Top
Image Alt

أبو العلاء المعري، ونماذج من شعره

  /  أبو العلاء المعري، ونماذج من شعره

أبو العلاء المعري، ونماذج من شعره

والعاطفة التي عبرت القصيدة عنها في الحقيقة عاطفة شريفة؛ فالحب العفيف الذي عبر عنه الشاعر من غير أن يخدش حياء القارئ ولا حياء السامع، ولا يتعرض لجمال محبوبته بوصف بعيد عن العفة.

تعريف بالشاعر:

وُلِدَ أبو العلاء سنة ثلاثمائة وثلاث وستين للهجرة في بلدة قريبة من حلب، اسمها “معرة النعمان”، وإليها نسب فقيل: المعري، واسمه أحمد بن عبد الله بن سليمان، وكنيته “أبو العلاء”، ويقول الدكتور يوسف خليف عنه: يعد أبو العلاء أهم شاعرٍ عرفته العربية في القرن الخامس الهجري؛ بل هو -عند بعض المحدثين- أهمٌّ شاعرٍ عرفه الشعر العربي على امتداد تاريخه الطويل.

وأبو العلاء -على أية حال- حلقة في سلسلة العمالقة الذين احتلوا قمم الشعر العربي الشامخة، وكانوا معالم بارزة في طريقه الفني، وعلامات مضيئة وجهت حركته إلى مسالك جديدة شقتها عبقرياتهم الفذة في أرض عذراء لم تطأْها خطوات الشعراء من قبل.

إذًا أبو العلاء المعري له مكانة خاصة في مجال الشعر العربي؛ بل في مجال الأدب العربي شعره ونثره، وفي مجال النقد الأدبي والنقد الاجتماعي كذلك.

كان أبو العلاء صاحب موهبة جبارة، وقد أصيب أبو العلاء بمرض الجدري وهو في الرابعة من عمره تقريبًا؛ فذهب هذا المرض ببصره ونشأ كفيفًا؛ لكن ذلك لم يحل بينه وبين أن يجعل من نفسه وعاءً للعلوم التي كانت موجودة في عصره؛ فأخذ منها جميعًا بنصيب وافر.

وكتُبُه التي تركها كتب كثيرة وتحوي علمًا غزيرًا وأدبًا وفيرًا، ومن دواوين شعره المشهورة: (سقط الزند) و(اللزوميات).

وقد أخذ نفسه بمنهجٍ صارمٍ في الحياة، وكان يعتزل الناس، ولقب بـ”رهين المحبسين”، والمراد بهما: الحبس الناتج عن فقده بصره، والحبس الذي فرضه على نفسه باعتزال الناس؛ ومع ذلك كان طلاب العلم يفِدون إليه ويتعلمون منه، وكان أبو العلاء يملي عليهم ما أراد من علمٍ ومن أدب.

وأبو العلاء كان يؤمن ببعض الأفكار التي اختلف الدارسون بسببها حوله، والمؤكد أنه كان نباتيًّا لا يطعم شيئًا من الحيوان، ولا شيئًا مما خرج من الحيوان، وكان يرى أن ذلك نتيجة لرقته ورحمته بهذا الحيوان، وكان متقشفًا متزهدًا في الدنيا.

قصيدته في رثاء أحد الفقهاء المعاصرين له:

غير مجدٍ في ملتي واعتقادي

*نوح باكٍ ولا ترنم شادِ

وشبيهٌ صوت النعِيِّ إذا قيس

*بصوت البشير في كل نادِ

أَبَكَتْ تِلْكُمُ الحَمَامَةُ أمْ غَنَّت

*عَلى فَرْعِ غُصْنِها المَيّادِ

صاحِ هذي قبورنا تملأ الرحْب

*فأين القبور من عهد عاد

خفِّفْ الوطء ما أظن أديم

*الأرض إلا من هذه الأجساد

وقبيحٌ بنا وإن قدم العهد

*هوانُ الآباء والأجداد

سِرْ إن اسطعت في الهواء رويدًا

*لا اختيالًا على رُفات العباد

رب لحدٍ صار لحدًا مرارًا

*ضاحكٍ من تزاحم الأضداد

ودفينٍ على بقايا دفينٍ

*في طويل الأزمان والآباد

فاسأل الفرقدين عمن أحسَّا

*من قبيل وآنسا من بلاد

كما أقاما على زوال نهارٍ

*وأنارا لمدلج في سواد

تعبٌ كلها الحياةُ فما

*أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد

إن حُزنًا في ساعة الفوت

*أضعاف سرور في ساعة الميلاد

خُلِق الناس للبقاء فضلَّت

*أمة يحسبونهم للنفاد

إنما يُنقَلون من دار أعمالٍ

*إلى دار شِقوةٍ أو رشاد

ضجعة الموت رقدةٌ يستريح

*الجسم فيها والعيش مثل السُّهاد

أبناتِ الهديلِ أسعدن

*أوعدن قليل العزاء بالإسعاد

إيه لله درُّكنَّ فأنتنَّ

*اللواتي يُحسِنَّ حفظ الوداد

ما نسيتنّ هالكًا في الأوان

*الخالِ أودى من قبل هُلْك إياد

بيد أني لا أرتضي ما فعلتنَّ

*وأطواقكن في الأجياد

فاستلِبْنَ واستعِرْنَ جميعًا

*من قميصِ الدجى ثيابَ حداد

ثم غرِّدْنَ في المآتم واندبْن

*بشجوٍ من الغواني الخِرَاد

بعد ذلك يبدأ المعري في رثاء صديقه الفقيه الحنفي.

لكن هذا الجزء من القصيدة يطلعنا على ما كان يتمتع به أبو العلاء من عقلٍ متأملٍ في الحياة وصروفها وأحوالها، واهتمامه بالمصير الذي تأول إليه، وما كان يطلبه من الناس من التواضع، وتذكر الموت، وتجنب التيه والكبر، يقول أبو العلاء:

إن نوح الباكي -أي: بكاءه وحزنه- وإن غناء الشادي أو المطرب أو المغرد كلُّ ذلك لا يغني عن الإنسان شيئًا، هذا ما كان يعتقده، “غير مجدٍ” أي: غير مغنٍ “في ملتي واعتقادي نوح باكٍ ولا ترنُّم شادِ”.

ويقول أبو العلاء: إن صوت النعِيِّ الذي يأتي بخبر الموت يشبه صوت البشير، ويتساءل عن صوت الحمام، هذه الحمامة التي يظنها بعض الناس تغني ويظنها بعض الناس تبكي على فرع غصنها المياد، عند أبي العلاء الأمران سيان.

ثم يخاطب أبو العلاء صاحبه، أو قارئه، أو سامع شعره إلى يومنا هذا، يدعوه إلى التأمل في مسألة الموت والمصير، ويلفته إلى مشهد القبور التي تملأ الرحب، ويتساءل عن القبور التي احتوت أجيالًا وأجيالًا من الناس من عهد عاد.

ثم يدعو الناس إلى أن يمشوا على الأرض هوينًا: “خفف الوطء”، أي: إذا مشيت على الأرض خفف الوطء لا تتبختر ولا تتِه، “ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد” وقبيح بالناس أن ينسوا هؤلاء الآباء والأجداد، وأن يدوسوا عليهم بالأقدام:

سر إن اسطعت في الهواء رويدا

*لا اختيالًا على رفات العباد

ويتعجب أبو العلاء من أمر اللحد الذي يصير لحدًا مرارًا، وقد يكون هذا اللحد ساخرًا ضاحكًا من تزاحم الأضداد؛ فالأرض تبتلع الأتقياء والأبرار، والفاسقين والفجار، وتبتلع الغني والفقير والغادة الجميلة والمرأة الدميمة… كلُّ هذه الأضداد.

ويذكر أبو العلاء أن الحياة مستمرة ويدعو إلى أن نسأل الفرقدين عما أحسا من قبيل وآنسا من بلاد، فقد أقام هذان الكوكبان ورأيا زوال نهار كثيرًا طويلًا وأنارا كثيرًا طويلًا لمدلجٍ في ظلمة الليل.

وينتهي أبو العلاء من أمر تأمله في الحياة إلى أنها كلها تعب:

تعبٌ كلها الحياة فما

*أعجب إلا من راغب في ازدياد

ويتحدث أبو العلاء عن الموت، ويذكر أن الحزن في ساعة الموت أضعاف السرور الذي يكون في ساعة الميلاد بالنسبة للإنسان، ويبين أن الناس خلقوا للبقاء وأنهم سينتقلون من هذه الدار -دار الدنيا- إلى دار البقاء في الآخرة، وأن الموت ما هو إلا استراحة يستريح الجسم فيها بعد عناء الدنيا.

ثم يتوجه أبو العلاء بالخطاب إلى الحمام: “أبنات الهديل” تقول الأساطير: إن الهديل فرخ حمام هلك أيام نوح، وأن الحمام ما يزال يذكره فيبكي عليه إلى يومنا هذا، ويذكر أبو العلاء تعجبه من الوفاء الذي يتميز به هذا الحمام ويقول:

إيهِ لله دركن فأنتن

*اللواتي يُحسِنَّ حفظ الوداد

ما نسيتنَّ هالكًا في الأوان

*الخالِ أودى من قبل هلاك إياد

“إياد”: القبيلة العربية القديمة. لكن أبا العلاء لا يقتضي من الحمام هذه الأطواق التي تزين أجيادها، ويريد منها أن تخلع هذه الأطواق التي تزين أجيادها وتتخذ من الثياب السوداء التي عبر عنها بـ”قميص الدجى ثياب حدادِ”؛ ثم تغرد هذه الحمامات في المآتم مع النساء اللائي يندبن ويبكين الموت.

فهذه الأبيات -هي في الحقيقة- من الشعر الفلسفي، وكان أبو العلاء فيلسوف الشعراء، أو شاعر الفلاسفة، وما يزال شعره وأدبه منجمًا ذاخرًا بالكثير من المعاني والأفكار، وسيظل أبو العلاء شغل الدارسين ما بقيت اللغة العربية وما بقي الأدب العربي.

error: النص محمي !!