَّذين خالفوا ابن الصَّلاح، كالعراقي وغيره وهم كثيرون، فالتَّحسين أولى.

يعني: إذا جاز لي وأنا متأخِّر: أن أصحح حديثًا لم يحكم عليه المتقدمون، لوجود شرائط الصحيح فيه، فكذلك يجوز لي أن أحسِّنه. والتحسين أولى، لأنه أقلُّ خطرًا من التَّصحيح.

ومَن منع التَّصحيح للمتأخِّرين في ما لم يحكم عليه المتقدِّمون بالصحة، كابن الصَّلاح، فيحتمل أنَّه يُجوِّز التَّحسين لأنَّه أقلُّ خطرًا من التَّصحيح.

– وقد حسَّن المزي حديث: ((طلب العلم فريضة))، مع تصريح الحفاظ بتضعيفه. وهذا مثالٌ لما قلنا من أن كلام ابن الصلاح يستلزم أن نُضعِّف ما هو صحيح. فإذا كان الحفاظ قد ضعفوا هذا الحديث، وتبيَّن لمثل المزِّي أنَّه حسن، فإذا قلنا برأي ابن الصلاح فإننا لا نقول بحسنه ونظلُّ على أنّ هذا الحديث ضعيف.

– وحسَّن جماعةٌ كثيرون أحاديثَ صرَّح الحفاظُ بتضعيفها.

قال السيوطي: ثمَّ تأمَّلت كلام ابن الصلاح، فرأيته سوَّى بينه وبين التَّصحيح، حيث قال: فآل الأمر إذًا في معرفة الصحيح والحَسن، إلى الاعتماد على ما نصَّ عليه أئمَّة الحديث في كتبهم… إلى آخِره.

فهو هنا: سوَّى بين الصحيح والحَسن؛ فكذلك ينبغي أن نفهم كلامه على أنه منع التصحيح ومنع الحَسن.

قال السيوطي: وقد منع -فيما سيأتي، ووافقه عليه النَّووي وغيره: أن يُجزم بتضعيف الحديث اعتمادًا على من ضعَّف إسناده، لاحتمال أن يكون له إسنادٌ صحيحٌ غيرُه.

يعني: ابن الصلاح يقول: إذا كان هناك حديث حَكم عليه النقاد بأنه ضعيف، فلا ينبغي أن نجزم بأنه ضعيف اعتمادًا على ضعف إسناده، لاحتمال أن يكون له إسنادٌ صحيح لم يَطَّلع عليه المتقدمون مثلًا، أو لم يتبيَّن لنا. ومعنى ذلك: أن الباب مفتوحٌ لتصحيح هذا الحديث إذا وجد له إسناد صحيح، أو وجدت له طُرق تقوِّيه وترفعه إلى درجة الحسن أو إلى درجة الصحيح.

قال السيوطي: فالحاصل: أنَّ ابن الصلاح سدَّ باب التَّصحيح والتَّحسين والتَّضعيف، على أهل هذه الأزمان لضعف أهليَّتهم، وإن لم يوافَق على الأوّل، يعني لم يوافَق على سد باب التصحيح.

ولا شكَّ أن الحكم بالوضع أوْلى بالمنع. يعني: إذا كان سدَّ باب التصحيح والتحسين والتضعيف، فالحكم بالوضع أوْلى بالمنع قطعًا، إلا حيث لا يَخفى.

يعني: إلا ما هو ظاهر في وضعه، كالأحاديث الطوال الركيكة التي وضعها القُصَّاص، أو ما فيه مخالفةٌ للعقل، أو الإجماع، كما هو في الحديث الذي حكم ابن عساكر بأنَّه موضوع، وضعه من لا علم له، وركَّبه على الإسناد الصحيح، وهو: “خُلق الورد الأحمر من عرق جبريلَ ليلةَ المعراج…” إلى آخِره.

وقال السُّيوطيُّ ما يُبيِّنُ أنَّه ليسَ كلُّ حديث طويل إنما هو موضوع، ويحكم عليه بالوضع: وقد رأيتُ في كتاب (المنامات) لابن أبي الدُّنيا حديثًا مرسلًا لا بأس بسنده، لو سئلتُ عنه قبل الوقوف عليه لبادرتُ في إنكاره، لِما يظهر عليه من العلامات التي تقتضي الإنكار؛ لكنَّه وقف على أنَّ له إسنادًا لا بأس به.

ومعنى ذلك: أنّ الحُكم بالوضع هو تمامًا مثل التَّصحيح والخلافِ فيه، وما يستلزمه من التَّحسين والتَّضعيف؛ فابنُ الصَّلاح سدَّ الباب، وأبقاه العلماءُ بعده مفتوحًا.

error: النص محمي !!