Top
Image Alt

أبو تمام، ونماذج من شعره

  /  أبو تمام، ونماذج من شعره

أبو تمام، ونماذج من شعره

هو حبيب بن أوس الطائي، وُلد بقرية جاسم بقرب دمشق على الطريق منها إلى طبرية، هكذا يقول الدكتور شوقي ضيف في ترجمته لأبي تمام، ويذكر المترجمون له، أو المؤرِّخون له اختلاف الروايات في السنة التي وُلد فيها، بين سنة مائة واثنين وسبعين من الهجرة، أو مائة واثنين وثمانين، أو مائة وثمان وثمانين، وغير ذلك.

على أيَّ حال، فأبو تمام وُلد في العصر العباسي، ومن ثقافة هذا العصر تكوَّنت عقليته، وتكوَّنت شاعريته. وقد وقع الخلاف في أصل نسبه كذلك؛ فبعض المؤرخين قال: إنه صحيح النسبة إلى طيئ، فهو عربي صليبةً، ومنهم من قال: إنه ليس عربي الأصل، وأن جدَّه كان نصرانيًّا يرجع إلى أصلٍ غير عربي، وقد هجاه بعض معاصريه بأنه نبطي. وأكثر المؤرخين يُرجِّحون عروبة أصله ونسبه.

نشأ أبو تمام إذًا في الشام، وكانت له انتقالات منها إلى غيرها وأسفار، ومن المحقق أنه سافر إلى مصر، واختلف إلى جامع الفسطاط فيها، وتزوَّد من دُروس العلم التي كانت تُلقى فيه، وعاد أبو تمام إلى موطنه الأصلي، ورحل منه إلى بغداد، وكان كثير الأسفار، مجتهدًا في طلب العلم من ينابيعه المختلفة.

وتتنوَّع المصادر الثقافية التي أفاد منها أبو تمام في شعره، من هذه المصادر: التاريخ، وعلم الكلام، والفلسفة، والمنطق، بالإضافة إلى تجاربه التي استفادها من الحياة؛ فهو شاعر مثقَّف ثقافة واسعة عميقة، وكلُّ من عرضوا له بالحديث أشاروا إلى هذه الثقافة التي يدل عليها شعره.

ويذكره القدماء فيصفونه بأنه عالم، فيذكر الآمدي في (الموازنة بينه وبين البحتري) أنه شاعر عالم، وأن العلم في شعره أظهر منه في شعر البحتري، وأنه يأتي في شعره بمعانٍٍ فلسفية، لم يكن الأعراب يستطيعون فهمها، ومن أجل ذلك فإن شعره إنما يُعجب العلماء، وأصحاب المعاني، ومن يميل إلى التدقيق وفلسفي الكلام.

والذي يستعرض شعره يستدلُّ على هذه الألوان الثقافية، أو تلك المنابع الثقافية التي استفاد منها أبو تمام في شعره؛ ففي قوله مثلًا في مدح عبد الله بن طاهر:

أيُّها العزيز قد مسَّنَا الضر

*جميعًا وأهلنا أشتات

ولنا في الرحال شيخ كبير

*ولدينا بضاعة مزجاة

فاحتسب أجرنا وأوفِ لنا الكيل

*وتصدَّق فإننا أموات

فهذه الأبيات واضح فيها أنه يستمدُّها من قصة يوسف مع عزيز مصر، كما وردت في القرآن الكريم.

ومن شعره أيضًا قوله في محبوبة له:

قد أوتيت من كل شيء نعمة

*وَدَدًا وحسنًا في الصبا مغموسا

لولا حداثتها وأني لا أرى

*عرشًا لها لحسبتها بلقيسا

فهو هنا يعتمد على الآية الكريمة التي تتحدث عن بلقيس ملكة سبأ.

وعندما يقول مخاطبًا أحد ممدوحيه:

أخرجْتهم بل أخرجَتهم فتنة

*سلبتهمُ من نظرة ونعيم

نُقلوا من الماء النمير وجنةٍ

*رغدٍ إلى الغسلين والزقوم

فإننا نجد أثر القرآن في هذين البيتين، خاصة البيت الأخير، وفي قوله:

لو لم يكد للسامري قبيلهُ

*ما خَار عجلهمُ بغير خُوار

وثمود لو لم يُدهنوا في ربهم

*لم تُرمَ ناقته بسهام قُدار

فأثر القرآن الكريم واضح، كذلك في الحديث عن السامري والعجل الذي افْتُتِنَ به بنو إسرائيل، وكذلك عن ثمود وناقة صالح، وقاتلها الذي اسمه قُدار.

فالقرآن الكريم إذًا وقصصه ومعانيه كانت مصدرًا من المصادر التي استمدَّ منها أبو تمام الكثير من المعاني؛ بل من الألفاظ في شعره. وتظهر أيضًا الثقافة التاريخية -كما أشرت في الأبيات السابقة- وهي ثقافة تاريخية مستمدة من القرآن الكريم.

أما الأثر الفلسفي في شعر أبي تمام فواضح أيضًا كذلك، من هذا ما يقوله مستخدمًا ألفاظ المناطقة والمتفلسفة فيقول:

صاغهم ذو الجلال من جوهر المجد

*وصاغ الأنام من عرضه

وقوله:

لن ينال العُلَا خصوصًا من الفتيان

*من لم يكن مداه عموما

فذكر الجوهر والعرض، والخصوص والعموم، إنما أتاه من بيئة الفلسفة. ومن إشاراته الدالة على معرفته بعلم الفلك، واستفادته من هذا العلم في شعره، كذلك قوله في بعض ممدوحيه:

له كبرياء المشترى وصعوده

*وثورة بهرام وظرف عطارد

وقوله:

مناسب تُحسب من ضوئها

*منازل للقمر الطالع

كالدَّلو والحوت وأشراطه

*والبطن والنجم إلى البالع

فهذه الألفاظ وأسماء الكواكب والأبراج إشارات تدل على استفادته من علم الفلك. وقد كان لأبي تمام مذهب في صناعة الشعر عُرف به، فهو إمام الصنعة العقليَّة؛ إذ كان يعتقد أن الشعر لا بد أن يمتزج العقل فيه بالشعور، أو الفكر بالعاطفة. والذي يأخذه كثير من النقاد على أبي تمام أن جانب العقل وجانب الفكر والعلم كثيرٌ في شعره، وأن المعاني الفلسفية التي أَلَمَّ بها جعلت شعره يتَّسم بالغموض.

وكذلك كانت عنده قُدرة عن أن يأتيَ بالصور الغريبة والعجيبة؛ ممَّا جعل شعره يحتاج إلى تأمُّل كبير، وإعمال عقل لتذوُّقه، وفهم مراده.

خالف إذًا أبو تمام ما كان يعتاده الذوق العربي في صنعة الشعر، وأدخل فيه كثيرًا من الفلسفة، وكثيرًا من الغرابة والغموض، كما أسرفَ أبو تمام في استخدام ألوان البديع كالطباق، والجناس، والمقابلة، وكان له مذهبٌ خاصٌّ في استخدام الاستعارة.

فهذه الثلاثة هي ملامح في المذهب الجديد الذي عُرف به أبو تمام: غزارة الفكر، والغوص على المعاني، وكثرة البديع، وغموض الاستعارة. وقد ثارت حول هذا المذهب خلافات نقديَّة كثيرة، وأصحاب المعاني يُفضلون أبا تمام، وأما غيرهم الذين يَميلون إلى العاطفة وحُسن الدباجة، وسهولة الشعر فهم يُهاجمون أبا تمام، ولا يحبُّونه.

أيًّا كان الأمر في هذا الخلاف، فإن أبا تمام شاعر من أكبر شعراء العربية في العصر العباسي، وهو إمام مدرسة الصنعة الشعرية بلا منازع، والموهبة الفنية العظيمة التي أُوتيها هذا الشاعر جعلته يتفنَّن في أغراض الشعر ومعانيه، ويأتي بالرَّائع فيه، وقد اشتهر بإجادته في المديح، وبإجادته في الوصف كذلك. وهو الذي فتح للشعراء باب الشكوى من الزمن، وما يَصُبُّه على الناس من البلاء، وما يتصل بذلك من الحكم التي يستخرجها الشاعر من تأمُّله للدهر، ومن ذلك قوله:

وغرَّبت حتى لم أجد ذكر مشرق

*وشرَّقت حتى قد نسيت المغاربا

خطوبٌ إذا لاقيتهنَّ رَدَدْنَنِي

*جريحًا كأني قد لقيت الكتائبا

وقد يَكْهَمُ السيف المسمى منيةً

*وقد يرجع المرء المظفر خائبا

وكنت امرأ ألقى الزمان مسالمًا

*فآليت لا ألقاه إلا محاربا

ومن بديع وصفه هذه المقطوعة التي يقول فيها مخاطبًا:

قمرية غنِّي فشاقق طائر غريد

*لما ترنَّم والغصون تميد

ساقٌ على ساق دعا قمرية

*فدعت تَقَاسمه الهوى وتصيد

إلفان في ظلِّ الغصون تألفا

*والتفَّ بينهما هوى معقود

يتطعمان بريق هذا هذه

*مجعًا، وذاك بريق تلك مُعِيدُ

وقصيدة أبي تمام في مدح المعتصم، ووصف انتصاره على الروم قصيدة مشهورة، وهي التي قالها في فتح عمورية، وأشاد فيها بانتصار العرب والمسلمين، وقد وصف أبو تمام هذا الفتح بقوله:

فتح الفتوح تَعَالى أن يُحيط به

*نظمٌ من الشعر أو نثرٌ من الخطب

فتح تفتَّح أبواب السماء له

*وتبرز الأرض في أثوابها القشب

ويشيد أبو تمام بالمعتصم، ويصف أفعاله العظام فيقول:

لقد تركت أمير المؤمنين بها

*للنار يومًا ذليلَ الصخر والخشب

غادرت فيهم بهيم الليل وهو ضحًى

*يشلُّه وسطها صبح من اللهب

حتى كأن جلالبيب الدجى رغبت

*عن لونها أو كأن الشمس لم تَغِبِ

ضوء من النار والظلماء عاكفة

*وظلمة من دخانٍ في ضحى شحبِ

فالشمس طالعة من ذا وقد أفلت

*والشمس واجبة في ذا ولم تجبِ

ما ربع ميَّة معمورًا يُطيف به غيلان

*أبهى رُبًى من ربعها الخرب

ولا الخدود وقد أُدمين من خجل

*أشهى إلى ناظري من خدِّها الترب

وتستطيع أن تعثر على الاستعارات، والتشبيهات، والجناس، والطباق في هذه الأبيات، وهي الأمور التي اشتُهر أبو تمام من الإكثار منها.

وكما أجاد أبو تمام في شعر المدح والوصف أجاد كذلك في الرثاء، ومن أهم مراثيه هذه القصيدة التي رَثَى بها ابن حُميد الطوسي الطائي، وكان قد سقط في ميدان النضال، يقول أبو تمام في رثائه:

فتًى كلما فاضت عيون قبيلة دمًا

*ضحكت عنه الأحاديث والذِّكر

فتى مات بين الطعن والضرب ميتةً

*تقوم مقام النصر إن فاته النصر

وما مات حتى مات مضربُ سيفه

*من الضرب واعتلَّت عليه القَنَا السمر

وقد كان فوتُ الموت سهلًا

*فردَّه إليه الحفاظ المرُّ والخلق الوعر

ونفس تعاف العار حتى كأنما

*هو الكفر يوم الرَّوع إن فاته الكفر

فأثبت في مستنقع الموت رجله

*وقال لها من تحت أخمصك الحشر

تردَّى ثياب الموت حمرًا فما

*دجى لها الليل إلا وهي من سندس خضر

مضى طاهر الأثواب لم تبقَ روضة

*غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر

وأنت تستطيع كذلك في هذه الأبيات أن ترى الألوان البديعية، التي كان أبو تمام حريصًا على توشية شعره بها. فانظر إلى الجناس -جناس الاشتقاق- في “مات” وما مات حتى مات، ومات بين الطعن والضرب ميتة، وقوله: تقوم مقام إن فاته النصر، وقوله: أثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها… إلى آخر هذه الألوان البديعية التي عُرف بها أبو تمام، وكان إمامًا فيها.

وقد استعان أبو تمام بعقله الكبير، وثقافته الواسعة على صوغ بعض الأفكار التي أصبحت تسري في الناس مسرى الشمس حِكَمًا تتناقلها الأجيال مثل قوله:

لا تُنكري عطل الكريم من الغنى

*فالسيل حرب للمكان العالي

ومثل قوله:

وطول مقام المرء في الحي مخلقٌ

*لدباجتيه فاغترب تتجدَّد

فإني رأيت الشمس زيدت محبة

*إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد

error: النص محمي !!