Top
Image Alt

آيات الاستثناء التام المنفي في القرآن، وموقف العلماء منها، والمستثنى المنقطع من الكلام التام المنفي

  /  آيات الاستثناء التام المنفي في القرآن، وموقف العلماء منها، والمستثنى المنقطع من الكلام التام المنفي

آيات الاستثناء التام المنفي في القرآن، وموقف العلماء منها، والمستثنى المنقطع من الكلام التام المنفي

1. آيات الاستثناء التام المنفي في القرآن، وموقف العلماء منها:

من خلال ما ذكرنا في القاعدة النحوية التي أقرها الكتاب النحوي، من أن المستثنى من الكلام التام المنفي، إما أن يكون متصلًا أو منقطعًا، فإن كان متصلًا جاز فيه التبعية وجاز فيه الاستثناء، والتبعية هي الراجحة، والاستثناء هو المرجوح، وإذا كان منقطعًا فإن أمكن تسليط العامل على ما بعد “إلا” فالنصب عند الحجازيين واجب، ويرى التميميون الإبدالَ مع النصب، أما إذا لم يمكن تسليط العامل على ما بعد “إلا” يجب النصب قولًا واحدًا عند الجميع.

قلنا: يُختار في الاستثناء التام المنفي المتصل إتباع المستثنى للمستثنى منه في الإعراب، قال سيبويه: “جعلت المستثنى بدلًا من الأول، فكأنك قلت: ما مررت إلا بزيد، وما أتاني إلا زيد، وما لقيت إلا زيدًا، فهذا وجه الكلام أن تجعل المستثنى بدلًا من الذي قبله”.

وفي (المقتضب): هذا باب المستثنى من المنفي، تقول: “ما جاءني أحد إلا زيدٌ”، و”إلا زيدًا”، أما النصب فعلى الاستثناء، وأما الرفع فهو الوجه؛ لأنك تقول: “ما جاءني أحد إلا زيد” بالإبدال؛ لأن البدل يحل محل المبدل منه، ألا ترى أن قولك: “مررت بأخيك زيدٍ” إنما هو بمنزلة قولك: “مررت بزيد”، فعلى هذا تقول: “ما جاءني أحد إلا زيدٌ”، لو رفعت “أحد” وقلت: “ما جاءني إلا زيد”، لم يكن إلا الرفع. هذه علة القول بالإبدال في المستثنى من الكلام التام المنفي.

وفي (معاني القرآن) للفراء: فإذا كان ما قبل “إلا” فيه جحد، جعلت ما بعدها تابعًا لما قبلها، معرفةً كان أو نكرةً، أما المعرفة فقولك: “ما ذهب الناس إلا زيد”، وأما النكرة فقولك: “ما فيها أحد إلا غلامك”. لم يأتِ هذا عن العرب إلا بإتباع ما بعد “إلا” ما قبلها.

وذكر الرضي في (شرح الكافية) عن الفراء، أنه يمنع النصب على الاستثناء إذا كان المستثنى منه منكّرًا، فيوجب البدل في نحو: “ما جاءني أحد إلا زيدٌ”، ويجيز النصب على الإبدال في نحو: “ما جاءني القوم إلا زيدٌ”، و”إلا زيدًا”.

نخرج من قراءة المنقول عن الفراء: أنّ الاستثناء من الكلام التام المنفي يكون فيه الإبدال راجحًا، ويكون النصب مرجوحًا، لكنّ الفراء له اتجاه جديد، وهو أنه يوجب البدلية إذا كان المستثنى منه نكرة، ويجيز النصب مرجوحًا أو يجيز النصب والإبدال من غير ترجيح، إذا كان المستثنى منه معرفة، وهذا تقسيم جديد انفرد به الفراء؛ فنحن لا نعرف في كتب النحو إلا أن المستثنى إذا كان من كلام تام منفي، وكان متصلًا رُجّح فيه الإبدال على النصب قولًا واحدًا.

وعندما ننظر إلى القراءة السبعية في قوله تعالى: {مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} [النساء:66]، البدلية هنا وقعت، مع أن المستثنى منه معرفة وهو الضمير واو الفاعل، وقرأ ابن عامر: “إلا قليلًا” بالنصب.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل قراءة ابن عامر بالنصب قراءة مرجوحة، أم قراءة راجحة؟

الدرس النحوي يفيد أن النصب مرجوح وليس راجحًا؛ ولذلك نجد في (معاني القرآن) للفراء قوله: وهي في قراءة أبي: “مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلًا” كأنه نفى الفعل وجعل ما بعد “إلا” كالمنقطع عن أول الكلام، كقولك: ما قام القوم اللهم إلا رجلًا أو رجلين، فإذا نويت الانقطاعَ نصبتَ، وإذا نويت الاتصال رفعت.

وفي (الكشاف): وقرئ “إلا قليلًا” بالنصب على أصل الاستثناء، أو على “إلا فعلًا قليلًا”، أي: أراد أن يقول: إن نصب “قليلًا” على المصدرية؛ لأن “قليلًا” صفة لمصدر محذوف.

والذي نخرج به من هذه الجولة السريعة في هذه الآية: أن النصب جاء في الاستثناء من الكلام التام المنفي، وهذا النصب في قراءة سبعية، مما يجعلنا نقول: إن النصب مع القول بالإبدال يجوز -كما ذهب إلى ذلك النحاة- إذا كان المستثنى من كلام تام موجب، وإن كان النحاة حاولوا -والمفسرون المعربون قد حاولوا- أن يجدوا مخرجًا للقول بالنصب على الاستثناء، كما ذهب الفراء بأنه على نية الانقطاع، وكما ذهب صاحب (الكشاف) من أنه منصوب على المصدرية، ولكن كل هذه التخريجات لم تكن قوية، ولم يبقَ خالصًا من الانتقاض إلا أن يكون “قليلًا” منصوبة على أصل الاستثناء.

2. المستثنى المنقطع من الكلام التام المنفي:

المختار في المستثنى المنقطع من الكلام التام المنفي، هو النصب على الاستثناء، وعلى ذلك جاء القرآن الكريم، فلم يُقرأ في السبع بالإتباع، وإنما جاء ذلك في الشواذ، فمن الاستثناء المنقطع الذي يجب نصبه؛ لأنه من كلام تام منفي ولا يمكن تسليط العامل عليه، قوله تعالى: {وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى} [الليل: 19، 20]، قرأ الجمهور: {إِلاَّ ابْتِغَاء} بنصب الهمزة، وهو استثناء منقطع؛ لأنه ليس داخلًا في {مِن نِّعْمَةٍ}، وقرأ ابن وثّاب بالرفع على البدل من موضع {نِّعْمَةٍ}؛ لأنه رفع، وهي لغة تميم.

هناك آيتان في حاجة إلى عرض ودراسة:

الآية الأولى: قوله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ} [يونس: 98] الآية في الواقع استثناء منقطع من كلام تام موجب، {قَوْمَ} منصوب على الاستثناء المنقطع، وهو قول سيبويه والكسائي والفراء والأخفش؛ إذ ليسوا مندرجين تحت لفظ {قَرْيَةٌ}، وقرئ بالرفع على البدل عن الجرمي، والكسائي قال: ويجوز أن يكون متصلًا، والجملة في معنى النفي، كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس، وانتصابه على أصل الاستثناء.

هذا الكلام يرده ما ذكره الصبان من أن النفي المفهوم من “لولا” و”لو” مما لا يعتبر عند العرب، فالعرب لا يعتبرون هذا النفي، ولا يعلمون بمقتضاه، فليس من العرب من يقول: “لولا جاءني من أحد لأكرمته”؛ ولذلك يجب أن يرفض هذا التخريج، ونقول إن: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا} كلام تام مثبت، و{قَوْمَ يُونُسَ} منقطع، والمستثنى من الكلام التام المثبت يجب نصبه منقطعًا أو متصلًا، ولا إشكال في قراءة الرفع؛ لأن “إلا” تكون بمعنى لكن، وإذا كانت “إلا” بمعنى لكن، يمكن أن تكون مع هذا المعنى استثناء، ويمكن أن تكون على غير استثناء.

و”إلا” هنا بمعنى لكنْ، وما بعدها مبتدأ وخبر: “ولكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا” ولا نقول بالبدل، فما بعد “إلا” جملة من مبتدأ وخبر، و”إلا” بمعنى لكنْ؛ حتى لا نقع في دائرة اصطياد النفي من الكلام.

الآية الثانية: قوله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} [هود: 116] فالنصب لا إشكال فيه، لكن المشكِل في قراءة زيد بن علي: “إلا قليلٌ” بالرفع “… إِلاَّ قَلِيلٌ مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ”.

فقراءة زيد بن علي بالرفع تُحمل على ابتداءٍ محذوف الخبر، وهذا كثير في القرآن الكريم، فما بعد “إلا” في القرآن الكريم قد يكون جملة اسمية، وقد يكون مبتدأ محذوف الخبر، ولا داعي لأن يقال: إن التحضيض يتضمن النفي، وقد قلنا: إن العرب لم يعرفوا النفي التضمني هذا.

وننتهي إلى أن الاستثناء المنقطع في القرآن الكريم حكمه على ما أقره النحاة، وأن الكلام التام حكمه على ما أقره النحاة، من أن التام الموجب يجب فيه النصب متصلًا أو منقطعًا، وأن التام المنفي فيه النصب قولًا واحدًا عند الحجازيين، سواء أكان ما قبل “إلا” يمكن أن يسلط على ما بعدها أم لا عند الحجازيين، والتميميون يجيزون الرفع على البدلية في الشواهد التي يكون فيها الاستثناء منقطعًا عن كلام تام منفي، يمكن تسليط العامل عليه.

error: النص محمي !!