Top
Image Alt

أبنية الثلاثي المجرد التي يمكن تصورها

  /  أبنية الثلاثي المجرد التي يمكن تصورها

أبنية الثلاثي المجرد التي يمكن تصورها

أبنية الاسم الثلاثي بحسب ما تقتضيه القسمة العقلية لا بحسب ما يقتضيه الاستعمال الوارد عن العرب:

وهي اثنا عشر بناءً؛ ذلك أن فاءه إما أن تكون مفتوحة، أو أن تكون مكسورة، أو أن تكون مضمومة، أي أن الفاء يتعاور عليها الحركات الثلاث، وعلى كل حركة من هذه الحركات فالعين يتصور فيها إما أن تكون ساكنة وإما أن تكون محركة بحركة من الحركات الثلاث -إما أن تكون ساكنة، أو مفتوحة، أو مكسورة، أو مضمومة- فأحوال الفاء ثلاث وأحوال العين أربع، لو ضربنا أحوال الفاء في أحوال العين لكان حاصل الضرب اثني عشر بناءً، هذا هو ما تقتضيه القسمة العقلية.

ب. ما يُستعمل من هذه الأبنية الاثني عشرة:

المستعمل من هذه الأبنية بالنسبة الاسم الثلاثي المجرد عشرة أبنية باتفاق، وإليكم الحديث عن هذه الأبنية العشرة:

البناء الأول: (فَعْلٌ) بفتح الفاء فسكون العين، يأتي هذا البناء اسمًا مثل الاسم سهمٌ، والاسم كعبٌ، كما يأتي صفة فيقال: سهلٌ، صعبٌ، ونلحظ أن هناك مقابلة بين الاسم والصفة في مصطلح الصرف العربي، ويختلف عن المصطلح النحوي أحيانًا.

البناء الثاني: (فَعَلٌ) بفتحتين، يأتي هذا البناء أيضًا اسمًا نقول: قمرٌ، جملٌ، ويأتي كذلك صفة مثل: بطلٌ، حسنٌ.

البناء الثالث: (فَعِلٌ ) بفتح الفاء وكسر العين، يأتي هذا البناء اسمًا مثل: كتفٌ، كبدٌ، ويأتي أيضًا صفة مثل: حذرٌ فطنٌ.

البناء الرابع: (فَعُلٌ) بفتح الفاء فضم العين، يأتي اسمًا مثل: عضدٌ، والعضد هو ما بين المرفق إلى الكتف، ومثل رجلٌ، ويأتي هذا البناء أيضًا صفة مثل: ندسٌ، والندس هو الرجل الفهم والسريع الاستماع للصوت الخفي، ومثل أيضًا: يقظٌ في إحدى لغتيه يقظٌ، واليقظ هو الذكي الفطن النبيه.

البناء الخامس: (فِعْلٌ) بكسر الفاء وسكون العين، يأتي هذا البناء كذلك اسمًا مثل: بئرٌ، جذعٌ، ويأتي كذلك صفة مثل: نكسٌ، نقول: هذا الرجل نكسٌ، والنكس هو الضعيف، ومثل: جلفٌ، والجلف هو الغليظ الجافي.

البناء السادس: (فِعَلٌ) بكسر ففتح، يأتي هذا البناء كذلك اسمًا مثل: عنبٌ، ضلعٌ، ويأتي صفة كقول العرب: ماشية زيمٌ، زيمٌ يعني متفرقة، وقالوا أيضًا: غارة زيمٌ أي: غارة منتشرة، وقالوا: عدى، فقالوا: قوم عدى على وزن (فِعَل) أيضًا أي: أعداء.

البناء السابع: (فِعِلٌ) بكسرتين، يأتي هذا البناء كذلك اسمًا مثل: إبطٌ، إبلٌ، كما يأتي صفة كقول العرب: هذه امرأة دلزٌ أي: ضخمة، وهذه أتان إبدٌ أي: ولود.

البناء الثامن: (فُعْلٌ) بضم الباء فسكون العين، يأتي هذا البناء أيضًا اسمًا مثل: قفلٌ بردٌ، كما يأتي صفة مثل: حلوٌ، مرٌّ.

البناء التاسع: (فُعَلٌ) بضم الفاء وفتح العين، ومن أمثلته: صردٌ، والصرد طائر فوق العصفور، وجمعه صردان، ومن أمثلته أيضًا: نغلٌ، والنغل طائر جميل كالعصفور له منقار أحمر يسميه أهل المدينة البلبلة، كما يأتي هذا البناء صفة كذلك مثل: حطمٌ، والحطم هو الراعي العنيف، كما قال الراجز وهو يصف راعيًا عنيفًا يسوقه إبله في الليل بعنفٍ وقسوة؛ فيحطم سيقان هذه الإبل فقال:

…. …. …. ….

*قد لفَّها الليلُ بسوّاق حُطم

 

بسواق حطم يعني بسواق عنيف، ومن أمثلة هذا البناء أيضًا في الصفة: لبدٌ كما قال تعالى في سورة البلد {يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لّبَداً} [البلد: 6] أي: أهلكت مالًا كثيرًا.

البناء العاشر: وهو آخر الأبنية الثلاثية المجردة المستعملة: (فُعُلٌ) بضمتين، ويأتي هذا البناء اسمًا ومن أمثلته: عنقٌ، طنبٌ، والطنب هو حبال الخباء والسرادق، كما يأتي هذا البناء أيضًا صفة من أمثلته: جنبٌ، نكرٌ، كما قال تعالى في سورة “القمر”: {يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِ إِلَىَ شَيْءٍ نّكُرٍ} [القمر: 6].

جـ. البناءان المهملان، وسر في إهمال العرب استعمالهما:

أما البناءان المهملان فهما:

البناء الأول: (فِعُلٌ) بكسر الفاء وضم العين، هذا البناء بناءٌ مهملٌ باتفاق، ما السر في إهماله؟ السر في إهماله هو كراهة الانتقال من الكسر -كسر الفاء- “فِ” والكسر في حد ذاته ثقيل، ننتقل منه إلى أثقل منه وهو الضم فِعُلٌ، ونلاحظ أن هذا البناء بناء ثلاثي، والبناء الثلاثي بطبيعته بناء قُِصدَ منه جعله مبنيًّا على الخفة، بمعنى أن العرب تطلبوا فيه الخفة، فإذا انتقلوا في هذا البناء الذي يفترض فيه الخفة من حرفٍ ثقيلٍ إلى حرفٍ أثقل، فلا شك أن هذا البناء جدير بالإهمال؛ ولهذا لم يرد في الاستعمال العربي هذا البناء لا في فعلٍ ولا في اسمٍ على الرغم من أن الفعل بطبيعته ثقيل أثقل من الاسم، الفعل الثقيل؛ لأنه يطرد فيه، طبعًا زيادة أحرف المضارعة أحيانًا تتصل به الضمائر في آخره المتحركة والساكنة، كما أنه يدل على الفعل والفاعل معًا، أما الاسم فهو بناءٌ مبني على الخفة؛ ولذلك ينبغي أن يكون في غاية الخفة، لكن مع هذا وجدنا أن العرب لا يستعملون هذا البناء حتى في الفعل، وهو المبني على الثقل لشدة ما فيه من ثقل.

أما قول الله عز وجل في الآية السابعة من سورة “الذاريات”: {وَالسّمَآءِ ذَاتِ الْحُبُكِ} [الذاريات: 7] فالقراءة المشهورة: {الْحُبُكِ} بضمتين، و{الْحُبُكِ} على وزن (فُعُل)، ومعناه: الطرائق في الرمل والماء إذا مرت بهما الريح، والمراد به في الآية الكريمة: طرق النجوم في السماء، و{الْحُبُكِ} جمع حباك كمثال ومُثُل، ومثل أيضًا كتاب وكُتُب قالوا: حباك وحُبُك، أو هو جمع حبيكة كما قالوا: طريقة وطرق، وكما قالوا: سفينة وسفن، فهو جمع حباك أو حبيكة، القراءة المشهورة: {وَالسّمَآءِ ذَاتِ الْحُبُكِ} بضم الحاء والباء.

توجيه قراءة أبي السّمال: {وَالسّمَآءِ ذَاتِ الْحُبُكِ} وإلقاء بعض الأضواء على تفرع بعض الأبنية على بعض:

هناك قراءة وهي القراءة التي نسبت إلى أبي السّمال في بعض المراجع، أو إلى الحسن البصري، أو إلى أبي مالك الغفاري، قال هذه القراءة: “وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحِبُكِ” جاءت على بناء المهمل وهو وزن (فِعُلٌ) “وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحِبُكِ”، اختلف العلماء في توجيه هذه القراءة على عدة آراء، أشهر هذه الآراء:

الرأي الأول: وهو رأي قوي لم يوجه إليه ضعف كغيره: إن هذه القراءة شاذة لم تثبت صحتها، ومن ثَمّ لا يعول عليها.

الرأي الثاني: نسب لأبي حيان: أن الحاء في “الحِبُكِ” إنما كسرت اتباعًا لكسرة تاء “ذاتِ” إذ الفصل أو الحاجز بينهما بين التاء المكسورة في “ذاتِ” والحاء المكسورة على هذه القراءة هو اللام الساكنة، وما دامت ساكنة فهي حاجزٌ غير حصين، وضُعِفَ هذا الرأي بأن الفاصل بين التاء المكسورة في كلمة ذاتِ والحاء المكسورة على هذه القراءة في كلمة الحِبُكِ، إنما هو كلمة “أل” وهو كلمة برأسها، فهي حاجزٌ حصين، بمعنى أنها تضعف الاتباع الذي ارتضاه أبو حيان.

وذكر ابن جني في (المحتسب) أن هذه القراءة “الحِبُك” يحسبها سهوًا من القارئ، أو -كما قال ابن جني- لعله من تداخل قراءتي “الحِبِكِ”، وهذه إحدى القراءات في الآية الكريمة بكسرتين -بكسر الحاء والباء معًا- و{الْحُبُكِ} بضمتين وهي القراءة المشهورة، فكأن القراءة كسر الحاء يريد قراءة “الحِبِكِ”، وبعد نطقه بالحاء مكسورة مال إلى القراءة المشهورة فنطق بالباء مضمومة، فقال: “الحِبُكِ”.

قال ابن مالك في (شرح الكافية الشافية) موضحًا رأيه في هذا التوجيه: وهذا التوجيه -يعني: تداخل القراءتين- لو اعترف به من عُزِيَتْ إليه القراءة لدل على عدم الضبط ورداءة التلاوة، ومن هذا شأنه لم يعتمد على ما يسمع منه؛ لإمكان عروض أمثال ذلك منه.

والخلاصة: أن هذه التوجيهات الثلاثة وجه إلى اثنين منها ضعف، وبقي الأول هو أقوى هذه التوجيهات، إذ لم يوجه إليه ما وجه إلى غيره من الضعف.

البناء الثاني: (فُعِلٌ) بضم الفاء وكسر العين عكس البناء السابق المهمل (فُعِلٌ) بضمٍّ فكسر، أكثر العلماء على أن هذا البناء أيضًا مهملٌ كسابقه؛ لأن فيه الانتقال من ضم الفاء والضم ثقيل إلى كسر العين والكسر أيضًا ثقيل، فكلاهما ثقيل غير أن ما في هذا البناء من ثقل أهون مما في قبله؛ ولهذا اختص هذا البناء بالفعل المبني للمجهول، واحتمل ثقله في هذا النوع من الأفعال لكونه بناء فرعيًّا عارضًا؛ إذ الأصل في الفعل أن يكون مبنيًّا للمعلوم، فالفعل المبني للمجهول فرعيٌّ على الفعل المبني للمعلوم، ولكنه مع ذلك مع كون هذا البناء في فِعُل وفُعِل فشا في قبيلة تغلب تخفيفه بتسكين عينه، ومن ذلك قول أبي النجم يصف امرأة بكثرة طيب شعرها، فقال:

…. …. …. ….

*لَو عُصِرَ مِنهُ المِسكُ وَالبانُ اِنعَصَرْ

عصر أصل هذه الكلمة عُصِرَ فخففه بتسكين عينه، أكثر العلماء على أن هذا البناء -كما قلنا- بناءٌ مهملٌ في الأسماء الثلاثية المجردة كسابقه، إلا أن لابن مالكٍ رأيًا مخالفًا لهؤلاء العلماء، فهو يرى أن هذا البناء ليس مهملًا في الأسماء لوروده عن العرب بقلة أو شذوذ، والدليل على ذلك قول العرب مثلًا: دُئِلٌ، ودُئِل على وزن (فُعِلٌ) وهو يستعمل علمًا وجنسًا، أما العلم فهو الدؤل بن بكر بن كنانة، ومن بنيه أبو الأسود الدؤلي الذي يُنسب إليه وضع علم النحو، واستعمل جنسًا فقالوا: دؤل اسم لدويبة شبيهة بابن عِرس، وأيضًا قال العرب: رُئِم، والرُّئِم هو اسمٌ للاست الذي هو العجز.

تفرع بعض الأبنية على بعض:

أولًا: اطراد ذلك في بعض اللهجات العربية لا في جميع اللهجات:

إن لهجات العربية التي يطرد عندها التفريع ليست كل القبائل العربية، ذلك أن التفريع عبارة عن الإتيان بالبناء على أكثر من صورة بغرض التخفيف والتيسير، لو تتبعنا بعض الكلمات الثلاثية لوجدنا أن بعضها قد ورد على أوزانٍ مختلفة، ومن أمثلة ذلك كلمة “فَخِذٍ”، فقد وردت هذه الكلمة على أربعة أوزان مختلفة -أربع صور متنوعة- قالوا مثلًا: فَخِذٌ بفتح الفاء وكسر العين، وقالوا: فَخْذٌ بفتح الفاء وسكون العين، وقالوا: فِخْذٌ بكسر الفاء وسكون العين، وقالوا: فِخِذٌ بكسر الفاء والعين معًا، قال العلماء: إن البناء الأصلي هو فَخِذٌ، أما الأبنية الثلاثة فقد تفرعت عليه، فالأصل بناءٌ واحدٌ هكذا قال علماء اللغة، أما الباقي فهو متفرعٌ عنه، والغرض من هذا التغيير الذي حدث في بنية الكلمة إنما هو التخفيف؛ ولذلك وجدناه في بعض الأبنية الثلاثية المجردة المستعملة التي يستشعرون ثقلها لا في جميع الأبنية الثلاثية المجردة، وإنما اختاروا التفريع في أبنية الثلاثي المجرد؛ لأنّ الثلاثي بطبيعته مبني على طلب الخفة على أقل الأبنية على ثلاثة، وهذه التفريعات والتغييرات في تلك البنى شائعة في قبائل معينة وليس في كل القبائل العربية، شائعة في قبائل: تميم، وبكر بن وائل، وتغلب، أما الحجازيون فلا يفرعون ولا يغيرون.

error: النص محمي !!