Top
Image Alt

آراء الفقهاء في إتمام المسبوق

  /  آراء الفقهاء في إتمام المسبوق

آراء الفقهاء في إتمام المسبوق

ينقلنا ابن رشد -رحمه الله- بعد ذلك إلى المسألة الثانية من المسائل الثلاث القواعد، وهي: كيف يتم المسبوق صلاته؟ وهل تعتبر أداءً أو قضاءً؟ بهذا يكون ابن رشد قد انتهى من بيان أقوال العلماء في المسألتيْن اللّتيْن فرّعهما عن المسألة الأولى من المسائل الثلاث القواعد، وهي: مسألة متى تفوت الركعة؟ هل تفوت الركعة بمن فاته الركوع مع الإمام؟ أو تفوت الركعة بمن فاته الركوع والقيام مع الإمام؟ أو لا تفوت الركعة، ما دام قد أدرك الإمام قبل أن يقوم إلى الركعة الثانية؟

كما أضاف أيضًا المسألة الثانية وهي: السّهو عن الركوع مع الإمام، وأقوال الفقهاء فيه.

وبهذا ينقلنا ابن رشد إلى المسألة الثانية من المسائل الثلاث القواعد وهي: مسألة صلاة المسبوق، كيف يتم المسبوق صلاته بعد أن يسلّم الإمام؟ وهل يعتبر إتمام المسبوق صلاته أداءً أو قضاءً.

يقول -رحمه الله- تحت هذا العنوان: وأمّا المسألة الثانية من المسائل الثلاث الأُوَل التي هي أصول هذا الباب، وهي:

هل إتيان المأموم بما فاته من الصلاة مع الإمام أداءً أو قضاءً؟:

يعرض أقوال الفقهاء في ذلك فيقول:

في ذلك ثلاثة مذاهب:

المذهب الأوّل: أن ما يأتي به بعد سلام الإمام هو قضاء، وأن ما أدرك ليس هو أوّل صلاته.

المذهب الثاني: أنّ الذي يأتي به بعد سلام الإمام هو أداء، وإنّ ما أدرك مع الإمام هو أوّل صلاته.

المذهب الثالث: التفريق بين الأقوال والأفعال؛ حيث قال أصحاب هذا القول: يُقضى في الأقوال -يَعْنُون القراءة- ويبنى في الأفعال -يعنُون الأداء. فمن أدرك ركعة من صلاة المغرب على المذهب الأوّل -يعني: مذهب القضاء: قام إذا سلّم الإمام إلى ركعتيْن، يقرأ فيهما بـ: “أمّ القرآن” وسورة من غير أن يجلس بينهما.

ثم يضرب ابن رشد مثالًا توضيحيًّا لهذه الأقوال الثلاثة وتطبيقها على مأموم كان يصلِّي المغرب، وأدرك الركعة الأخيرة مع الإمام، كيف يقضي الركعتيْن الباقيتيْن، أو كيف يصلِّي الركعتيْن الباقيتيْن؟ هل تكون الركعتان قضاءً، فيقرأ فيهما كما نقرأ نحن في الركعتيْن الأولى والثانية، ويجهر؟ يقرأ “الفاتحة” وسورة ويجهر؟ أم تكونان أداءً فيصلِّي ركعة ثانية للركعة التي أدركها مع الإمام تكون جهرية، وسورة، ثم يتشهّد. ثم يقوم للركعة الثالثة التي تكون بـ”الفاتحة” فقط وتكون سِرِّيّة.

يمثِّل ابن رشد -رحمه الله- بهذا المثال على النحو التالي: مَن أدرك ركعة من صلاة المغرب، ماذا يفعل؟

على المذهب الأوّل: -يعني: مذهب القضاء: يقوم إذا سلّم الإمام فيؤدِّي ركعتيْن يقرأ فيهما بـ”أمّ القرآن” -أي: “الفاتحة”- وسورة من غير أن يجلس بينهما. وبذلك تكون الركعة التي أدّاها مع الإمام هي آخِر صلاته، وعليه أن يقضي الركعتيْن الأولى والثانية بقراءة “الفاتحة” وسورة، ولا يجلس للتّشهّد الأوسط؛ لأنه أغناه عن ذلك التّشهد الذي جلَسه مع الإمام في آخِر صلاته.

وعلى المذهب الثاني: -أعني: البناء على ما أدركه مع الإمام: يقوم المأموم إلى ركعة واحدة يقرأ فيها بـ”أمّ القرآن” وسورة، ويجلس. ثم يقوم إلى ركعة يقرأ فيها بـ”أمّ القرآن” فقط، وهي الركعة الثالثة السِّرّية. هذا على المذهب الثاني: البناء.

أمّا على المذهب الثالث: -التفريق بين الأقوال والأفعال: فإن المأموم يقوم إلى ركعة يقرأ فيها بـ”أم القرآن” وسورة، ثم يجلس لأنّ الجلوس من الأفعال و”أمّ القرآن” من الأقوال. ثم يقوم إلى ركعة ثانية وهي الثالثة بالنسبة له، يقرأ فيها أيضًا بـ”أم القرآن” وسورة؛ لأنها قضاء فيقرأ فيها بـ”أم القرآن” وسورة؛ لأنها تعدّ الركعة الأولى بالنسبة له.

ثم يعلِّق على ذلك بأن هذه الأقوال الثلاثة منسوبة إلى المذهب -أي: إلى مذهب الإمام مالك. والصحيح عن مالك: أنه يقضي في الأقوال، ويبني في الأفعال. وكما عرفنا: أن الأقوال هي: قراءة “الفاتحة” والسورة. أمّا الأفعال فهي: القيام، والركوع، والسجود، والجلوس؛ لأنه لم يختلف قوله في المغرب أنه إذا أدرك منها ركعة أنه يقوم إلى الركعة الثانية، ثم يجلس. ولا اختلاف في قوله إنه يقضي بـ: “أم القرآن” وسورة.

إذًا: مذهب الإمام مالك على القضاء.

رأي ابن قدامة:

يفصِّل ابن قدامة هذا الموضوع تحت عنوان: فصل، يقول فيه: اختلفت الرواية فيما يقضيه المسبوق؛ فروي أنه أوّل صلاته أي: ما يصلِّيه مع الإمام يكون أوّل صلاته، وما يُدركه مع الإمام آخِرها؛ هذا على القضاء. وهذه رواية أنّ المسبوق يقضي ما فاته. فما أدركه مع الإمام هو آخِر صلاتِه، وما فاته قبل أن يُدرك الإمام هو أوّل صلاته فيقضيه.

يقول: هذا ظاهر المذهب.

كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَمُجَاهِدٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ. وروي عن أحمد قول آخَر.

ابن رشد -رحمه الله- ذكَر الأقوال ولكنّه لم يذْكر أصحابها، لكن ابن قدامة يقدِّم لنا الأقوال والأئمة الذين قالوا بها.

فالمذهب الأوّل مذهب القضاء وأنّ ما أدركه مع الإمام هو آخِر صلاته وعليه أن يقضي أوّلها؛ هذا هو ظاهر مذهب الإمام أحمد، وبه قال ابن عمر، ومجاهد، وابن سيرين، ومالك، والثوري.

وحُكي عن الشافعي، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، والحسن بن حي. وروي عن أحمد -أي: رواية أخرى: أنّ ما يقضيه آخِرُ صلاته، وأنّ ما أدركه هو أوّلُ صلاته؛ وبه قال: سعيد بن المسيب، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، وعطاء، والزهري، والأوزاعي، وإسحاق، والمزني، وأبو ثور؛ وهو قول الشافعي. وهو المذهب الثاني عند ابن رشد. وهو أيضًا رواية عن مالك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((وما فاتَكم فأتِمُّوا)).

إذًا: ما أدركه المأموم مع الإمام يكون أوّل صلاته، وما فاته يكون آخِرَ صلاته؛ وبه يتحقّق التمام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وما فاتَكم فأتِمُّوا))، متفق عليه.

يقول ابن قدامة أيضًا في تعجيز هذا الرأي: ولأنّه آخِر صلاته حقيقة؛ فكان آخِرَها حكمًا كغير المسبوق، ولأنه يتشهّد في آخِر ما يقضيه ويسلِّم. وهذا هو الترتيب الشرعي للصلاة. ولو كان أوّلَ صلاته لما تشهّد، وكان يكفيه تشهّده مع الإمام؛ لأنه أدركه.

وللرواية الأولى في قوله صلى الله عليه وسلم: ((وما فاتَكم فاقْضُوا))، وهو صحيح أيضًا -يعني هناك روايتان للحديث: رواية: ((وما فاتَكم فاقْضُوا))، وعليها اعتمد أصحاب القول الأوّل الذين يُسمّون ما فات المأموم أوّلَ الصلاة، وعليه قضاؤه، وأنّ ما أدركه مع الإمام هو آخِر صلاته وليس أوّلها.

قال أيضًا: ولأنه يسمى قضاءً، والقضاء إنما يكون للفائت، والفائت أوّل الصلاة.

أما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((فأتِمُّوا)) أي: اقضُوا؛ لأنّ القضاء أيضًا إتمام للصلاة؛ ولذلك سمّاه فائتًا، والفائت أوّل الصلاة، ولأنه يقرأ فيما يقضيه “الفاتحة” وسورة، فكان أوّل الصلاة كغير المسبوق. ولا أعلم خلافًا بين الأئمة الأربعة في قراءة “الفاتحة” وسورة -أي: فيما فات المسبوق. وما دام تقرأ “الفاتحة” وسورة، يكون ما يصلِّيه المسبوق بعد تسليم الإمام قضاءً لِما فات.

قال ابن عبد البر: كلّ هؤلاء القائلين بالقوليْن جميعًا يقولون: يقضي ما فاته بـ”الحمد لله” وسورة -أي: بقراءة “الفاتحة” وسورة- على حسب ما قرأ إمامُه، إلَّا إسحاق، والمزني، وداود، قالوا: يقرأ بـ”الحمد” وحدها. وعلى قول من قال: إنه يقرأ في القضاء بـ”الفاتحة” وسورة، لا تظهر فائدة الخلاف إلَّا أن يكون في الاستفتاح والاستعاذة حال مفارقة الإمام، هل يستفتح ويستعيذ، أو لا يستفتح ولا يستعيذ؟ وكذلك في موضع الجلسة للتشهد الأوسط في حق من أدرك ركعة من المغرب والرباعية.

error: النص محمي !!