Top
Image Alt

أبرز الفلسفات والمدارس التربوية التي لها أثر كبير في التوجهات التربوية المختلفة

  /  أبرز الفلسفات والمدارس التربوية التي لها أثر كبير في التوجهات التربوية المختلفة

أبرز الفلسفات والمدارس التربوية التي لها أثر كبير في التوجهات التربوية المختلفة

نتناول هنا بعضًا من المدارس الفلسفية التي تناولت التربية، ومنها:

المدرسة الطبيعية:

هناك العديد من البواعث التي دفعت المفكرين إلى بلورة المدرسة الطبيعية في أواخر عصر النهضة بعد اضمحلال التعليم، وبعد أن انتشر الزهد وسادت النزعة الدينية، وضعفت الحركة الإنسانية ظهرت الفلسفة الطبيعية لتنادي بالرجوع إلى المناشط التعليمية, التي تتماشى مع القوانين الطبيعية الأصيلة كتشجيع الخبرات المباشرة والرحلات الميدانية؛ ومن هنا فإن العقاب البدني يتنافى مع أبجديات هذه الفلسفة القائمة على تشجيع الذاتية، ورفض التعسف الذي يقمع تنمية الميول الطبيعية للطفل.

واهتم جان جاك روسو بالبعد الإنساني، وأخذ في بلورة الفلسفة الطبيعية، وذلك في كتابه (إميل)، فرسم للتربويين مسار التعليم، ورسخ دور الطبيعة لا المدرسة في تنمية الأطفال. وقصة إميل تجسيد لأهمية الطبيعة في تربية الطفل تربية صحيحة، تحرره من المدارس والأنشطة الصفية التي تكبل النفس بقيود كثيرة، وتكبل الفكر بكوابح عديدة، وتمنع الطفل من الانطلاق والتعلم والتمتع بعالم فسيح من حوله، والذي يحتوي على خبرات ثرية تفي بحاجته، وتلبي طموحاته.

طالب رسو بتلبية احتياجات الطفل، وضرورة إزالة العقبات التي تواجهه وفقًا لمتطلبات بيئته, على ألا تتنافى طرائق التعليم مع حرية الطفل ونموه.

يرى بعض الباحثين في مجال الطفولة أن جان جاك روسو من الذين أحدثوا تغييرًا مهمًّا في النظرة إلى الطبيعية الإنسانية وحاجات المجتمع، وأنه من أوائل من نادى بالتعليم الذاتي دون فرض أو إكراه؛ وعليه فإن حرية الطفل وحقه في التعلم وفي التعبير وعدم إرهاقه بالمسئوليات -من أهم المبادئ التربوية التي تتفق مع الطبيعة وقوانينها، فالطبيعة تسمح بالنمو الحر الطليق؛ فينمو الطفل وفق فطرته الخيرة.

وجان جاك روسو من الفلاسفة غير المنصفين للمرأة، ففي كتابه (إميل) يقول: “المرأة وجدت خصيصًا لإسعاد الرجال، وإذا كان على الرجل أن يسعدها في المقابل فإن ذلك أقل أهمية؛ ففضيلته تكمن في أنه قويّ”، بل كان رسو يعتقد بوجود فوارق في الطبيعة الأخلاقية بين الجنسين، فهناك كيانات خاصة بالمرأة وأخرى خاصة بالرجال؛ ومن أجل ذلك طالب أن يكون تعليم المرأة موجهًا للهدف من وجودها، وهو إسعاد الرجال.

والليبراليون يُجمعون على أنه بما أن المرأة لم تحظ بالقدر المساوي من التعليم والتنشئة الاجتماعية ذاتها التي حظي بها الرجل، فإننا لا يمكن أن نجزم بوجود فرق جوهري بين الجنسين، والواقع أن التطبيق الغربي رغم عدم مثاليته في بعض الجوانب أثمر ازدهارًا حضاريًّا، ورفاهية لم تعرفها البشرية عبر تاريخها.

والمرأة المثقفة عند رسو وبال على زوجها وأسرتها ومجتمعها، وعليها أن تأخذ من التعليم قدرًا محدودًا؛ كي ترعى منزلها فقط لتتعلم الطهي، والتطريز، والموسيقى.

ويتفق “هاربرت سبنسر” مع الفلسفة الطبيعية في كثير من مسلماتها، ولكنه نادى بأهمية العقاب بما يتماشى مع الطبيعة كطريقة لتعليم الطفل.

ومن منظور الفلسفة الطبيعية, نجد أن الطبيعة قادرة على تشكيل النفس الإنسانية السوية؛ كي تتكيف مع المجتمع.

ونادت هذه الفلسفة بضرورة احترام الفروق الفردية، وحماية الطفل من الضغوط المجتمعية التي تحدث باسم التنشئة، وتمارسها الأسرة أو المدرسة دون اعتبار لذاتية الفرد.

ومن أنصار هذا المذهب: يوحنا هنري بستالوزي، وفردريك فروبل، وروسو، وسبنسر، عملوا على إرساء دعائم تربوية ذات صبغة نفسية للتعامل مع الأطفال، على أساس تشجيع واحترام حرية الطفل في كيفية تنمية الملكات النفسية والعقلية والجسمية.

التعليم المدرسي يُفسد النفس الخيِّرة للمتعلم، ويفسد طبيعته السوية، فالواجب أن يعرف المراحل العمرية، والمناشط التعليمية المناسبة لسيكولوجية النمو في كل مرحلة، وبما أن الطبيعة والخبرات التي تتناغم معها هي أساس التعامل مع النفس، فإن الطبيعة وكل ما ينسجم مع نواميسها هي مصدر المعرفة، ومنها نستقي أصول التربية؛ وبالتالي فإن الضغوطات الخارجية مثل: الواجبات المدرسية، والاختبارات تعكر صفو النمو الطبيعي.

الفلسفة اللامدرسية تؤكد على معظم الأفكار السابقة، بل هي امتداد طبيعي للفلسفة الطبيعية.

المدرسة الماركسية:

هذه المدرسة من المدارس التي ظهرت في فترة من الفترات؛ حيث ظهرت الأفكار الكلاسيكية في مراحل ميلاد الرأسمالية الصناعية، والتي اتسمت بتراكم رأس المال التقني، وتشييد المعامل، وانتشار صناعة النسيج والصلب والفولاذ، واستغلال مناجم الفحم والحديد.

وقد صاحب هذه الثورة الصناعية الليبرالية تعاسة كبيرة للطبقة العاملة، وبؤس في أوساطها، واستغلال كبير للأطفال والنساء الذين كانوا يعملون في المناجم المظلمة والمعامل الضيقة، وقد ساعد المستوى المنخفض للأجور أصحاب رءوس الأموال على تكديسها واستثمارها، الشيء الذي أدى إلى تقدم اقتصادي كبير على حساب تضحيات اجتماعية قاسية. كما أوضحت هذه الأوضاع الاستغلالية كثيرًا من معارضي هذا المذهب الليبرالي الكلاسيكي، وهم الذين ينزعون عادة إلى التيار الاشتراكي.

وقد قسم المؤرخون الاقتصاديون الاشتراكيين إلى قسمين, هما: الاشتراكيون المثاليون الذين انتقدوا الرأسمالية انتقادًا لاذعًا وشديدًا، وشيدوا في حياتهم مجتمعاتٍ مثالية على شكل نماذج بنيوية، تستجيب للرغبات الشخصية أكثر مما تستجيب للمنطق العلمي.

أما الفريق الآخر فهم الاشتراكيون العلميون, الذين حاولوا تفسير الأحداث الاقتصادية من خلال الفلسفة المادية الجدلية، والمادية التاريخية. ومن أهم روّاد هذا الفريق نجد المفكر الاقتصادي الألماني كارل ماركس، وفريدريك إنجلز.

ومن خلال ما سبق ذكره نجد أن هناك مبادئ أساسية تقوم عليها الاشتراكية, وتأتي الاشتراكية كرد فعل على الرأسمالية الاستغلالية، وكان موقف ماركس تعديل مساوئ الرأسمالية.

وانطلق فكر ماركس من مقدمات منطقية، يمكن أن نلخصها فيما يلي:

– يمتاز العالم بالمرونة والتغير, أكثر مما يتميز به من الثبات والجمود.

– أن التغيير في العالم الاجتماعي ليس عشوائيًّا بقدر ما هو منظم, ويمكن ملاحظة هذه الانتظامات في الحياة.

– النظر إلى المجتمع كنسق مكون من أجزاء متشابهة, يشكل فيه الاقتصاد الجزء الأكبر.

– تشكل النظم الاجتماعية كلًّا من الاتجاهات وسلوك الناس داخل المجتمع.

– الأخذ بالمادية التاريخية في التحليل الاجتماعي، ومعنى المادية التاريخية: أن التاريخ تحركه المادة, لا الأفكار.

– العمل الإنساني وتسيير مفهوم العمل الإنساني إلى مجموعة النشاطات كالنشاط الفكري، والربط بين العمل والمفاهيم الأخرى، كعلاقة الإنتاج وقوة الإنتاج.

ونجد أن الماركسية هو مصطلح يدخل في علم الاجتماع، والاقتصاد السياسي، والفلسفة، وسميت الماركسية بهذا الاسم نسبة إلى مؤسسها كارل ماركس، وهو منظم الشيوعية العلمية بالاشتراك مع صديقه فريدريك إنجلز، وهما من معلمي الشيوعية، فقد كان الاثنان اشتراكيين، لكن مع وجود الكثير من الأحزاب الاشتراكية فقد تفرد ماركس وإنجلز بالتوصل للاشتراكية كتطور حتمي للبشرية وفق المنطق الجدلي، وبأدوات ثورية، فكانت مجمل أعمال ماركس وإنجلز تحت اسم واحد وهو الماركسية، التي تؤكد على الشروط الاقتصادية والاجتماعية للحرية، وتتمثل في تحرير المجتمع من أشكال الاستغلال الطبقي، إلا أن ماركس لم يهمل ناحية أساسية للحرية بالنسبة للفرد، وهي تنظيم طاقات وقدرات بدنية خلّاقة خارج العمل الاقتصادي، والحرية الحقيقية في نظره لا تتحقق ولا تنمو إلا بالتغيير الثوري للمجتمع ككل.

وتستند الاشتراكية إلى خلفيات ومرجعيات، منها:

– الفلسفة الألمانية؛ فقد اهتم بالفلسفة الألمانية الكلاسيكية وخاصة مذهب هيجل الجدلي، ومذهب فورباغ المادي، ونقد المذهبين ليخرج بالمذهب الفلسفي الجديد، وهو المادية الجدلية “الدياليكتيكية”.

– الاقتصاد السياسي الإنجليزي، وخاصة المفكر آدم سميث، والنموذج الاقتصادي لديفيد ريكاردو.

بهذا المنهج نجد أن ماركس قد ذهب في كتابه (رأس المال)؛ بغرض أن يقتحم الصرح الاجتماعي الذي يتجاوب مع علاقات الإنتاج الرأسمالية، هذا الصرح الذي يشكل الهيكل العظمي لها وحدها.

ومنذ ظهور رأس المال تجسد المفهوم المادي للتاريخ، فرأس المال تطبيق رائع للمادية الجدلية على الاقتصاد الرأسمالي، وهكذا اكتشف ماركس المادية التاريخية كتطبيق للمادية الجدلية على تطور المجتمع، واستقرت منذ ذلك الحين منهجًا للبحث الاجتماعي، يستحوذ على المجتمع في تفاصيله، ويحلل أشكال تطوره، ويكشف عن قوانينه الداخلية.

الصراع الطبقي:

يعتقد ماركس أن الصراع الطبقي هو المحرك للتاريخ، وبه تنتقل المجتمعات من حالة إلى أخرى، وعملية التغيير هذه هي نتيجة حتمية للصراع، والذي تعد أطرافه طبقتين أساسيتين، هما: طبقة مالكة لوسائل الإنتاج والثروة ومهيمنة على السلطة، وطبقة فاقدة لها وتعامل كإحدى وسائل الإنتاج.

وقد صاغ ماركس هذا الصراع بين قوى الإنتاج المتمثلة في الأراضي والمناجم والغابات، وأدوات الإنتاج المتمثلة في عملية الإنتاج والروابط الاجتماعية، وهذا الصراع ينتهي بهيمنة الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج.

ومن النظريات الاقتصادية التي تحدث عنها ماركس نظرية القيمة، فيعتقد ماركس أن قيمة أي سلعةٍ ما تقاس بالعمل الذي تقتضيه تلك السلعة، أي: بعدد الساعات التي يستغرقها العمل في إنتاج تلك السلعة، وتقاس هذه القيمة بزمن اجتماعي، لا بالزمن الحقيقي، أي: الزمن الذي يقضيه العامل المتوسط لإنتاج المادة, على أساس توفر مستوى معين من وسائل الإنتاج التي يستعملها المجتمع، فإذا ما قضى عاملٌ ما خمس ساعات لصناعة المادة “أ”، وأربع ساعات لصناعة المادة “ب”، نقول: إن قيمة “أ” تزيد عن “ب” بساعة واحدة، فكل المواد كيفما كانت ما هي إلا مجرد تراكم للعمل البشري الذي يعتبر أساس الإنتاج.

ومن خلال ما سبق يمكن أن نقول: إن النظام الماركسي من خلال فضحه للرأسمالية، واستغلاله للطبقة العاملة -استطاع أن يقنع الكثير لاتباع نظامه، وبذلك انتشروا في عدد من الدول؛ خاصة على رأسها الاتحاد السوفيتي والصين ودول أوربا الشرقية وكوبا وغيرها، ولكن هذا الانتصار والنجاحات التي حققها هذا النظام الماركسي في بعض المجالات -لم يكن خاليًا من بعض العيوب؛ فهو لم يستطع أن يغطي كل جوانب الضعف في هذا النظام، والتي يمكن أن نلخصها فيما يلي:

انعدام الحرية للفرد، عدم القضاء على الاستغلال الذي قام من أجله، عدم القضاء على الطبقية، انخفاض إنتاجية العامل، خلق نوع من البيروقراطية، عدم التركيز على الإنتاج.

error: النص محمي !!