Top
Image Alt

أبواب الإمامة، وصفة الأئمة

  /  أبواب الإمامة، وصفة الأئمة

أبواب الإمامة، وصفة الأئمة

باب من أحق بالإمامة:

 الحديث الأول:

عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)) رواه أحمد، ومسلم، والنسائي.

الحديث الثاني:

عن أبي مسعود عقبة بن عمرو: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء؛ فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء؛ فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء؛ فأقدمهم سنّا، ولا يؤمنّ الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكريمته إلا بإذنه)) وفي لفظ: ((لا يؤمّن الرجل في أهله ولا سلطانه)) وفي لفظ: ((سِلمًا )) بدل ((سنّا)) روى الجميع أحمد، ومسلم، ورواه سعيد بن منصور، لكن قال فيه: ((لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه، ولا يقعد على تكرمته في بيته إلا بإذنه)).

قوله: ((إذا كانوا ثلاثة)) مفهوم العدد هنا غير معتبر؛ لأن في حديث مالك بن الحويرث قال: ((أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم أنا وصاحب لي، فلمّا أردنا الانصراف من عنده قال لنا: إذا حضرت الصلاة فأذنا, وأقيما, ويؤمكما أكبركما)) رواه الجماعة، ولأحمد، ومسلم: ((وكانا متقاربين في القراءة)) ولأبي داود: ((وكنا يومئذ متقاربين في العلم)).  

قوله: ((وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)) وقوله في الحديث الآخر: ((يؤم القوم أقرؤهم)) فيه حجة لمن قال: يقدم في الإمامة الأقرأ على الأفقه، وإليه ذهب الأحنف بن قيس، وابن سيرين، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وبعض أصحابهما.   

وقد اختلف في المراد من قوله: ((يؤم القومَ أقرؤُهُم)) فقيل: المراد أحسنهم قراءة، وإن كان أقلّهم حفظًا، وقيل: أكثرهم حفظًا للقرآن، ويدلُّ على ذلك ما رواه الطبراني في (الكبير) ورجاله رجال الصحيح، عن عمرو بن سلمة أنه قال: ((انطلقت مع أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام قومه؛ فكان فيما أوصانا: يؤمكم أكثركم قرآنًا؛ فكنتُ أكثرهم قرآنًا؛ فقدموني)) وأخرجه: ((فكنت أكثرهم قرآنًا؛ فقدموني)) وأخرجه أيضًا البخاري، وأبو داود، والنسائي.

قوله: ((فإن كانوا في القراءة سواء)) أي: استووا في القدر المعتبر منها، إما في حسن القراءة، أو في كثرتها أو في قلتها، ولفظ مسلم: ((فإن كانت القراءة واحدة)).

قوله: ((فأعلمهم بالسنة)) فيه أن مزية العلم مقدمةٌ على غيرها من المزايا الدينية.

قوله: ((فأقدمهم هجرة)) الهجرة المقدم بها في الإمامة لا تختص بالهجرة في عصره صلى الله عليه وسلم بل هي التي لا تنقطع إلى يوم القيامة، كما وردت بذلك الأحاديث، وقال به الجمهور.

وأما حديث: ((لا هجرة بعد الفتح)) فالمراد به الهجرة من مكة إلى المدينة، أو لا هجرة -بعد الفتح- فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح، وهذا لا بد منه للجمع بين الأحاديث.

الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم: ((فأقدمهم هجرة)):

حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًّا…)) إلى آخر الحديث. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فأقدمهم هجرة)) والهجرة: هي المجافاة والترك، فاسم الهجرة يقع على أمور:

هجرة الصحابة رضي الله عنهم من مكة إلى الحبشة حين آذى المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم ففروا إلى النجاشي، وكانت هذه الهجرة بعد البعثة النبوية بخمس سنين، قاله البيهقي.

وهجرة الصحابة رضي الله عنهم من مكة إلى المدينة ، حيث هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أن ضاقت مكةُ بدعوةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم واشتد الإيذاء والحصار على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يجب على كل مسلم بمكة أن يهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأطلق جماعة أن الهجرة كانت واجبة من مكة إلى المدينة، هذا ليس على إطلاقه؛ فإنه لا خصوصية للمدينة، وإنما الواجب الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان.

الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم: ((فأقدمهم سنًّا…)) إلخ:

قوله صلى الله عليه وسلم: ((فأقدمهم سنًّا)) أي: يقدم في الإمامة من كبر سنه في الإسلام؛ لأن ذلك فضيلة يرجح بها، والمراد بقوله: ((سِلمًا)) في الرواية التي ذكرها المصنف: الإسلام؛ فيكون من تقدم إسلامه أولى ممن تأخر إسلامه، وجعل البغوي أولاد من تقدم إسلامه أولى من أولاد من تأخر إسلامه، والحديث لا يدل على ذلك.

قوله: ((ولا يؤمنّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه)) قال النووي: معناه: أن صاحب البيت والمجلس، وإمام المسجد أحق من غيره؛ لأنه موضع سلطته، والظاهر: أن المراد به السلطان الذي إليه ولاية أمور الناس، لا صاحب البيت ونحوه، ويدل على ذلك ما في رواية أبي داود بلفظ: ((ولا يُؤم الرجل في بيته ولا في سلطانه)) وظاهره: أن السلطان مقدم على غيره، وإن كان أكثر منه قرآنًا وفقهًا، وورعًا وفضلًا؛ فيكون كالمخصص لما قبله. قال أصحاب الشافعي: ويقدم السلطان أو نائبه على صاحب البيت، وإمام المسجد، وغيرهما؛ لأن ولايته وسلطنته عامة، قالوا: ويستحب لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل منه.

قوله: ((على تكرِمته)) قال النووي وغيره: بفتح وكسر الراء: الفراش ونحوه مما يبسط لصاحب المنزل، ويختص به دون أهله، وقيل: هي الوسادة، وفي معناه السرير ونحوه من الكراسي، أو غير ذلك.

فقه الحديث:

أما عن فقه الحديث فنقول: صفات الأحق بالإمامة في أحاديث الباب خمس: الأقرأ، الأعلم بالسنّة، الأقدم هجرة، الأقدم في الإسلام، الأكبر سنًّا، زاد عليها الفقهاء -اعتمادًا على أحاديث أخرى أو على روح التشريع-: الأورع، والأحسن خلقًا، والأشرف نَسَبا، والأحسن صورة ووجهًا، والأحسن لباسًا، والأحسن صوتًا.

وقبل الكلام على ترتيب هذه الصفات، نقرر: أن المقصود من ترتيبها هو بيان الأفضل؛ إذ يجوز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، وأن المقصود من ترتيبها: بيان الأحقية عند التنازع على الإمامة؛ فيحكم للأحق بأحقيته.

فالرواية تقدم الأقرأ على العالم بالسنة، وهي دليل لمن يقول بتقديم الأقرأ على الأفقه، وهو مذهب أبي يوسف، وأحمد، وبعض الشافعية.

وقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والجمهور: الأفقه مقدم على الأقرأ، قالوا: لأن الذي يُحتاج إليه من القراءة مضبوط، والذي يُحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، وقد يعرض في الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصواب فيه إلا كاملُ الفَقْهِ، وقالوا: ولهذا قَدَّمَ النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه في الصلاة على الباقين، مع أنه صلى الله عليه وسلم نصّ على أن غيره أقرأ منه، ففي الحديث: ((أقرؤكم أُبي)).

وقد أجابوا عن الحديث بأجوبة، منها: أن الأقرأ في الصحابة كان هو الأعلم بالسنة والأحكام الشرعية؛ لأنهم كانوا يتلقون القرآن بأحكامه، حتى رُوي عن ابن عمر أنه قال: ((ما كانت تنزل السورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ونعلم أمرها، ونهيها، وزجرها، وحلالها، وحرامها)) وحتى روي عنه أنه حفظ سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة، وحاصل هذا الجواب: أن المراد بالأقرأ: الجامع لحسن القراءة، وفهم الأحكام، أي: الأقرأ: الأفقه. ويعكر عليه قوله: ((فإن كانوا في القراءة سواء فأعملهم بالسنة)) لأن الظاهر أن الأقرأ شيء، وأن العالم بالسنة -وهو الأفقه- شيء آخر.

الصفة الثالثة من صفات الأحق بالإمامة: الأقدم هجرة، قال النووي: قال أصحابنا: يدخل فيه طائفتان:

إحداهما: الذين يهاجرون اليوم من دار الكفر إلى دار الإسلام؛ فإن الهجرة باقية إلى يوم القيامة عندنا وعند جمهور العلماء، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا هجرةَ بَعْدَ الفَتْحِ)) أي: لا هجرة من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، أو لا هجرة فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح، وقد تحدثنا عن الهجرة وأنواعها.

الثانية: أولاد المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا استوى اثنان في الفقه والقراءة وأحدهما من أولاد من تقدمت هجرته والآخر من أولاد من تأخرت هجرته قُدم الأول، وليس في الحديث ما يدل على ذلك.

الصفة الرابعة: الأقدم سِلمًا، أي: إسلامًا.

الصفة الخامسة: الأكبر، أي: إذا كان إسلامهما في وقت واحد، أو جهل السابق واللاحق منهما قُدم الأكبر سنًّا.

وأما قوله في بعض الروايات: ((فلْيؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم)) وقوله أيضًا: ((وليؤمكما أكبركما)) فليس معناه تقديم الأكبر سنًّا على الأفقه والأقرأ والأقدم هجرة والأقدم إسلامًا؛ لأن الكلام مع جماعة أسلموا جميعًا، وهاجروا جميعًا، وصحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولازموه عشرين ليلةً؛ فاستووا في الأخذ عنه، ولم يبقَ ما يُقدم به إلا السن، قاله النووي.

الحديث الثالث:

عن أنس: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين يصلي بهم وهو أعمى)) رواه أحمد، وأبو داود.

ما يؤخذ من الحديث:

ويستفاد من هذا الحديث: أن الله أعذر ابن أم مكتوم ومن في حكمه بنزول هذه الآية؛ فكيف يشهد ابن أم مكتوم القادسية ويخرج للجهاد في سبيل الله وهو أعمى؟ نقول: إن حديث البخاري فيه العذر لأولي الضرر من المسلمين عن الجهاد، لكن ذلك لا يمنع من يجد في نفسه القدرة من المعذّرين على مساعدة الجنود في القتال أن يفعل ذلك، وهذا ما قام به ابن أم مكتوم يوم القادسية، فأراد أن ينال شرف القتال مع المسلمين، وفضيلة الجهاد في سبيل الله بعمل أيّ شيء غير الضرب بالسيف الذي لا يصلح معه إلا البصير، فربما كان يقوم بعملٍ ما يلائم ما به من العمى، كالحث على الثبات، والتحلي بالصبر عند اللقاء، وحمل الراية، وغير ذلك.

قوله في الحديث: ((يصلي بهم)) أي: يصلي بهم إمامًا في غياب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخروجه إلى المعارك، والضمير في ((بهم)) عائد على من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين بعذر ونحوه.

باب ما جاء في إمامة الفاسق:

حديث مكحول عن أبي هريرة: ((الجهاد واجب عليكم مع كل أمير…)):

عن مكحول عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الجهاد واجب عليكم مع كل أمير، برًّا كان أو فاجرًا، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم، برًّا كان أو فاجرًا وإن عمل الكبائر)) رواه أبو داود والدار قطني بمعناه وقال: مكحول لم يلق أبا هريرة.

قوله في الحديث: ((الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برًّا كان أو فاجرًا)).

الجهاد بكسر الجيم في اللغة مأخوذ من الجُهد، وهو: بذل الطاقة، ومن الجَهد بفتح الجيم: المشقة.

وشرعًا: هو بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضًا على مجاهدة النفس والشيطان والفسّاق، فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين، ثم العمل بها، ثم على تعليمها، وفي الحديث: ((لا غبطة إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجلٌ آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات، وما يزينه من الشهوات. وأما مجاهدة الفساق: فباليد، ثم اللسان، ثم القلب، قال صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)).

حكم الجهاد: فمثلًا لو سئل الإنسان عن حكم الجهاد، وهل هو واجبٌ أو فرض كفاية؟ اختلف العلماء في جهاد الكفار، هل كان أولًا فرضُ عين أو كفاية؟

يقول شيخ الإسلام ابن حجر: وللناس في الجهاد حالان: إحداهما في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والأخرى بعده -أي: بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم فأما الأولى: فأول ما شرع الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى المدينة اتفاقًا، يعني: لم يشرع الجهاد في مكة، وإنما شرع بعد الهجرة باتفاق العلماء، ثم بعد أن شرع هل كان فرض عين أو فرض كفاية؟ قولان مشهوران للعلماء، وهما في مذهب الشافعي، وقيل: كان عينًا، يعني: كان فرض عين على المهاجرين دون غيرهم، ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح في حقِّ كلِّ من أسلم إلى المدينة لنصرة الإسلام. وقال السهيلي: كان عينًا على الأنصار دون غيرهم، ويؤيده مبايعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة على أن يأووا رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصروه.

فيستفاد من أقوال العلماء: أن الجهاد كان عينًا على المهاجرين والأنصار كفاية في حق غيرهم، ومع ذلك فليس في حق الطائفتين على التعميم، بل في حق الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفي حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداءً، وقيل: كان الجهاد فرض عين في الغزوة التي يخرج فيها الرسول صلى الله عليه وسلم دون غيرها، والتحقيق: أنه كان عينًا على من عينه النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يخرج.

الحال الثاني: حكم الجهاد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم: فهو فرض كفاية على المشهور، إلا أن تدعو الحاجة إليه، كأن يهاجم العدو بلدًا من بلاد المسلمين، أو يعينه الإمام، ويتأتى فرض الكفاية بفعله في السنة مرة عند الجمهور، ومن حجتهم: أن الجزية تجب بدلًا عنه، ولا تجب في السنة أكثر من مرة اتفاقًا، فليكن بدلها كذلك، وقيل: يجب كلما أمكن، وهو قوي، والذي يظهر أنه استمر على ما كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد، وانتشر الإسلام في أقطار الأرض، وكان الإسلام في قوة، فأصبح الجهادُ من فروض الكفايات، والتحقيق أيضًا أن جنس جهاد الكفار متعينٌ على كلِّ مسلمٍ إما بيدِه، وإما بلسانِهِ، وإما بماله، وإما بقلبه.

قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: ((والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برًّا كان أو فاجرًا)) تقدم في المحاضرة السابقة حكم الصلاة خلف الفاسق، وبينا أقوال العلماء والفقهاء في هذه المسألة.

قوله: ((وإن عمل الكبائر)) الكبائر: جمع كبيرة، وهي الفعلة القبيحة من الذنوب المنهي عنها شرعًا، العظيم أمرها كالقتل والزنا، والفرار يوم الزحف وغير ذلك. ويؤخذ من الحديث جواز الصلاة خلف من ارتكب الكبيرة إلا أن يكفر بذلك، فلا تصح الصلاة خلف الكفار.

باب ما جاء في إمامة الصبي:

حديث عمرو بن سَلِمة، وما جاء في إمامة الصبي:

عن عمرو بن سلمة قال: ((لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ جَعَلَ النَّاسُ يَمُرُّونَ عَلَيْنَا قَدْ جَاءُوا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَكُنْتُ أَقْرَأُ وَأَنَا غُلَامٌ، فَجَاءَ أَبِي بِإِسْلَامِ قَوْمِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَؤُمُّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا، فَنَظَرُوا فَكُنْتُ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا، قَالَ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: غَطُّوا اسْتَ قَارِئِكُمْ، قَالَ: فَاشْتَرَوْا لَهُ بُرْدَةً، قَالَ: فَمَا فَرِحْتُ أَشَدَّ مِنْ فَرَحِي بِذَلِكَ القميص)) رواه البخاري والنسائي بنحوه، قال فيه: “كنت أؤمهم وأنا ابن ثماني سنين” وأبو داود وقال فيه: “وأنا ابن سبع سنين أو ثماني سنين” وأحمد ولم يذكر سنه، ولأحمد وأبي داود: “فما شهدت مجمعًا من جرم إلا كنت إمامهم إلى يومي هذا”.    

وعن ابن مسعود قال: “لا يؤم الغلام حتى تجب عليه الحدود” رواه الأشرم في سننه.        

قوله: ((وليؤمكم أكثركم)) فيه أن المراد بالأقرأ في الأحاديث المتقدمة: الأكثر قرآنًا لا الأحسن قراءة -وقد تقدم ذلك.

قوله: ((فقدموني)) فيه جواز إمامة الصبي، ووجه الدلالة ما في قوله صلى الله عليه وسلم: ((ليؤمكم أكثركم قرآنًا)) من العموم، قال أحمد بن حنبل: ليس فيه اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم وأجيب بأن إمامته بهم كانت حال نزول الوحي، ولا يقع حالة التقرير لأحد من الصحابة على الخطأ، ولذا استدلوا بحديث أبي سعيد وجابر: ((كنا نعزل والقرآن ينزل)) وأيضًا الذين قدموا عمرو بن سلَمة كانوا كلهم صحابة، قال ابن حزم: ولا نعلم لهم مخالفًا، كذا قال ابن حجر في (الفتح).

وقد ذهب إلى جواز إمامة الصبي: الحسن، وإسحاق، والشافعي والإمام يحيى، ومنع من صحتها: الهادي والناصر والمؤيد بالله من أهل البيت، وكرهها: الشعبي، والأوزاعي، والثوري، ومالك، واختلفت الرواية عن أحمد، وأبي حنيفة، قال ابن حجر: المشهور عنهما الإجزاء في النوافل دون الفرائض، وقد قيل: إن حديث عمرو المذكور كان في نافلة لا فريضة، وردّ بأن قوله: ((صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا)) يدل على أن ذلك كان في فريضة، وأيضًا قوله: ((فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم)) لا يحتمل غير الفريضة؛ لأن النافلة لا يشرع لها الآذان.

ومن جملة ما أجيب به عن حديث عمرو المذكور: ما روي عن أحمد بن حنبل أنه كان يضعف أمر عمرو بن سلمة روى ذلك عنه الخطابي في معالم السنن، ورُدَّ بَأَنَّ عمرو بن سلمة صحابيٌّ مشهورٌ، قال ابن حجر في (تقريب التهذيب): صحابي صغير نزل بالبصرة، وقد روي ما يدل على أنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وأما القدح في الحديث بأن فيه كشف العورة في الصلاة وهو لا يجوز فهو من الغرائب، فقد ثبت أن الرجال كانوا يصلون عاقدي أزرهم، ويقال للنساء: لا ترفعن رءوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا، زاد أبو داود: من ضيق الآزار.

 قوله: ((وكانت عليَّ بُرْدَةٌ)) في رواية أبي داود: ((وعلي بردة لي صغيرة)) وفي أخرى: ((كنت أؤمهم في بردة موصولة فيها فتق)) والبردة: كساء صغير مربع، ويقال: كساء أسود صغير، وبه كُنِّي -يعني: عمرو بن سلمة- كني بأبي بردة.

قوله: ((تقلصت عني)) في رواية أبي داود: ((خرجت استي)) وفي أخرى له: ((تكشفت)).

قوله: ((است قارئكم)) المراد هنا بالاست: العجز، ويراد: حلقة الدبر.

قوله: ((فاشتروا فقطعوا لي قميصًا)) لفظ أبي داود: ((فاشتروا لي قميصًا)).

قوله: ((من جَرْم)) بجيم مفتوحة وراء ساكنة، وهم قومه.

ومن جملة حجج القائلين بأن إمامة الصبي لا تصح حديث: ((رفع القلم عن ثلاثة)) وردّ بأن رفع القلم لا يستلزم عدم الصحة، ومن جملتها: أن صلاته غير صحيحة؛ لأن الصحة معناها موافقة الأمر، والصبي غير مأمور، وردّ بمنع أن ذلك معناها، بل معناها: استجماع الأركان، وشروط الصحة، ولا دليل على أن التكليف منها.

ومن جملتها أيضًا: أن العدالة شرط لما مر، والصبي غير عدل، وردّ بأن العدالة نقيض الفسق، وهو غير فاسق؛ لأن الفسق فرع تعلق الطلب، ولا تعلق، وانتفاء كون صلاته واجبة عليه لا يستلزم عدم صحة إمامته لما سيأتي من صحة صلاة المفترض خلف المتنفل.

وحديث عمرو بن سلمة أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب فتح مكة قال: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن عمرو بن سلمة قال: ((لَقِيتُ عَمْرًا فَحَدَّثَنِى هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ: كُنَّا بِحَضْرَةِ مَاءٍ مَمَرٌّ مِنَ النَّاسِ: وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ فَنَسْأَلُهُمْ مَا هَذَا الأَمْرُ مَا لِلنَّاسِ فَيَقُولُونَ نَبِىٌّ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ وَأَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ كَذَا وَكَذَا فَجَعَلْتُ أَتَلَقَّى ذَلِكَ الْكَلاَمَ فَكَأَنَّمَا يُغْرَى فِى صَدْرِى بِغِرَاءٍ – يَقُولُ أَحْفَظُهُ – وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلاَمِهَا الْفَتْحَ وَيَقُولُونَ أَبْصِرُوهُ وَقَوْمَهُ فَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِىٌّ صَادِقٌ، فَلَمَّا جَاءَنَا وَقْعَةُ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلاَمِهِمْ فَانْطَلَقَ أَبِى بِإِسْلاَمِ أَهْلِ حِوَائِنَا ذَاكَ فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَقَامَ عِنْدَهُ فَلَمَّا أَقْبَلَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَلَقَّيْنَاهُ فَلَمَّا رَآنَا قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَقًّا، فَإِنَّهُ يَأْمُرُكُمْ بِكَذَا وَكَذَا، وَقَالَ: صَلُّوا صَلاَةَ كَذَا فِى حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا صَلاَةَ كَذَا فِى حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ؛ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا. فَنَظَرُوا فِى أَهْلِ حِوَائِنَا ذَاكَ فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا أَكْثَرَ مِنِّى قُرْآنًا مِمَّا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ فَقَدَّمُونِى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ سِتِّ سِنِينَ، فَكَانَتْ عَلَىَّ بُرْدَةٌ فِيهَا صِغَرٌ، فَإِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّى فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَىِّ: أَلاَ تُغَطُّونَ عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ فَكَسَوْنِى قَمِيصًا مِنْ مَعْقِدِ الْبَحْرَيْنِ؛ فَمَا فَرِحْتُ بِشَىْءٍ فَرَحِى بِذَلِكَ الْقَمِيصِ)) .  

قال الإمام الكبير شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر -في شرحه لهذا الحديث-: قوله عن عمرو بن سلمة مختلف في صحبته، ففي هذا الحديث أن أباه وفد، وفيه إشعارٌ بأنه لم يفد معه، وأخرج ابن منده من طريق حماد بن سلمة عن أيوب بهذا الإسناد ما يدل على أنه وفد أيضًا، وكذلك أخرجه الطبراني، وأبوه سلِمة بكسر اللام هو: ابن قيس، ويقال: نفيع الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء صحابي ما له في البخاري سوى هذا الحديث، وكذا ابنه، يعني: لم يرو عمرو بن سلمة في البخاري إلا هذا الحديث، لكن وقع ذكر عمرو بن سلمة في حديث مالك بن الحويرث كما تقدم في صفة الصلاة.

قوله: ((قال لي أبو قلابة)) هو مقول أيوب الراوي.

قوله: ((كنا بما ممر الناس)) يجوز في ممر الحركات الثلاث، وعند أبي داود من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن عمرو: ((كنا بحاضر يمر بنا الناس إذا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم)).

قوله: ((ما للناس؟ ما للناس؟)) كذا فيه مكرر مرتين.

قوله: ((ما هذا الرجل؟)) أي: يسألون عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن حال العرب معه.

قوله: ((أوحي إليه)) ((أوحى الله بكذا)) يريد حكاية ما كانوا يخبرونهم به مما سمعوه من القرآن، وفي رواية يوسف القاضي عن سليمان بن حرب عند أبي نعيم في (المستخرج): ((فيقولون: نبيٌ يزعم أن الله أرسله، وأن الله أوحى إليه كذا وكذا فجعلت أحفظ ذلك الكلام)) وفي رواية أبي داود: ((وكنت غلامًا حافظًا، فحفظت من ذلك قرآنًا كثيرًا)).

قوله: ((فكأنما يُقَرَّ)) بضم أوله وفتح القاف وتشديد الراء من القرار، وفي رواية عنه بزيادة ألف مقصورة من التقرية، أي: يجمع، وللأكثر بهمز من القراءة، وللإسماعيلي: يغري بغين معجمة وراء ثقيلة أي: يلصق بالغراء، ورجحها عياض.

قوله: ((تلوّم)) بفتح أوله واللام وتشديد الواو أي: تنتظر، وإحدى التاءين محذوفة.

قوله: ((وبدر)) أي سبق.

قوله: ((فلما قدم استقبلناه)) هذا يشعر بأنه ما وفد مع أبيه، لكن لا يمنع أن يكون وفد بعد ذلك.

قوله: ((وليؤمكم أكثركم قرآنًا)) في رواية أبي داود من وجه آخر عن عمرو بن سلمة عن أبيه أنهم قالوا: يا رسول الله من يؤمنا؟ قال: ((أكثركم جمعًا للقرآن)).

قوله: ((فنظروا)) في رواية الإسماعيلي: ((فنظروا إلى أهل حوائنا)) بكسر المهملة وتخفيف الواو والمد، والحواء: مكان الحي الذي ينزل فيه.

قوله: ((تقلصت)) أي: انجمعت وارتفعت، وفي رواية أبي داود: ((تكشفت عني)) وله من طريق عاصم بن سليمان عن ابن عمرو بن سلمة: ((فكنت أؤمهم في بردة موصولة فيها فَتْقٌ، فكنت إذا سجدت خرجت استي)).

قوله: ((ألا تغطون؟)) كذا في (الأصول) وزعم ابن التين: أنه وقع عنده بحذف النون، ولأبي داود: ((فقالت امرأة من النساء: واروا عنا عورة قارئكم)).

قوله: ((فاشتروا)) أي: ثوبًا، وفي رواية أبي داود: ((فاشتروا لي قميصًا عُمانيًّا)) وهم بضم المهملة، وتخفيف الميم نسبة إلى عمان وهي من البحرين، وزاد أبو داود في رواية له: ((قال عمرو بن سلمة: فما شهدت مجمعًا من جرم إلا كنت إمامهم)).

وفي الحديث حجة للشافعية في إمامة الصبي المميز في الفريضة وهي خلافية مشهورة، ولم ينصف من قال: إنهم فعلوا ذلك باجتهادهم، ولم يطلع النبيصلى الله عليه وسلم على ذلك لأنها شهادة نفي، ولأن زمن الوحي لا يقع التقرير فيه على ما لا يجوز، كما استدل أبو سعيد وجابر لجواز العزل؛ لكونهم فعلوه على عهد النبيصلى الله عليه وسلم ولو كان منهيًّا عنه لنهي عنه في القرآن، وكذا من استدل بأن ستر العورة في الصلاة ليس شرطًا لصحتها بل هو سنة، ويجزي بدون ذلك لأنها واقعة حال فيحتمل أن يكون ذلك بعد علمهم بالحكم.

ويقول ابن قدامة في (المغني): ولا يصح ائتمام البالغ بالصبي في الفرض، نص عليه أحمد، وهو قول ابن مسعود وابن عباس، وبه قال عطاء، ومجاهد، والشعبي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأجازه الحسن، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. ووجه ذلك: عموم قوله: ((يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله تعالى)) وهذا داخل في عمومه.

error: النص محمي !!