Top
Image Alt

أبواب دخول مكة وما يتعلق به

  /  أبواب دخول مكة وما يتعلق به

أبواب دخول مكة وما يتعلق به

. من أين يدخل إلى مكة:

أولًا: الأحاديث:

الأول: عن ابن عمر قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل مكة دخل من الثنية العليا التي بالبطحاء، وإذا خرج من الثنية السفلى)) رواه الجماعة إلا الترمذي.

الثاني: وعن عائشة رضي الله عنها: ((أن النبي لما جاء مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها))، وفي رواية: ((دخل عام الفتح من كداء التي بأعلى مكة)) متفق عليهما، وروى الثاني أبو داود، وزاد: ((ودخل في العمرة من كدا)).

ثانيًا: الشرح:

يقول الشوكاني: قوله: ((من الثنيَّة العليا)) الثنية: كل عقبة في طريق أو جبل؛ فإنها تسمى ثنية، وهذه الثنية المعروفة بالثنية العليا هي التي ينزل منها إلى باب المعلى: مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها الحَجون -بفتح المهملة وفتح الجيم- وكانت صعبة المُرتقى؛ فسهلها معاوية رضي الله عنه ثم عبد الملك ثم المهدي، على ما ذكره الأزرقي، ثم سهلها كلها سلطان مصر الملك المؤيد.

قوله: ((من الثنية السفلى)) هي عند باب الشبيكة بقرب شعب الشاميين، من ناحية قعيقعان، وعليها باب بُني في القرن السابع.

قوله: ((من كَداء))، فتح الكاف والمد، قال أبو عبيدة: لا تصرف، وهي الثنية العليا المتقدم ذكرها.

قوله: ((ودخل في العمرة من كدا)) هي الثنية السفلى المتقدم ذكرها، قال عياض والقرطبي وغيرهما: اختلف في ضبط كداء وكدا، فالأكثر أن العليا بالفتح والمد، والسفلى بالقصر والضم، وقيل بالعكس، قال النووي: وهو غلط.

وإليكم ما ذكره الشيخ موسى شاهين لاشين في كتابه العظيم الذي شرح فيه (صحيح مسلم) وسماه (فتح المنعم شرح صحيح مسلم)، يقول:

باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا:

ثم روى أحاديث: عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من طريق الشجرة، ويدخل من طريق المعرّس، وإذا دخل مكة دخل من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى))، وقال في رواية زهير: ((العليا التي بالبطحاء)).

وعن عائشة رضي الله عنها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها، وخرج من أسفلها)).

وعن عائشة رضي الله عنها أيضًا: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح من كَداء من أعلى مكة)). قال هشام: فكان أبي يدخل منهما كليهما، وكان أبي أكثر ما يدخل من كداء.

ثالثًا: المعنى العام:

يقول الشيخ موسى: إذا تعددت الطرق الموصلة إلى مكان، وتماثلت في سهولتها أو صعوبتها؛ كان الاختيار القائد والقدوة هدفًا وحكمة في اختيار أحدها للدخول والآخر للخروج إذا تكرر منه ذلك والتزمه، ومن هنا جاءت أهمية العلم بطريق دخوله صلى الله عليه وسلم المدينة ومكة، وطريق خروجه منهما، وسواء وصلنا إلى معرفة السر والحكمة أو لم نصل؛ يبقى علينا الأسوة والاقتداء، وفيها أجر من الله -إن شاء الله- لا فرق بين في ذلك بين من يقول: بأنه سنة، ومن يقول: بأن ذلك مستحب، ومن يقول: إن ذلك هو الأولى؛ ولوضوح الأحاديث علينا قراءة مباحثه العربية والفقهية.

رابعًا: المباحث العربية:

((كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس)): أي: كان يخرج من المدينة من طريق الشجرة التي عند مسجد ذي الحليفة، ويدخل المدينة عند رجوعه من مكة من طريق المعرّس، بلفظ اسم المفعول، والتعريس: النزول عند آخر الليل، وقيل: النزول مطلقًا، وسُمي المكان “المعرس”: أي الذي يقع عليه نزول المسافرين للراحة، وهو أسفل من مسجد ذي الحليفة، ويقال له “بطحاء”، وهو على ستة أميال من المدينة، وقال التيمي: “يخرج من مكة من طريق الشجرة، ويدخل مكة من طريق المعرس”، لكن على فرض وجود مكانين عند مكة بهذين الاسمين؛ فإن بقية الأحاديث لا تساعده.

خامسًا: فقه الحديث:

قال النووي: قيل: إن ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه المخالفة في طريقه داخلًا وخارجًا؛ تفاؤلًا بتغير الحال إلى أكمل منه، كما فعل في العيد، وليشهد له الطريقان وليتبرك به أهلها، قال: ومذهبنا أنه يستحب دخول مكة من الثنية العليا، والخروج منها من السفلى؛ لهذا الحديث، ولا فرق في أن تكون هذه الثنية على طريقه كالمدني والشامي، أو لا تكون لليمني، فيستحب لليمني وغيره أن يستدير ويدخل مكة من الثنية العليا، قال بعض أصحابنا: إن ما فعلها نبينا صلى الله عليه وسلم لأنها كانت على طريقه، ولا يستحب لمن ليست على طريقه كاليمني، قال: وهذا ضعيف، والصواب الأول، وكذا يُستحب أن يخرج من بلده من طريق ويرجع من أخرى؛ لهذا الحديث.

وقال الحافظ ابن حجر: وقيل: الحكمة في ذلك المناسبة بين الثنية العليا وبين المكان الذي قصده في علوه وعظمته، وعكسه في الخروج إشارة إلى فراقه، وقيل: لأن إبراهيم عليه السلام لما دخل مكة دخلها منها، وقيل: لأنه صلى الله عليه وسلم خرج منها مختفيًا في الهجرة، فأراد أن يدخلها ظاهرًا عاليًا، وقيل: لأن من جاء من تلك الجهة كان مستقبلًا للبيت، قال: ويحتمل أن يكون ذلك لكونه دخل منها يوم الفتح، فاستمر على ذلك، وزاد العيني، وقال: ليغيظ المنافقين بظهور هذا الدين وعز الإسلام، والله أعلم.

ب. رفع اليدين إذا رأى البيت، وما يقال عند ذلك:

أولًا: الأحاديث:

الأول: عن جابر رضي الله عنه وسئل عن الرجل يرى البيت؛ يرفع يديه؟ فقال: “قد حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن يفعله” رواه أبو داود والنسائي والترمذي.

الثاني: وعن ابن جُريج قال: حدثت عن مقسم عن ابن عباس: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((تُرفع الأيدي في الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة، وعشية عرفة، وبجمع، وعند الجمرتين، وعلى الميت)).

الثالث: وعن ابن جريج أيضًا: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة، وزد من شرّفه وكرّمه ممن حجّه واعتمره تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا وبرًّا)) رواهم الشافعي في مسنده.

ثانيًا: تخريج هذه الروايات:

حديث جابر: قال الترمذي: إنما نعرفه من حديث شعبة، وذكر الخطابي أن سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ضعّفوا حديث جابر هذا؛ لأن في إسناده مهاجر بن عكرمة المكي، وهو مجهول عندهم؛ إذًا القول بعدم رفع الأيدي من رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رؤية البيت قولٌ ضعيف.

وحديث ابن عباس: أخرجه أيضًا البيهقي من حديث سفيان الثوري عن أبي سعيد الشامي عن مكحول به مرسلًا، وأبو سعيد هذا هو المصلوب، وهو كذاب. ورواه الأزرقي في (تاريخ مكة) من حديث مكحول أيضًا بزيادة ((مهابة وبرًّا)) في الموضوعيْن، وكذا ذكره الغزالي في (الوسيط)، وتعقبه الرافعي بأن البر لا يتصور من البيت، وأجاب النووي بأن معناه: أكثر برَّ زائريه.

ورواه سعيد بن منصور في (السنن) له من طريق برد بن سنان، سمعت بن قَسامة يقول: إذا رأيت البيت فقل: ((اللهم زده…)) فذكر الحديث، ورواه الطبراني في مسند حذيفة ابن سيد مرفوعًا وفي إسناده عاص الكوري، وهو كذاب، وحديث ابن جريج هو معضل فيما بين ابن جريج والنبي صلى الله عليه وسلم وفي إسناده سعيد بن سالم القدّاح وفيه مقال؛ قال الشافعي بعد أن أورده ليس في رفع اليدين عند رؤية البيت شيء، فلا أكرهه ولا أستحبه، قال البيهقي: فكأنه لم يعتمد على الحديث لانقطاعه.

والحاصل: أنه ليس في الباب ما يدل على مشروعية رفع اليدين عند رؤية البيت، وهو حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل، وأما الدعاء عند رؤية البيت؛ فقد رويت فيه أخبار وآثار؛ منها ما في الباب، ومنها ما أخرجه ابن المغلس: “أن عمر كان إذا نظر إلى البيت قال: “اللهم أنت السلام، ومنك السلام؛ فحينا ربنا بالسلام”، ورواه سعيد بن منصور في (السنن) عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد، ولم يذكر عمر، ورواه الحاكم عن عمر أيضًا، وكذا رواه البيهقي عنه، وهو ما أرجحه من أنه على الإنسان إذا رأى البيت رفع يديه تعظيمًا لهذا البيت، واحترامًا لهذا البيت وتكريمًا، وأن يدعو كما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الثابت عنه صلى الله عليه وسلم.

وعلى هذا، نجد العمل به؛ فالناس ما زالوا من مئات السنين يرفعون أيديهم إذا رأوا البيت الحرام، ويدعون الله سبحانه وتعالى بهذه الدعوات؛ فلا بأس أن نفعل مثلما فعل أسلافنا.

error: النص محمي !!