Top
Image Alt

آراء سيبويه الصوتية مع تحليلها وموازنتها مع آراء غيره

  /  آراء سيبويه الصوتية مع تحليلها وموازنتها مع آراء غيره

آراء سيبويه الصوتية مع تحليلها وموازنتها مع آراء غيره

محاضرة المستشرق “شاده” حول مناقشة آراء سيبويه الصوتية:

ألقى المستشرق الألماني “شاده” محاضرة عرض فيها لآراء سيبويه وناقشها، وكان هذا الأستاذ يقوم بالتدريس في كلية الآداب جامعة القاهرة، وكان مما أخذه المحاضر على سيبويه: استعماله كلمة “الحرف” التي تعبر في الحقيقة عن الرمز المكتوب، وقد استعملها بما يسمع أيضًا- أي: للصوت اللغوي- ولكن يُعتذر عن هذا بأن كثيرًا من علماء أوربا ظلوا إلى عهدٍ قريب يسلكون نفس المسلك.

كذلك يرى الأستاذ المحاضر أن كلمة “المخرج” التي اتخذها سيبويه مصطلحًا للموضع الذي فيه يولد الصوت اللغوي- مصطلحًا- جانبه التوفيق، وفي هذا الموضع يلحظ الدارس أن عضوين من أعضاء النطق يتصلان في أثناء النطق بالصوت، فطورًا يكون اتصالهما محكمًا، بحيث يحبس النفس لحظةً، بعدها ينفرجان- أي: هذان العضوان- فجأة، ويكون هذا مع الصوت الشديد أو المجهور، كالدال والتاء والكاف ونحوها.

وطورًا يكون اتصال العضوين بحيث يترك بينهما منفذ يسمح بمرور النفس، ويكون هذا مع الصوت الرخو، أو الصوت المهموس، كالذال، والزاي والسين، ونحوها.

فالمحاضر يسمى ما كان اتصال العضوين بـ”الموضع” أما “المخرج” في رأيه: فهو الطريق الذي يتسرب منه النفس إلى الخارج.

والمحاضر هنا على حق، غير أن تغييره لمعنى المصطلح الذي استعمله سيبويه لمكان التقاء العضوين وسماه بالمخرج لا مبرر له، فقد اشتُهر بين الدارسين بهذا المعنى.

أما الذي يحل الإشكال فهو ما جرى عليه الدكتور إبراهيم أنيس من استعمال مصطلحٍ جديد لطريق النفس سماه: المجرى, أي: طريق النفس من الرئتين حتى الخارج، ويكون مخرج الصوت حينئذٍ هو نقطة معينة في هذا المجرى كما أراد سيبويه, وبذلك يبقي على مصطلح سيبويه كما هو، فالنون- كما يقول سيبويه- مخرجها- أي: نقطة اتصال العضوين في أثناء النطق بها- هو من طرف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا، أما مجرى النفس معها فيتخذ طريقه من الأنف إلى الخارج.

والمحاضر على حق أيضًا حين يلاحظ: أن الضاد كما ننطق بها الآن صوت شديد على حين أن سيبويه يعدها بين الأصوات الرخوة.

كذلك يعد سيبويه صوت الجيم بين الأصوات الشديدة في حين أن التجارب الحديثة تبرهن على أن الجيم التي يقال عنها الآن أنها الفصيحة صوت مزيج بين الشدة والرخاوة، وعلى قدر ما فيه من تعطيش تكون رخاوته، فالجيم الشامية الكثيرة التعطيش صوت رخو لا نزاع في هذا، أما الجيم الشديدة فتلك هي الجيم القاهرية الخالية من التعطيش، وقد شرح ذلك بصدد هذين الصوتين.

ويلاحظ المحاضر أن كلًّا من القاف والطاء- كما ينطق بهما الآن- صوت مهموس، في حين أن سيبويه يعدهما بين الأصوات المجهورة، وكذلك الشأن في عد سيبويه الهمزة صوتًا مجهورًا، وليس كذلك كما تدل كل التجارب الحديثة.

أما حديث المحاضر عن موقف القدماء مما يسمى بالحركات، واعتبارها في رأيهم عرضًا يصيب الحروف، ولا تكاد تكون عناصر أساسية في الكلمات، فحديث عالجه الدكتور إبراهيم أنيس في كتابه (الأصوات اللغوية).

ونجد المحاضر يحار في تفسير كلام سيبويه بصدد المجهور والمهموس والشديد والرخو، ويحاول جاهدًا أن يلقي ضوءًا على تعريفات سيبويه فيصل إلى رأي خاص، ثم يرجع عنه بعد عشرين عامًا- كما يقول- إلى رأي آخر، وكلاهما لا يبين لنا بوضوح مقدار فهم سيبويه لفكرة الجهر والهمس، أو فكرة الشدة والرخاوة في أصوات اللغة.

وبعد أن ألقينا هذا التلخيص لهذه المحاضرة- كما حكاها الدكتور إبراهيم أنيس- نحاول قدر المستطاع شرح كلام سيبويه في ضوء الدرس اللغوي الحديث.

تحليل آراء سيبويه الصوتية في ضوء البحث اللغوي الحديث:

1. أصوات الحلق:

حدد سيبويه ثلاثة مخارج، وعين أصوات كل مخرج منها، وتبعه في تحديده كل من تعرض لأصوات اللغة من العلماء الذين جاءوا بعده من علماء العربية.

فمن أقصى الحلق الهمزة والهاء، ومن وسطه العين والحاء، ومن أدنى الحلق الغين والخاء، وتدل التجارب الحديثة على صحة كلام سيبويه في كل هذا، فلكل صوتين من أصوات الحلق حيز معين يحلان فيه معًا، دون ترتيب لأحدهما على الآخر.

غير أن بعض المتأخرين من العلماء كانوا يتوهمون أن العين تسبق الحاء، وأن الغين تسبق الخاء، على حين أن بعضًا آخر منهم كان يرى العكس في هذا الترتيب، وقد أشار ابن الجزري في كتابه (النشر في القراءات العشر) إلى هذا الخلاف، وهو خلاف وهمي, يقول: فنص مكي على أن العين قبل الحاء, وهو ظاهر كلام سيبويه وغيره، ونص شريح على أن الحاء قبلُ، وهو ظاهر كلام المهدوي, ومن الغريب أن شريحًا الذي قدم الحاء على العين عكس القضية، فقدم الغين على الخاء، وكذلك فعل مكي فقدم الخاء على الغين, ويبدو أن هؤلاء المتأخرين حين نطقوا بكل من الصوتين لاختبارهما أحسوا فرقًا بينهما، ولكنهم لم يفطنوا إلى أن هذا الفرق مقصور على أن أحد الصوتين مجهور، والآخر مهموس، أي: أن الوترين الصوتيان بالحنجرة يهتزان مع أحدهما، وهو المجهور، ولا يهتزان أو يصمتان مع الآخر، وهو المهموس، فلا فرق بين العين والحاء في المخرج، وإنما الفرق في أن العين مجهور والحاء مهموس، وكذلك الشأن في الغين والخاء.

وقد فصل ابن خروف في هذا الخلاف، وهو خلاف وهمي، بكلمات التي رواها صاحب كتاب (النشر)، ونصها: ” قال ابن خروف: إن سيبويه لم يقصد ترتيبًا فيما هو من مخرج واحد، وهذا حق تبرهن عليه التجارب الحديثة، ولسنا نجد في كلام سيبويه ما يؤخذ عليه بصدد أصوات الحلق سوى إقحامه فيها ما سماه بالألف.

ويبدو أن بعض المتأخرين قد رجعوا عن هذا؛ إذ لا نجد إشارة للألف بين أصوات الحلق في كتاب (النشر في القراءات العشر).

أما حديث الألف والهمزة، والفرق بينهما فقد أسهب فيه ابن جني في (سر صناعة الإعراب) حين أكد أن الألف التي في أول حروف المعجم هي صورة الهمزة، وإنما كتبت الهمزة واوًا مرة، وياءً أخرى على مذهب أهل الحجاز في التخفيف، ولو أريد تحقيقها البتة لوجب أن تكتب ألفًا على كل حال.

ويبدو أن ابن جني كان يعد كلمة الألف اسمًا للصوت المنطوق به همزة، فالألف في رأيه رمز للمكتوب، والألف رمز للمنطوق.

ومقتضى هذا أنه ما كان يصح في تعداد أصوات الحلق أن تذكر الهمزة والألف معًا، بل كان الواجب الاكتفاء بكلمة الهمزة التي هي رمز للصوت، لا سيما ونحن في مجال شرح الأصوات وتحديدها، ولكن ابن جني نفسه- مع الأسف- ذكر الألف مع الهمزة حين تحدث عن أصوات الحلق، على أنه يمكن أن يقال: إن الذين نقلوا عن سيبويه قد حملوا كلامه أمرًا لا يقصده حين ذكر الألف بعد الهمزة، فربما أراد بكلمة الألف تفسير المقصود من كلمة الهمزة التي فيما يبدو كان مصطلحًا صوتيًّا غير مألوف في أيامه، أو حديث عهد بين الدارسين، فأراد توضيحه بذكر مرادف له أكثر شهرة وألفة وهو كلمة الألف؛ وذلك لأن الهمزة في المعنى المعجمي له معانٍ فيقول الفيروزآبادي في (المحيط): الهمز هو الغمز والضغط والنخس والدفع والضرب والعض.

ولم يكن المعنى الاصطلاحي شائعًا أو مألوفًا بين الناس، بدليل تلك الرواية التي يقال فيها: إن أحد اللغويين سأل رجلًا من قريش: أتهمز الفأرة؟ فلم يفهم الرجل، وأجاب ساخرًا: إنما يهمز القط، أو إنما يهمزها القط، ولم يرد اللغوي سوى التأكد من تلك الظاهرة المنسوبة للهجة قريش من تسهيل الهمزة.

فيتسائل عما إذا كان هذا القرشي يحقق الهمزة في نطقه لكلمة الفأرة أو يسهلها؟ أي: ينطق بها دون تسهيل، وحينئذ لا يكون ما يؤخذ على كلام سيبويه في علاجه لأصوات الحلق، ولعل مما يستأنس به لهذا، أي: لهذا التوجيه، أن سيبويه، ومن جاء بعده كانوا يذكرون في موضع آخر نوعًا ثانيًا من الآلف، ويسمونه بألف المد، فيحدثنا ابن جني عن تلك الآلف في قوله: فأما المدة التي في نحو: قام، وصار، وكتاب، وحمار فصورتها أيضًا صورة الهمزة المحققة التي في: أحمد وإبراهيم وأُتْرُجَّة إلا أن هذه الألف لا تكون إلا ساكنة، فصورتها وصورة الهمزة المتحركة واحدة وإن اختلف مخرجاها, وهو يعترف باختلافهما مخرجًا، لكنه لم يوفق في وصف مخرج ألف المد في كلامه بعد ذلك.

ويؤكد ابن جني: أن واضعي حروف الهجاء قد ذكروا في أواخرها لام ألف, أي: “لا” لبيان أن ألف المد حرف مستقل بين حروف الهجاء، واستعانوا على النطق به بوضع لام قبله, أي: أن هذا الحرف المسمى بلام ألف لم يكن ذكره بين الحروف عبثًا كما ظن بعض القدماء من أمثال أبي العباس المبرد، فهو يطالبنا حين نعدد حروف الهجاء أنْ لا نقول لام ألف، كما يقول المعلمون، بل يجب أن نقول: “لا” فقط على كل حال نرى سيبويه وغيره يتحدثون عن حروف المد وجهرها كألف المد وياء المد وواو المد فيعدونها حروف لين ومد ويصفونها في كتبهم وصفًا يشبه وصف المحدثين من علماء الأصوات.

فيتحدث عنها ابن جني بقوله الحروف التي اتسعت مخارجها ثلاثة: الألف ثم الياء ثم الواو، وأوسعها وألينها الألف.

ويقول عنها شارح (المفصل) ومنها الحروف اللينة، وهي الألف والياء والواو، وهي حروف المد واللين، وقيل لها ذلك لاتساع مخرجها، والمخرج إذا اتسع انتشر الصوت ولان، وإذا ضاق انضغط فيه الصوت وصلب إلا أن الألف أشد امتدادًا واستطالة، إذ كان أوسع مخرجًا.

هكذا نرى: أن وصف القدماء بأصوات المد يشبه إلى حد كبير علاج المحدثين لها؛ لأنها مما يسميه الغربيون “Bawlz” وهو التي لا تصادف حوائل أو موانع في طريقها، فعند النطق بها لا يحدث اعتراض ما لمجرى الهواء، بل يمر النفس معها لمجرى خال من تلك الحوائل والموانع.

كما يتبين لنا حينئذ: أن هذه الأصوات حين تقسم من حيث مجراها واتساعه، تنقسم إلى نوعين: أصوات ضيقة وهو ياء المد وواو المد، وأصوات متسعة وهي ألف المد وما يشبهها.

ولا غرابة إذن أن يقول القدماء: إن الألف أكثر اتساعًا من أختيها، ومسلك القدماء في الحديث عن هذه الأصوات حين تحدثوا عن الصفات لا حين تحدثوا عن المخارج- مسلك مستقيم, على كل حال فهو خير من تلك الرواية التي جاءت في معجم (العين) من أنها جوفية أو هوائية، وليس لها حيز تنسب إليه.

2. أصوات الفم:

قسم سيبويه الفم إلى ثلاثة مناطق: أقصاه وهو القريب من الحلق، ووسطه، ثم أدناه وهو القريب من الشفتين.

وحدد لكل صوت أو مجموعة من الأصوات مخرجًا معينًا وصفه وصفًا دقيقًا، وظهر بوضوح أنه قد أدرك أن الصوت يتكون باتصال عضوين من أعضاء النطق اتصالًا محكمًا، كما هو الحال مع الأصوات الشديدة، أو غير محكم كما هو الحال مع الأصوات الرخوة، فيقول مثلًا عن مخرج القاف: إنه من أقصى اللسان، وما فوقه من الحنك الأعلى، أي: إن أقصى اللسان يتصل بالحنك الأعلى.

ويقول سيبويه: عن النون: إنه من طرف اللسان، بينه وبين ما فويق الثنايا، أي: أن طرف اللسان يتصل بما فويق الثنايا في حالة النطق بالنون.

وكل الذي قد يحتاج إلى مزيد من التوضيح لكلام سيبويه هنا هو شرح ما عناه بقوله: فويق الثنايا، وأصول الثنايا، فهو لدقته في الوصف، وفي حرصه على تحديد المخارج وخصوصًا في أدنى الفم جعل منه ثلاث مناطق:

المنطقة الأولى: أصوات تتكون بالتقاء طرف اللسان بالثنايا من الداخل.

والمنطقة الأخرى: تتكون بالتقاء طرف اللسان بالثنايا أو أصولها, أي: اللحم المنغمسة فيه من الداخل أيضًا.

والمنطقة الثالثة: تتكون بالتقاء طرف اللسان، وأوله بأول الحنك الأعلى، أي: في تلك المنطقة التي ينطبق عليها ما ذكرته المعاجم عن كلمة النطع.

وتبدو دقة سيبويه في صورة أوضح حين يصف مخرج اللام فيقول: إنها من حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرف اللسان، ما بينهما وما بين ما يليها من الحنك الأعلى، وما فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية على حين أن المحدثين هنا يكتفون بقولهم: إن اللام تتكون باتصال طرف اللسان بأصول الثنايا.

3. صفات الأصوات:

ذكر سيبويه بعض المصطلحات حين عرض لما سماه صفات الحروف، فوصف اللام بأنها حرف منحرف، أي: رغم اتصال طرف اللسان بأصول الثنايا معها نجد أن النفس يتسرب من جانبي الفم إلى الخارج، فكأنما قد انحرف عن طريقه, ولا بأس إذن من مثل هذه التسمية لدى سيبويه، وإن كان المحدثون قد وصفوا اللام بأنها جانبية، أما وصفه الراء بأنها حرف مكرر، ووصفه بعض الحروف بأنها مطبقة فكلامه هنا من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى مزيد إيضاح، بل يشبه وصفه ما دلت عليه التجارب الحديثة.

كذلك وصف سيبويه صوت الشين بالتفشي؛ وذلك لأن هواء النفس مع الشين لا يقتصر في تسربه إلى الخارج على مخرجها، أي: من الفراغ الذي بين العضوين المتصلين في حالة الشين، بل يتوزع في جنبات الفم.

لم يبق من صفات سيبويه الخاصة بصفات الحروف إلا وصفه لبعض الأصوات بأنها مجهورة، والبعض الآخر بأنها مهموسة.

وقد تبين أن تلك التي سماها بالمجهورة، هي التي يسميها الأوربيون الآن “Voiced” فيما عدا القاف والطاء فقد عدهما من المجهورات في حين أن التجارب الحديثة تبرهن على أن هذين الصوتين كما ينطق بهما الآن خاليان من صفة الجهر.

أما ما سماه بالحروف المهموسة فهي كلها ينطبق عليها تمام الانطباق اصطلاح الأوربيون “Voices” غير أن وصف سيبويه لمعنى الجهر والهمس في الأصوات يحتاج لمزيد من الشرح والتفسير؛ لأن كثيرًا من الدارسين الآن يحارون في فهمه، وقد قنع الذين جاءوا بعد سيبويه بترديد ألفاظه بنصها حين تحدثوا عن الجهر والهمس في الأصوات.

فلم نجد في كتبهم ما يعين على فهم ما عناه سيبويه حين عرف المجهور والمهموس، بل حتى السيرافي الذي اشتهر شرحه لكتاب سيبويه قد اضطرب كلامه في هذا الصدد، فلا يكاد يستقر على رأي واضح- يمكن أن يتمسك به، وكل الذي فهمه من كلام سيبويه أن هناك قوة مع بعض الأصوات هي التي سماها سيبويه بالجهر على حين أن الأصوات الأخرى قد وصفت بالهمس لخفاء هذا الصوت معها.

ولا نكاد بعد هذا نجد في كلام من جاءوا بعد سيبويه ما يستحق الذكر بصدد المجهور والمهموس، إلا تلك الرواية المنسوبة لأبي الحسن الأخفش من أنه قال: سألت سيبويه عن الفصل بين المهموس، والمجهور، فقال: المهموس إذا أخفيته ثم كررته أمكنك ذلك، وأما المجهور فلا يمكنك ذلك فيه. ثم كرر سيبويه التاء بلسانه وأخفاه، فقال: ألا ترى كيف يمكن؟ وكرر الطاء والدال، وهما من مخرج التاء، فلم يمكن، وأحسبه ذكر ذلك عن الخليل.

قال سيبويه: وإنما فرق بين المجهور والمهموس أنك لا تصل إلى تبيين المجهور إلا أن تدخله الصوت الذي يخرج من الصدر فالمجهورات كلها هكذا يخرج صوتهن من الصدر، ويجرى في الصدر والخيشوم غنّة تخالط ما جرى في الحلق، والدليل على ذلك: أنك إذا أمسكت بأنفك ثم تكلمت بهما رأيت ذلك قد أخل بهما, أما المهموسة فتخرج أصواتها من مخارجها، وذلك مما يزجي الصوت، ولم يعتمد عليه فيها كاعتمادهم في المجهور، فأخرج الصوت من الفم ضعيفًا.

والدليل على ذلك أنك إذا أخفيت همست بهذه الحروف، ولا تصل إلى ذلك في المجهور، فإذا قلت: شخص، فإن الذي أزجى هذه الحروف صوت الفم، ولكنك تتبع صوت الصدر هذه الحروف بعدما يزجيها صوت الفم؛ ليبلغ، ويفهم الصوت.

انتهت رواية أبي الحسن الأخفش ذلك نقلًا عن شرح السيرافي من مخطوطه.

فماذا يعني بقوله: إننا نتبع صوت الصدر هذه الحروف؟

يبدو أنه يعني صوت الصدر الذي في حركات الكلمة، ونحن نعرف أن الحركات مجهورة، أي: فيها صوت الصدر الذي يقول عنه سيبويه, أي: أن الشين في شخص يزجيها ويطلقها صوت الفم، أي: ذبذبات الفم، ثم يليها الحركة المشتملة على صوت الصدر.

4. تعريف سيبويه للمجهور:

يقول سيبويه: إن المجهور حرف أشبع الاعتماد في موضعه، ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه، ويجرى الصوت.

وقد تبين في تعريف سيبويه أمران متميزان:

الأمر الأول: عبر عن أولهما بعبارة “أشبع الاعتماد” التي أراد بها أن يصف المجهور بأنه صوت متمكن مشبع فيه, فيه وضوح, وفيه قوة، وتلك هي الصفة التي يشير إليها الأوربيون بقولهم: “Snorty” فالمجهور أوضح في السمع من نظيره المهموس، لا نزاع في هذا، وليس للاعتماد معنى في كلام سيبويه سوى عملية إصدار الصوت تلك العملية التي تلازم النفس منذ خروجه من الرئتين إلى انطلاقه إلى الهواء الخارجي.

ألا ترى أن سيبويه ذكر في حالة النون والميم أن الاعتماد لهما يكون في الفم والخياشيم؟ بمعنى: أنه يتم في الفم عملية عضوية في حالة هذين الصوتين، وفي نفس الوقت تتم في الخيشوم عملية عضوية أخرى، فالنون تتكون بأن يلتقي طرف اللسان بأصول الثنايا التقاءً محكمًا، ويلتزم الناطق بها هذا الوضع، غير أنه في نفس الوقت يهبط أقصى الحنك، فيفتح طريق الأنف لتسرب الهواء منه.

وكذلك مما يدل على أن الاعتماد معناه العملية العضوية المطلوبة في إصدار الصوت أن سيبويه عد أن في المهموس اعتمادًا أيضًا، ولكنه اعتماد ضعيف؛ لأنه يقول: فأما المهموس فحرف أضعف الاعتماد في موضعه، ولأمر ما عبر سيبويه بقوله: “أشبع الاعتماد في موضعه” ولم يقل: “في مخرجه” لأنه كان يشعر بهذا الإشباع لكل مجرًى للصوت منذ صدوره من الرئتين إلى انطلاقه إلى الخارج، فكلمة “الموضع” هنا هي ما تم التعبير عنه بالمجرى، وفرق بين المجرى وبين المخرج.

الأمر الثاني: هو ما عبر عنه سيبويه بقوله: “منع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه” ومعنى هذا في رأي أبي الحسن وفي رأي إبراهيم أنيس: أن لسيبويه حسًّا مرهفًا جعله يشعر مع المجهور باقتراب الوترين الصوتيين؛ أحدهما من الآخر حتى ليكادان يسدان طريق التنفس، وتلك هي الصفة التي وضحها المحدثون حين وصفوا ما يجري في الحنجرة مع المجهورات؛ إذ قالوا: إنه مع المجهور يقترب الوتران الصوتيان أحدهما من الآخر مما يضطر هواء النفس إلى الاندفاع من بينهما بقوة، فيتحرك الوتران الصوتيان ويجعلهما يتذبذبان، ويظلان يتذبذبان حتى ينقضي الاعتماد، أي: حتى تنتهي العملية العضوية المطلوبة في إصدار الصوت اللغوي.

أما في حالة المهموس فقد عبر عنها سيبويه بضعف الاعتماد، أي: عدم تمكن الصوت في أثناء جريانه في مجراه مما يترتب عليه قلة وضوحه، كذلك نجد طريق التنفس معه مفتوحًا بحيث يسمح بانسيابه حرًّا طليقًا، تلك هي الحال التي عبر عنها المحدثون بقولهم: إن الوترين الصوتيين مع المهموس يبتعد أحدهما عن الآخر، فينطلق النفس من بينهما دون حاجة إلى تحريكهما، وإحداث ذبذبات بهما، هذا هو معنى جريان النفس مع المهموس، ومنع جريانه مع المجهور.

وقد التبس الأمر مع بعض الدارسين، فحسبوا أن منع النفس مع المجهور هو ذلك الانحباس المؤقت الذي يحدث مع الأصوات الشديدة، ذلك لأن منع النفس مع المجهور عملية تتم في الحنجرة، أما ذلك الانحباس المؤقت فيتم في مخرج الصوت.

5. معنى الشدة الرخاوة عند سيبويه:

يقول سيبويه: إن الشديد هو الذي يمنع الصوت أن يجري فيه، وهذا هو الانحباس المؤقت، الذي نحس به في مخرج الحرف لحظة قصيرة جدًّا بسبب التقاء العضوين التقاءً محكمًا، فإذا انفرجا فجأة سمعنا ما يسمى بالصوت الشديد، وما يسميه الأوربيون بالصوت الانفجاري، ألا ترى أن سيبويه عبر بقوله: “يمنع الصوت” ولم يقل: يمنع النفس؟ فهناك فرق بين المجهور الذي نحس فيه بمنع النفس وعدم انطلاقه حرًّا طليقًا، ولكن الصوت معه لا يمنع، بل نظل نسمعه أما في حالة الشديد، فعند المخرج يمنع الصوت، فلا نسمع شيئًا طالما كان الانحباس في المخرج قائمًا.

والدليل على ما نقول:

 أن سيبويه حين تحدث عن اللام والنون وعدهما من الحروف الشديدة؛ لأن طرف الإنسان معهما يلزم مكانه، ولكن الصوت مع هذا يخرج، ففي حالة اللام يخرج الصوت من جانبي الفم، وفي حالة النون يخرج من الأنف.

فسيبويه إذن لا يتناقض مع نفسه كما يظن بعض الدارسين؛ لأنه لا يدع مجالًا للبس؛ إذ فرق بين منع النفس مع المجهور، ومنع الصوت مع الشديد، فمنع النفس لا يكون إلا في الحنجرة، وأما منع الصوت فمكانه مخرج الحرف.

والمحدثون حين شرحوا عملية الشدة والرخاوة وضحوا أن الناطق يحس مع الشديد بانحباس مؤقت لدى المخرج بسبب التقاء عضوين التقاءً محكمًا، فإذا انفصل فجأة سمع صوت انفجاري، هو الذي نسميه بالشديد، أما في حالة الرخاوة فرغم التقاء العضوين أيضًا يكون الالتقاء غير محكم بل بينهما ممر ضيق يسمح بتسرب الهواء، وتسرب الهواء هذا هو الذي عبر عنه سيبويه بجريان الصوت.

بهذا يكون سيبويه قد أحس مع المجهور والمهموس، ومع الشديد والرخو بما يحس به الدارسون للأصوات من المحدثين دون أن يكون على علم بالناحية التشريحية من وجود وترين صوتيين بالحنجرة يقومان بوظيفة معينة مع بعض الأصوات.

موازنة بين سيبويه وابن جني والزمخشري وابن الجزري من حيث وصف الأصوات:

وقد يكون من تتمة الفائدة أن تعرض بعض النصوص المشهورة جنبًا إلى جنب؛ لتسهل المقارنة بين تناول العلماء القدماء للأصوات في عصور مختلفة, بين سيبويه وابن جني في (سر صناعة الإعراب) ثم ابن يعيش صاحب (المفصل) ثم نص ابن الجزري صاحب كتاب (النشر في القراءات العشر).

وقد عاش سيبويه في القرن الثاني الهجري، وابن جني في القرن الرابع، وابن يعيش في القرن السابع، وابن الجزري في القرن التاسع من الهجرة.

ونأخذ نماذج من هذه النصوص:

يقول سيبويه عن الحلق: “فللحلق منها ثلاثة: فأقصاها مخرجًا الهمزة والهاء والألف، ومن أوسط الحلق مخرج العين والحاء، وأدناها مخرجًا من الفم الغين والخاء”.

أما نص ابن جني: “فثلاثة مخارج في الحلق: أولها من أسفله، وأقصاه مخرج الهمزة، والألف والهاء، هكذا يقول سيبويه، وزعم أبو الحسن أن ترتيبها الهمزة، ثم الهاء، وذهب إلى أن الهاء مع الألف لا قبلها ولا بعدها، ومن وسط الحلق مخرج العين والحاء، ومما فوق ذلك مع أول الفم مخرج الغين والخاء”.

أما النص في (مفصل الزمخشري) مع (شرح ابن يعيش) فهو: “فللهمزة والهاء والألف أقصى الحلق، وللعين والحاء أوسطه، وللغين والخاءأدناه. ثم يقول الشارح للحلق ثلاثة مخارج: أقصاها من أسفله إلى ما يلي الصدر مخرج الهمزة، ثم الهاء، وبعدها الألف، هكذا يقول سيبويه، وزعم أبو الحسن أن: ترتيبها الهمزة ثم الهاء، ومخرج الهاء هو مخرج الألف، ثم العين والحاء من وسط الحلق، وروى الليث عن الخليل: أن الألف والواو والياء والهمزة جوفية؛ لأنها تخرج من الجوف، ولا تقع في مدرجة من مدارج الحلق، ولا اللهاة ولا اللسان، إنما هي هواء، وكان الخليل يقول: الألف والواو والياء هوائية، أي: أنها في الهواء، وأقصى الحروف العين، ثم الحاء ثم الهاء.

فلولا بحة في الحاء لكانت العين، ولا ههة في الهاء لكانت كالحاء لقربها منها، فهذه الثلاثة في حيز واحد بعضها أرفع من بعض، وللغين والخاء أدنى الحلق، فالخاء أقرب إلى الفم من الغين”.

أما نص (النشر في القراءات العشر) لابن الجزري فيقول: “أقصى الحلق وهو الهمزة والهاء، فقيل: على مرتبة واحدة، وقيل: الهمز أول وسط الحلق، وهو للعين والحاء المهملتين، فنص مكي على أن العين قبل الحاء، وهو ظاهر كلام سيبويه وغيره، ونص شريح على: أن الحاء قبلُ، وهو ظاهر كلام المهدوي وغيره أن الحلق إلى الفم، وهو الغين والخاء، ونص شريح على أن الغين قبلُ، وهو ظاهر كلام سيبويه أيضًا، ونص مكي على تقديم الخاء، قال ابن خروف: إن سيبويه لم يقصد ترتيبًا فيما هو من مخرج واحد”.

وهكذا وضعنا هذا النص في هذه الكتب المختلفة؛ ليتبين ما زاده (النشر) على (المفصل) أو شرحه أو على ابن جني أو على سيبويه, ويتضح أن كلام سيبويه كان مقدسًا إلى غاية كبيرة، والله أعلم.

error: النص محمي !!