Top
Image Alt

آراء العلماء في معنى المحكم, والمتشابه

  /  آراء العلماء في معنى المحكم, والمتشابه

آراء العلماء في معنى المحكم, والمتشابه

1. يختلف العلماء في تحديد معنى المحكم والمتشابه اختلافات كثيرة:

منها: أن المُحكم هو الواضح الدلالة، الظاهر الذي لا يحتمل النسخ، أما المُتشابه؛ فهو الخفي الذي لا يدرك معناه عقلًا ولا نقلًا، وهو ما استأثر الله تعالى بعلمه؛ كقيام الساعة، والحروف المقطعة في أوائل السور، وقد عزى الألوسي -رحمه الله تبارك وتعالى- هذا الرأي إلى السادة الحنفية.

ومنها: أن المُحكم ما عُرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل، أما المتشابه: فهو ما استأثر الله تعالى بعلمه، كوقت قيام الساعة، وخروج الدجال، والحروف المقطعة في أوائل السور، وينسب هذا القول إلى أهل السنة على أنه هو المختار عندهم.

ومنها: أن المُحكم ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا من التأويل، أما المُتشابه فهو ما احتمل أوجهًا، ويعزى هذا الرأي إلى ابن عباس، ويجري عليه أكثر الأصوليين.

ومنها: أن المُحكم ما استقل بنفسه، ولم يحتج إلى بيان، أما المتشابه فهو الذي لا يستقل بنفسه، بل يحتاج إلى بيان؛ فتارة يبين بكذا، وتارة يبين بكذا؛ لحصول الاختلاف في تأويله، ويحكى هذا القول عن الإمام أحمد -رحمه الله تبارك وتعالى.

ومنها: أن المُحكم هو السديد النظم والترتيب، الذي يفضي إلى إثارة المعنى المستقيم من غير منافٍ، أما المُتشابه فهو الذي لا يحيط العلم بمعناه المطلوب من حيث اللغة، إلا أن تقترن به أمارة أو قرينة، ويندرج المشترك في المتشابه بهذا المعنى، وهو منسوب إلى إمام الحرمين.

ومنها: أن المُحكم هو الواضح المعنى الذي لا يتطرق إليه إشكال، مأخوذٌ من الإحكام وهو الإتقان، أما المتشابه فنقيضه وينتظم المُحكم على هذا ما كان نصًّا وما كان ظاهرًا، وينتظم المتشابه ما كان من الأسماء المشتركة، وما كان من الألفاظ الموهمة للتشبيه في حقه سبحانه، وقد نسب هذا القول إلى بعض المتأخرين، ولكنه في الحقيقة رأي الطيبي.

هذه الأقوال السالفة ذكرها الإمام الزرقاني -رحمه الله- ثم أضاف إليها بعض الآراء الأخرى فقال:

واعلم أن وراء هذه الآراء آراء أخرى:

منها: أن المُحكم هو الذي يُعمل به، أما المتشابه؛ فهو الذي يؤمن به، ولا يُعمل به، وقد روى السيوطي هذا القول عن عكرمة وقتادة وغيرهما، وفيه أن ذلك قصرٌ للمُحكم على ما كان من قبيل الأعمال، وقصرٌ للمتشابه على ما كان من قبيل العقائد، وإطلاق القول فيهما على هذا الوجه غير سديد؛ فإن أرادوا بالمحكم أنه هو الواضح الذي يؤخذ بمعناه على التعيين، وبالمتشابه ما كان خفيًّا يجب الإيمان به دون تعيين لمعناه، نقول: إن أرادوا ذلك؛ فالعبارة قاصرةٌ عن أداء هذا المراد، والمراد منها لا يدفع الإيراد عليها.

ومنها: أن المُحكم ما كان معقول المعنى، والمتشابه بخلافه؛ كأعداد الصلوات، واختصاص الصيام برمضان دون شعبان، وفيه أن هذا التفسير قاصرٌ عن الوفاء بكل ما كان واضحًا، وكل ما كان خفيًّا.

ومنها: أن المُحكم ما لم ينسخ والمتشابه ما نسخ، وفيه أن هذا اصطلاح قد نوهنا به سابقًا، ونظرًا إلى أن هذه الآراء أضعف من تلك الآراء التي قدمناها، وأبعد عنها في ملحظها ومغزاها، أفردناها بالذكر، هكذا ذكر الزرقاني -رحمه الله.

وبالتالي أرى على طالب العلم أن يعرف الأقوال السابقة، وأن يقف على هذه الأقوال لمعرفتها، وقد ذكر الزرقاني -رحمه الله- مناقشات تبين ضعف هذه الأقوال.

وعلى كل حال؛ فالأمر سهل وهين؛ لأنه يرجع إلى الاصطلاح، أو ما يشبه الاصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح.

2. سبب الاختلاف في معرفة المتشابه:

هذه المسألة مهمة؛ لأن المحكم هو النص الظاهر الواضح الدلالة، بخلاف المتشابه -كما سبق ذكر الأقوال في ذلك- ولهذا أرى أن نبحث هذه المسألة، وهي سبب الاختلاف في معرفة المتشابه؛ ولذلك أقول -وبالله التوفيق-: بعضُ الباحثين يرجع السبب في الاختلاف في معرفة المتشابه إلى الاختلاف في الوقف في قوله تعالى: {هُوَ الّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مّحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] وهذا ليس بصحيح؛ يعني: أن الاختلاف في معرفة المتشابه ليس بسبب الاختلاف في الوقف في هذه الآية؛ إذ أن الوقف أو الوصل مبني على الاختلاف في معنى التأويل.

فسبب الاختلاف إذن في معرفة المتشابه، هو الاختلاف في المراد بالتأويل في قوله سبحانه: {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} وفيه ثلاثة أقوال أبينها كما يلي:

القول الأول: أن كلمة التأويل تطلق ويراد بها التفسير، وعلى هذا فالتأويل يعلمه الراسخون في العلم، ومنه دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس : ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)). وقول ابن عباس : “أنا ممن يعلم تأويله”، وقول مجاهد: “الراسخون في العلم يعلمون تأويله”، ومنه قول الإمام ابن جرير -رحمه الله تبارك وتعالى-: “واختلف أهل التأويل في هذه الآية” يعني: واختلف أهل التفسير، ومنه قوله: “القول في تأويل قوله تعالى “كذا” يعني بهذا: القول في تفسير قول الله تعالى “كذا”، وهو أيضًا المعنى الذي قصده ابن قتيبة، وأمثاله، ممن يقول: إن “الراسخين في العلم يعلمون التأويل”، ومرادهم به التفسير، وهو قول متقدمي المفسرين, كابن عباس,  ومجاهد، ومحمد بن جعفر بن الزبير، وابن إسحاق، وابن قتيبة، والربيع بن أنس، والضحاك، والنووي، وابن الحاجب.

وعليه فإن الوقف يكون على قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ} يعني: أن الوقف يكون على ذلك، إذا كان المراد بالتأويل التفسير، وهذا وقف صحيح، وقد ذكر ذلك كثير من المفسرين وأهل الأصول، وقالوا: الخطاب بما لا يُفهم بعيد، يعني: أن الله عز وجل خاطبنا في كتابه بكلام عربي نفهمه، وبالتالي فكلمة التأويل بمعنى التفسير، وهي بيان المعنى المراد من ألفاظ القرآن الكريم، هذا هو المعنى الأول من معاني التأويل.

القول الثاني: أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول إليها الخطاب، وهي نفس الحقائق التي أخبر الله عنها؛ فتأويل ما أخبر ربنا سبحانه وتعالى به عن اليوم الآخر، هو نفس ما يكون في اليوم الآخر، وتأويل ما أخبر به عن نفسه، هو نفسه المقدسة الموصوفة بصفاته العلية، وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله؛ ولهذا كان السلف يقولون: “الاستواء معلوم، والكيف مجهول” فيثبتون العلم بالاستواء، وهو التأويل الذي بمعنى التفسير، وهو معرفة المراد بالكلام، حتى يتدبر ويعقل ويفقه، ويقولون بعد ذلك، بعد معرفتهم للمعنى، أي: يقولون: الكيف مجهول، وهو التأويل الذي انفرد الله بعلمه، وهو الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو.

وعليه -أعني: على أن التأويل بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الأمر- فإن الوقف يكون على لفظ الجلالة في قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ} نقف هنا ثم بعد ذلك نبتدئ بقولنا: {وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ}. والواو إذن تكون للاستئناف، و”الراسخون” مبتدأ، و”يقولون” خبره. وقال بهذا القول نيفٌ وعشرون رجلًا من الصحابة والتابعين. والقراء والفقهاء وأهل اللغة.

فمن الصحابة: عائشة، وابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي بن كعب، وجابر بن عبد الله, فقد روي عن عائشة, أنها قالت: “بلغ رسوخهم في العلم إلى أن قالوا: آمنا به”، وفي رواية: “ولم يعلموا تأويله”؛ لأن معرفة الحقيقة التي يؤول إليها الأمر في مثل ما أخبر الله -تبارك وتعالى- به عما يدور في اليوم الآخر، لا يعلمه إلا رب العباد سبحانه وتعالى وكذلك كيفية صفات الله عز وجل وما هو عليه سبحانه لا يعلمه إلا هو، وبالتالي يكون الوقف على قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ}، ومن هنا نفهم معنى قول أم المؤمنين عائشة: “بلغ رسوخهم في العلم إلى أن قالوا: آمنا به” وفي رواية: “ولم يعلموا تأويله”.

وما أخرجه الشيخان وغيرهما أيضًا عن عائشة  قالت: ((تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هُوَ الّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} إلى قوله: {أُوْلُواْ الألْبَابِ} قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم)).

وكان ابن عباس يقرأ: “وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ ويَقُول َالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آمَنَّا بِهِ” وهي قراءة على التفسير، يعني: على تفسير وتحليل، وشرح المعنى. وكان ابن مسعود أيضًا يقرأ: “وَإِنْ تَأْوِيلَه إِلَّا عِنْدَ اللهِ والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ” وقد أخرج ذلك ابن أبي داود في المصاحف، كما قال بهذا القول من التابعين ثلاثة؛ وهم: الحسن، وابن نهيك، والضحاك.

وقال به من الفقهاء: مالك ابن أنس، ومن القراء ثلاثة؛ وهم: نافع، ويعقوب، والكسائي. ومن النحويين: الأخفش، وسعيد، والفراء، وسهل بن محمد.

ويروى عن عمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، وأبي عبيد، وابن جرير، وأبي إسحاق، وابن كيسان، والسُّدي؛ ويدل على ذلك أن الآية دلت على ذم متبع المتشابه، ووصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة، وعلى مدح الذين فوضوا العلم إلى الله وسلموا إليه، كما مدح الله المؤمنين بالغيب، وقال ابن تيمية -رحمه الله- عن هذا المعنى: إنه هو معنى التأويل في القرآن الكريم، وهو المراد به في مثل قول الله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبّنَا بِالْحَقّ} [الأعراف: 53] وقوله سبحانه: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [الإسراء: 35] ومنه قول يوسف عليه السلام: {وَقَالَ يَأَبَتِ هَـَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبّي حَقّاً} [يوسف: 100] وقال عن هذا المعنى -أعني ابن تيمية-: إنه لغة القرآن التي نزل بها؛ فتأويل الأحاديث التي هي رؤيا المنام، هي نفس مدلولها التي تؤول إليه.

كما قال يوسف عليه السلام: {وَقَالَ يَأَبَتِ هَـَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبّي حَقّاً} وقال الله تعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59] قالوا: أحسن عاقبة ومصيرًا؛ فالتأويل هنا تأويل فعلهم الذي هو الرد إلى الكتاب والسُّنة، والتأويل في سورة “يوسف” تأويل أحاديث الرؤيا، والتأويل في “الأعراف” -أعني في قول الحق -تبارك وتعالى-: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبّنَا بِالْحَقّ} المراد بالتأويل في هذه السورة- وكذلك أيضًا في سورة “يونس”، تأويل القرآن، وكذلك في سورة “آل عمران”.

وقال تعالى في قصة موسى والعالم وهو الخضر عليه السلام: {سَأُنَبّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عّلَيْهِ صَبْراً} [الكهف: 78] إلى قوله: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عّلَيْهِ صَبْراً} [الكهف: 82] فالتأويل هنا تأويل الأفعال التي فعلها العالم من خرق السفينة بغير إذن صاحبها، ومن قتل الغلام، ومن إقامة الجدار؛ فهو تأويل عمل لا تأويل قول، وإنما كان كذلك؛ لأن التأويل مصدر أوله يؤوله تأويلًا؛ وقولهم: آل يؤول. أي: عاد إلى كذا ورجع إليه، ومنه المآل، وهو ما يؤول إليه الشيء، ويشاركه في الاشتقاق الأكبر الموئل؛ فإنه من: “وأل” وهذا من: “أول”، و”الموئل”: المرجع، قال تعالى: {لّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاٍ} [الكهف: 58].

القول الثالث: وهو اصطلاح طوائف من المتأخرين؛ قالوا فيه: إن التأويل هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح؛ لدليل يقترن به. ويريدون بذلك صرف الألفاظ القرآنية عن معانيها الحقيقة، إلى معانٍ باطلة؛ ليؤيدوا بها مذاهبهم وآراءهم المنحرفة، فهم اعتقدوا رأيًا، ثم حملوا نصوص القرآن عليه؛ لتوافق ما ذهبوا إليه، وهؤلاء -كما قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى- عنهم- صاروا مراتب ما بين قرامطة وباطنية يتأولون الأخبار والأوامر، وما بين صابئة وفلاسفة يتأولون عامة الأخبار عن الله وعن اليوم الآخر؛ حتى عن أكثر أحوال الأنبياء، وما بين جهمية ومعتزلة يتأوَّلون بعض ما جاء في اليوم الآخر وفي آيات القدر، ويتأولون آيات الصفات، وقد وافقهم بعض متأخري الأشعري على ما جاء في بعض الصفات، يعني: أنهم صرفوها عن ظواهرها دون دليلٍ يرجعون إليه في ذلك.

وبعضهم ذكر ذلك في بعض ما جاء في اليوم الآخر، وآخرون من أصناف الأمة -وإن كانت تغلب عليهم السُّنة- قد يتأولون أيضًا مواضع يكون تأويلهم من تحريف الكلم عن مواضعه. وقد ذكر ابن تيمية -رحمه الله- في موضع آخر أمثلة لهذه التأويلات؛ فقال: كتأويل من تأول استوى بمعنى “استولى” ونحوه، فهذا عند السلف والأئمة باطلٌ لا حقيقة له، بل هو من باب تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله -تبارك وتعالى- وآياته؛ فلا يقال في مثل هذا التأويل: “لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم” بل يقال فيه: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـَؤُلآءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىَ عَمّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18].

كتأويلات الجهمية والقرامطة الباطنية؛ كتأويل مَن تأول الصلوات الخمس بمعرفة أسرارهم، والصيام بكتمان أسرارهم، والحج بزيارة شيوخهم، والإمام المبين بعلي بن أبي طالب, وأئمة الكفر؛ بطلحة والزبير, والشجرة الملعونة في القرآن ببني أمية، إلى غير ذلك من التأويلات الباطلة التي أدخلتها القرامطة الباطنية حتى يفسدوا دين الله عز وجل، وهذه التأويلات في الحقيقة من باب تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في آيات الله، وهي من باب الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وكتابه. ومثل هذه لا تُجعل حقًّا حتى يقال: إن الله استأثر بعلمها، بل هي باطل، مثل: شهادة الزور، وكفر الكفار، يعلم الله أنها باطل، والله يُعَلِّم عباده بطلانها، بالأسباب التي بها يُعَرِّف عباده ذلك من خلال نَصْبِ الأدلة لهم وغيرها.

وهذا التأويل هو الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف؛ فإذا قال أحدهم: هذا الحديث، أو هذا النص مؤول، أو هو محمول على كذا. قال الآخر: هذا نوع تأويل، والتأويل يحتاج إلى دليل، وهو أيضًا التأويل الذي يتنازعون فيه في مسائل الصفات، إذا صنف بعضهم في إبطال التأويل، أو ذم التأويل، أو قال بعضهم: آيات الصفات لا تؤول، وقال الآخر: بل يجب تأويلها.

وقال الثالث: بل التأويل جائز، وبهذا يظهر بطلان القول الثالث، أعني: التأويل الذي هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح؛ لدليل يقترن به، ويريدون بذلك صرف الألفاظ القرآنية عن معانيها الحقيقية، هذا هو الأصل، وإلا فتأويلهم لا يوجد عليه دليلٌ راجحٌ أبدًا؛ لأنهم يصرفون اللفظ عن ظاهره دون دليلٍ بحالٍ من الأحوال وبالتالي فالتأويل بالمعنى الثالث باطل وليس من أقوال السلف، وأما القولان الأول والثاني -الأول أعني أن التأويل بمعنى التفسير، والثاني: أعني أن التأويل بمعنى الحقيقة التي يؤول بها الأمر- فكلاهما معنى صحيح، ومَن قال: بأن الراسخين في العلم يعلمون تأويله؛ فقد أخذ بالقول الأول وهو أن معنى التأويل التفسير.

ومَن قال: إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله؛ فقد أخذ بالقول الثاني، وهو أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام وهذا لا يعلمه إلا الله -تبارك وتعالى.

ويهمنا هنا أن نقول: بأنه لا تعارض بين هذين القولين -أعني: بأن التأويل بمعنى التفسير، أو بمعنى الحقيقة، التي يؤول إليها الأمر، لا تعارض بينهما- ولا اختلاف؛ فالجميع يسلم بأن الراسخين في العلم يعلمون تأويله بمعنى تفسيره، ومَن زعم أنهم لا يعلمون تأويله بمعنى تفسيره، نازعه فيه عامة الصحابة والتابعين، الذين فسَّروا القرآن الكريم كله، وقالوا بأنهم يعلمون معناه، والراسخون في العلم لا يعلمون تأويله بمعنى الحقيقة، التي يؤول إليها الكلام، وبهذا يظهر التوافق والتطابق والتكامل بين القولين.

3. هل آيات الصفات من المتشابه؟

بعد أن بينتُ معاني التأويل، وأشرت فيما مضى إلى أن علماء الكلام أدخلوا آيات الصفات في معنى المتشابه؛ لا بد من أن أبين مدى صحة هذا القول، ولذلك طرحت هذا السؤال: هل آيات الصفات من المتشابه؟

ورد في بعض الكتب التي تحكي مذهب السلف، أن آيات الصفات من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، وذلك لدقة المعنى المقصود منها وخفائه، وقد ذكر ذلك صاحب (المنار) الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- بعد أن حكى لنا عشرة أقوال في المحكم والمتشابه، ثم حكى لنا عن ابن تيمية: أن المتشابه آيات الصفات خاصة، ومثلها أحاديث الصفات، ولكن ابن تيمية -رحمه الله- ليس ممن يقولون بأن آيات الصفات من المتشابه، كما أنه لا يقول بأن المتشابه لا يعلم معناه إلا الله، وسيتضح لنا ذلك بعد قليل -إن شاء الله تعالى.

ويكفي هنا أن أقول: إن ابن تيمية -رحمه الله- يرد هذا القول بحدة، ويقدم أدلة بطلانه دليلًا تلو دليل؛ فيقول -رحمه الله-: والدليل على أن ذلك ليس بمتشابه -يعني: آيات الصفات لا يُعلم معناه- أن نقول: لا ريب أن الله قد سمى نفسه في القرآن بأسماء مثل: الرحمن الرحيم، وغير ذلك؛ فإنا نفهم من قوله: {اللّهُ يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنّ اللّهَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٍ} [العنكبوت: 62] معنى، ونفهم من قوله: {فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259] معنى ليس بالأول؛ فهل هذه الأسماء دالة على الإله المعبود، وعلى حقٍّ موجود أم لا، وهل نفهم منها دلالتها على نفس الرب، أو لم نفهم دلالتها على ما فيها من معان كالقدرة والعلم مثلًا؛ فمن أين إذن يأتي الاشتباه ويتطرق إليها؟.

ولذلك أقول: أمامي الآن حشدٌ هائل من الأقوال والآثار التي تحكي موقف السلف، وليس في واحد منها نصٌّ ينصُ صراحةً على أن أسماء الله وصفاته من قبيل المتشابه، الذي لا يعلم أحدٌ معناه، وما ذكره الأصفهاني -رحمه الله- من أن صفات الله من قبيل المتشابه في المعنى، جعل علة التشابه في ذلك دقة المعنى وخفائه، وذلك لا يكون بالنسبة إلى كل الناس، وإنما هو متشابه في حق بعضهم فقط؛ فهي من قبيل التشابه النسبي أو الإضافي الذي تتفاوت فيه مدارك الناس وعقولهم.

وما حكاه صاحب (المنار) في تفسيره ليس مذهبًا لابن تيمية، بل لا يقول به، ولا يميل إليه أبدًا.

وما ذكره الإمام السيوطي -رحمه الله- في (الإتقان) من أن آيات الصفات من المتشابه، هذا القول الذي ذكره لم يأتِ بدليل يدل على ما ذهب إليه، فلم يستدل -رحمه الله- على رأيه في ذلك بدليل يؤكد صحة قوله، وإنما حكى لنا آثارًا تؤكد وجهة نظرنا فيما نقول، وهي أن آيات الصفات ليست من المتشابه؛ لأنه قال بعد أن ذكر آيات الصفات مباشرة: “وجمهور أهل السُّنة -منهم السلف وأهل الحديث- على الإيمان بها، وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها”.

هذا هو تحديد السيوطي لموقف السلف، وهو في الحقيقة كلام صحيح إلا أن قوله: “وتفويض معناها” غير صحيح، فهم يؤمنون بها، ويعرفون معناها، ولكنهم يفوضون في الكيفية، منزهين رب العباد سبحانه عن الحقيقة، التي ترجع إليها هذه الصفة؛ فهم يعرفون المعنى، ولا يفوضون فيه، ولذلك فإني أخالف الإمام السيوطي -رحمه الله- في هذا الاتجاه كما أخالف كل من ذهب إلى ذلك من المتكلمين والفلاسفة.

وسأعرض هنا أدلة السيوطي على رأيه وهي بعينها أدلة كل من سار في نفس الاتجاه قبل السيوطي، حيث قد ذكر في (الإتقان) في قول الحق -تبارك وتعالى-: {الرّحْمَـَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىَ} [طه: 5] ذكر قول مالك: “الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة”.

وقال الترمذي في الكلام عن حديث الرؤية: “المذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة -كسفيان الثوري، ومالك، وابن المبارك، وابن عيينة، ووكيع، وغيرهم- أنهم قالوا: تروى هذه الأحاديث كما جاءت، ونؤمن بها ولا يقال: كيف؟ ولا نفسر، ولا نتوهم”.

هذه هي أدلة السيوطي -رحمه الله- وهي بعينها أدلة غيره من الذين مالوا إلى هذا الاتجاه في تحديد موقف السلف من الصفات، ولكن لنا أن نتساءل: هل في هذه الأدلة ما ينص على أن هذه الآية أو الحديث مثلًا مشتبه في معناه، غير معلوم لنا؟ إن ما أورده السيوطي -رحمه الله- يثبت أن هناك معنًى معلومًا لنا، ويجب علينا الإيمان به، وأنّ هناك كيفًا مجهولًا عنّا، والسؤال عنه بدعة، والفرق واضحٌ بين معنى الاستواء الذي هو معلومٌ من ظاهر اللفظ، وبين كيفيته.

ولقد أثبت مالكٌ، وابنُ أبي ربيعةَ، وأمُّ سلمةَ، أن الاستواء معلوم لنا غير مجهول عنا، وأن الكيف مجهولٌ وغيرُ معقولٍ، وهذا اتفاق بينهم على أنهم يعلمون معنى هذه الآية، وأنهم لم يجهلوا تفسيرها ولا معناها، وإنما الذي كفُّوا أنفسهم عنه، وتناهوا فيما بينهم عن الخوض فيه، هو البحث عن الكيفية؛ لأن هذا قد استأثر الله بعلمه، ونحن لم نطالب إلا بمعرفة معنى الآية، وتدبر معناها، ولم نكلف العلم بكيفيتها ولا حقيقتها؛ لأن معرفة الكيف والحقيقة هو تأويلها الذي لا يعلمه إلا الله، وهكذا شأن جميع آيات القرآن الكريم التي تتصل بصفات الله تعالى، أو تتحدث عنه، أو عن القيامة والبعث؛ فلم نكلف إلا معرفة معناها فقط، ومعنى ما تدل عليه، أما البحث في كيفيتها وحقيقتها فهذا هو التأويل المحجوب عنا؛ لأن ذلك من الغيوب التي استأثر الله بعلمها حيث لا يعلم تأويلها إلا الله.

والسؤال الآن: هل هناك اشتباه في معنى آيات الصفات أو غموض في بيانها؟

لقد نشأ الغلط في ذلك من خلط المتأخرين بين علم معنى الآية، الذي خوطبنا به، وبين تأويلها الذي هو حقيقتها المحجوب عنا، ولم يفرقوا بين معنى الآية، وبين تأويلها، وزعموا أن السلف حين تناهوا فيما بينهم عن الخوض في هذه الآيات، أنهم نهوا أنفسهم عن البحث في معناها؛ لأنها من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، وهذا خلط نشأ من عدم التفرقة بين المعنى وبين التأويل؛ فالذي كف السلف أنفسهم عن الخوض فيه، هو البحث في كيفية الصفة التي تتحدث عنه الآية؛ فلا يقال له: كيف؟ لأنه عنه مرفوع.

ولقد قال السلف في معنى هذه الآيات: قالوا: كلمات لها معان مفهومة وصحيحة، قالوا في أحاديث الصفات: تمر كما جاءت، وهي دالة على معناها من غير تأويل لها، ومرادهم بالتأويل التحريف المقصود، الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره الذي عُرف بين الباطنية والجهمية المبتدعة ومَن نحا نحوهم، ولا يليق أن تكون آيات الصفات بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم أحدٌ معناه، وهل من الصواب في شيء أن نجعل آيات مثل قوله تعالى: {هُوَ الأوّلُ وَالاَخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3] {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} [البروج: 14] و{فَعّالٌ لّمَا يُرِيدُ} [البروج: 16] نجعلها بمنزلة آيات مثل: {طسَمَ} أو {حـمَ} هل هذه بمنزلة تلك في فهم معناها وبيان مرادها؟ وهل يقول عاقل: {إِنّ بَطْشَ رَبّكَ لَشَدِيدٌ} [البروج: 12] يشتبه بقوله: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ}؟

لو كانت آيات الصفات وما يتصل بها غير معلوم لنا معناها؛ لخرج معظم القرآن عن أن يكون مفهومًا لنا أو معلومًا لدينا، وكيف يصح ذلك وقد حض القرآن على تدبر آياته؛ وفقه معانيه، والتذكر به، والتفكير فيه، ولم يستثنِ من ذلك شيئًا، ونصوص القرآن عامة في ذلك، بلا استثناء قال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىَ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} [محمد: 24] وقال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء: 82].

ومعلوم أن نفي الاختلاف عنه لا يكون إلا بعد تدبر آياته كلها وطول التأمل فيها، والحث على تدبر القرآن وفقه معناه يناقض القول بأن هناك آيات لا معنى لها، أو لا نفهم لها معنى، أو يجب الكف عن بيان معناها، أو تفويض العلم بها إلى الله، والسلف قد تكلموا في جميع آيات الصفات وفي نصوص القرآن، وفسروها بما يوافق معناها ودلالتها، ولم يسكتوا عن بيان معنى آية ما سواء في ذلك المحكم والمتشابه؛ فهذا ابن مسعود كان يقول: “لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تبلغه المطى الإبل لأتيته”. وابن عباس حبر الأمة، كان من أكثر الصحابة تفسيرًا لآيات الصفات، ومن يقرأ كتب التفسير بالمأثور مثل: (تفسير ابن جرير) أو (الدر المنثور) يعلم يقينًا أن السلف لم يتركوا آية من كتاب الله بلا تفسيرٍ لمعناها.

يقول أبو عبد الرحمن السُّلمي -رحمه الله تبارك وتعالى-: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن -عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما- أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل معًا. وهذا الكلام إذا أضفته إلى ما سبق أن ذكرته في معاني التأويل، والوقف الصحيح على قول الحق -تبارك وتعالى-: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ} [آل عمران:7] لظهر المراد من ذلك، ولعرفت أن آيات الصفات ليست من المتشابه؛ لأنها آياتٌ معلومةٌ لنا، وأن الراسخين في العلم يعلمون القرآن الكريم، بمعنى أنهم يعلمون تفسيره، ويعرفون معناه، وآيات الصفات ليست من باب الألغاز، بل تعبدنا رب العالمين سبحانه وتعالى يعني: أمرنا أن نعبده عز وجل بأسمائه وصفاته، ولا يمكن لنا أن يتأتى هذا الأمر إلا إذا كنا نفهم معاني هذه الأسماء، وهذه الصفات، وبالتالي أقول: إن آيات الصفات ليست من المتشابه

error: النص محمي !!