Top
Image Alt

أثر الحضارة والثَّقافة الإسلاميَّة على العالَم

  /  أثر الحضارة والثَّقافة الإسلاميَّة على العالَم

أثر الحضارة والثَّقافة الإسلاميَّة على العالَم

لقد اتَّضح لنا أثَر الحضارتيْن اليونانية والرومانية على قارَّة أوربا، وتبيَّن لنا أنَّ معظم ثقافتها وسلوكها امتدادٌ لهما، بجانب النصرانية التي عبثت بها الأيدي والعقول، فلم تصل إلى أوربا بالصورة الحقيقية التي جاء بها عيسى عليه السلام والتي لا تختلف فِي جوهرها عن كلِّ رسالات السماء.

وقبل أن نُبيِّن أثَر الثقافة الإسلامية على العالَم، ينبغي أن نذْكر ما تتميَّز به حضارة الإسلام وثقافته، ونحدِّد بإيجاز معالِمَها وملامحها، ومن خلال تلك المعالم تتَّضح صورة الدُّعاة إلى الله، وتكوين شخصيَّتهم وإعدادهم الإعداد العلْمي والثَّقافي الذي يعمُّ خيره ويكثر نفعه -إن شاء الله تعالى.

1. خصائص الحضارة الإسلامية وثقافتها:

تتميَّز ثقافة الإسلام وتنفرد عن غيرها من الثقافات الأخرى بما يلي:

أولًا: مرتبطة بوحي السماء من خلال القرآن الكريم الذي تكفَّل الله بحفْظه، وتعهَّد بصوْنه، وما زال عطاؤه متجدِّدًا ومستمرًا إلى قيام الساعة؛ هذا، بجانب سُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم وكلاهما -القرآن والسُّنَّة- عطاء حضاري وعقائدي وثقافي، يصوغ عقل الأمَّة  وفكْرها صياغة خاصة متميزة ومتفرِّدة، فِي كلِّ مجالات الحياة الفكرية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وسائر النُّظم التشريعية.

ثانيًا: الوجه الحضاري والثقافي للإسلام يقوم على طلَب المعرفة من كلِّ وجه، واستخدام العقل فِي تحصيل العلوم والمعارف التي تقوم على البحث والنظر والتجارب العمليَّة، على أن تُضبط هذه المعارف والثقافات بمعيار الخير والشر، وتوزن بميزان الإسلام. فما يفيد الإنسانية من أوجه الخير والنفع فالإسلام يباركه ويُزكِّيه، وما يعود على المجتمعات البشرية بالشَّرِّ والفساد والإلحاد العقائدي والانحلال الخُلُقي، فإنَّ الإسلام يقف له بالمرصاد، ويكشف زيف ثقافته ويحذِّر من أسلوبه ووسائله.

ثالثًا: الحضارة والثقافة فِي الإسلام توازن وتعادل بين مقوِّمات الروح ورغبات الجسد، بحيث لا يطغى جانبٌ على جانب آخَر. ويتساوى فِي إطار شرع الله العمل للدنيا والآخِرة على قدم المساواة، قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِين} [القصص: 77].

رابعًا: إن الحضارة والثقافة الإسلامية حضارة وثقافة إنسانية عالمية، لا تقتصر على جنس معيَّن، ولا تتوقَّف عند زمان ومكان مُحدَّدٍ؛ بل هي كالغيث والرِّزق، يسوقها الله للمؤمن والكافر، والصالح والطالح، والتَّقيِّ والفاجر؛ قال تعالى موضِّحًا رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم للعالمين: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين} [الأنبياء: 107]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير} [الحُجُرات: 13].

فلم يوصِد المسلمون أبواب حضارتهم وثقافتهم فِي وجْه أحَد، بدليل: أنَّ النهضة الأوربية الحديثة أُقيم صرحُها على أساس من الحضارة والثقافة الإسلامية فِي بلاد الأندلس، ولكن أوربا والعالَم الغربي لم يحفظ هذا الجميل، ولم يَصُن هذا المعروف، فأخذ الحضارة والثقافة الإسلامية بيدٍ، واعتدى على المسلمين وديارهم باليد الأخرى، وما زال العدوان مستمرًا.

خامسًا: الحضارة والثقافة الإسلامية لها خصائصها المميَّزة ومعالمها البارزة؛ فالمسلم فِي أي مكان حلَّ فيه وارتحل منه معروفةٌ شخصيِّته ومعلومة ثقافته، لا يذوب فِي أيِّ حضارة ولا تحتويه أيُّ ثقافة، يعايش كل عصر بلُغته، ويأخذ من الآخرين بما يتلاءم مع دِينه. وهو سخي العطاء للآخّرين، يتعامل معهم على أساس الأصل الواحد فِي الخلْق والوحدة الإنسانية فِي النشأة والحياة والمصير.

سادسًا: الحضارة والثقافة الإسلامية تقوم على السماحة واحترام إنسانية الآخَرين. فهي ثقافة تنبذ العنف، وتنأى عمَّا يثير الحقد فِي النفوس. وقد حدَّد الإسلامُ الميادينَ التي يتسامح فيها المسلم، وتبرز فيها أخلاقه، ويسمو بها سلوكه؛ نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، ما يلي:

  • مُبادرة الناس بالتحية والسلام، وحُسن الحديث، قال تعالى: {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [النساء: 86].
  • التعامل الإنساني بالمعروف والحسنى بين البشر جميعًا فِي شئون الحياة، قال صلى الله عليه وسلم: ((رحِم الله رجلًا سمْحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى))، رواه البخاري.
  • أن لا تمتد يدُ مسلم إلى أخيه المسلم أو إلى ذمِّيٍّ أو مُعاهَد بقتْل أو سلْب مالٍ وانتهاك عِرض، قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151].
  • أنَّ ثقافة الإسلام تقوم على السماحة واليُسر، وعدم التَّشدُّد والغلوِّ فِي الدِّين من غير دليل شرعي؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الدِّين يُسْر لا عُسْر، ولن يُشاد أحدٌ الدِّين إلَّا غلَبهُ؛ فسدِّدوا، وقاربوا، وأبشروا…)) الحديث.

وقد روى الإمام البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: ((ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمريْن إلَّا اختار أيْسرَهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبْعدَ الناس منه. وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لِنفسه فِي شيء قط، إلَّا أن تُنتَهَك حُرمةُ الله، فينتقم بها لله تعالى)).

ففي هذا الحديث الشريف: تحديد لحدود السماحة واليُسر وضوابطهما، وتصحيح للاعتقاد الخاطئ الذي يُروِّج له البعض مِن أنَّ السماحة والتيسير معناهما: الانفلاتُ من قيود الدِّين وحدود الشرع، والتكاسل على أداء الطاعات، والتساهل فِي القيام بالعبادات، والاندفاع نحو رغبات النفس، والأخذ من ثقافة الآخرين دون تمحيص لها، تحت مقولة: “إنَّ الدِّين يُسرٌ لا عسر”.

هذه بعض معالم وملامح الثقافة الإسلامية .

2. أثر الحضارة والثقافة الإسلامية على العالَم:

أولًا: أعادت الإنسانيةَ إلى فِطرتها، وعرَّفت البشرية بخالِقها.

ثانيًا: ربطت بين الأديان السماوية برباط متين تحت مسمَّى “الإسلام”، الذي تتابع على السُّنَّة الأنبياء والمرسلين، من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

ثالثًا: أنقذت العالَم مِمَّا كان يعيش فيه من انحراف فِي العقيدة وخلَل فِي السلوك، وأعطت للبشرية حضارة وثقافة تقوم على التوحيد فِي أسمى صُوَرها، وتجعل الناس جميعًا أمام الله على قَدَم المساواة وأقامت مجتمعًا يقوم على التعاون والحب والتسامح، والحرية المنضبطة بقواعد الدِّين والأخلاق والتعايش السلمي مع الآخرين، تحت مظلة قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256]، وقوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين} [الكافرون: 6].

3. ما يمكن أن تقدِّمه الحضارة والثقافة الإسلامية للعالَم فِي هذا العصر:

من الملاحَظ: أنَّ الحضارة الغربية المعاصرة قد سيطرتْ عليها النَّزعات المادية، وطغت عليها شهوات الجسد، وأغرقت فِي البعد عن الجانب الروحي، وتميَّزت ثقافتها بالتحرُّر والعبثية والفوضى.

وكان حصاد ذلك مؤلمًا ومريرًا، ونفقًا مظلمًا أطبق على صدْر البشرية من خلال الحروب العالَمية والمنازعات الإقليمية، وضياع الحقوق الإنسانية، مِمَّا أشاع جوًّا من الفوضى العالمية، والتوتر العصبي، والقلق النفسي، واختلال المعايير والموازين، ليخدم مصالح القوى الكبرى والصهيونية العالمية؛ قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون} [الروم: 41].

ولقد أفلست المنظمات الدولية، والمؤسسات التربوية، والأنظمة السياسية والاقتصادية، فِي تحقيق الأمن والسلام للبشرية، والتي ليس أمامها من نجاة ولا مخلصٍ إلَّا بالحضارة والثقافة الإسلامية. فهو يقدِّم لها:

أولًا: الإسلام دين عالميٌّ ما زالت نصوصه ثابتة، تستوعب كلَّ جوانب الحياة الإنسانية.

ثانيًا: الإسلام دين ينفتح على العالَم وغير مغلَق على نفسه، وإنه يتعامل مع الآخَرين من خلال القواسم المشتركة لبني البشر جميعًا.

ثالثًا: يقدِّم الإسلام المعتقدات الصحيحة، والأخلاق الفاضلة، والسلوك المهذَّب الراقي الذي افتقدته الإنسانية رغم تقدُّمها المادي.

رابعًا: يقدِّم الإسلام للعالم الاستقرار النفسي، والأمن الاجتماعي، ويزيل أسباب التوتر النفسي، والقلق والاكتئاب، قال تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} [الأنعام: 125].

خامسًا: يعطي الإسلام التصوُّر الحقيقي للكون، ويضع للإنسان ضوابط استعماله الاستعمال الأفيد والأنفع له، ويحول دون العبث بسُنن الله فِي الخلْق والتكوين والفطرة.

سادسًا: يضع الإسلام كلَّ ما أودعه الله فِي الأرض مِن ثروات كبيرة وموارد ضخمة، تحت يد البشرية جمعاء، لا تنفرد بها أمَّة، ولا يُحبسُ خيرها عن إنسان، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُور} [المُلك: 15].

هذا هو العطاء الذي يُمكن أن تُقدِّمه الحضارة والثقافة والدَّعوة إلى الله للإنسانية، دون تفريق بينها. وهذا هو المفهوم الحقيقي لمضمون الثقافة، وجوهرها الَّذي يجب أن يتشكل منها عقل الدَّاعي إلى الله، وفكرهُ.

error: النص محمي !!