Top
Image Alt

أثر الكتابة في عصر الرسول وما بعده، وما يترتب عليها

  /  أثر الكتابة في عصر الرسول وما بعده، وما يترتب عليها

أثر الكتابة في عصر الرسول وما بعده، وما يترتب عليها

بعض العلماء يرى عدم تأثير الكتابة في حفظ السنة إلى آخر عصر التابعين، قال ابن حجر: اعلم -علمني الله وإياك- أن آثار النبي -صلى الله عليه وسلم- لم تكن في عصر أصحابه وكبار تَبَعِهم مدونةً في الجوامع, ولا مرتبة لأمرين:

أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهوا عن ذلك؛ كما ثبت في (صحيح مسلم) خشيةَ أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم.

وثانيهما: لسعة حفظهم وسَيَلان أذهانهم, ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم حدث في عصر أواخر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار؛ لما انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.

وتكلم عن جمع الحديث بعد عصر التابعين، حيث قال: فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حدة؛ إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فدوّنوا الأحكام.

فابن حجر -رحمه الله- يتكلم عن تدوين السنة في الجوامع, وترتيبها في المصنفات -أي: في الكتب التي جمعت السنة كمصنفات أو كمسانيد- أما الكتابة الشخصية أو الكتابة المحدودة في نسخة صغيرة؛ فذلك لم ينفِه ابن حجر -رحمه الله- ولكنه لم يعطه أثره في حفظ السنة بالنسبة لبعض الرواة أو لبعض الأشخاص، مع أنه كان موجودًا وبالغ بعضهم في كثرته وفي اعتباره في الرواية.

والحق: أنه كان له أثر إلى جانب الذهن ولم يكن له ميزة خاصة على المحفوظ في الذهن، وأن العمدة في حفظ السنة كانت على حفظ الحفّاظ الذين وهبهم الله موهبة الحفظ والتبليغ, بغير تردد أو بغير شك فيما ينقلون، ثم الكتابة المعاونة والمساعدة لذلك والمواكبة؛ فحفظ كل جانب من جوانب نقل السنة الجانب الآخر ودعمه وساعده.

وقد كتب التابعون بعض الصحف في أبواب خاصة أو عن صحابي خاص؛ لكنها لم تكن كتبًا مدونة على الوضع الاصطلاحي للتدوين، ثم انصبت كل تلك الكتابات إلى أصحاب المصنفات؛ فأودعوها مصنفاتهم على الوضع الذي اختاروه، وعلى الترتيب الذي ساروا عليه.

ومن الصحف المشهورة التي تحدث عنها كصحف مكتوبة في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ما كتبه عبد الله بن عمرو بن العاص، وصنف بأنه مؤلف أشهر صحيفة دُونت في الحديث مع أنه لم يكن يؤلف؛ وإنما كان مجرد كاتب لما سمعه من الرسول -صلى الله عليه وسلم-, ولم يقم بعد ذلك بالتدوين أو التصنيف على وضع مخصوص، وسميت “الصادقة”، والروايات التي دخلت بها أجزاء من هذه الصحيفة في كتب الحديث المتأخرة دلت على أن كثيرًا منها ورد في (مسند الإمام أحمد)؛ لكن لا يُعرف من أسانيده استفادته من هذه الصحيفة الصادقة نفسها في روايات مختلفة، أم أنه استمد هذه الأحاديث من مصادر أخرى.

قال سزكين: ومن المؤكد في كلتا الحالتين أن مروياته المأخوذة عن “الصادقة” وصلت إلينا برواية عمرو بن شعيب، حفيد عبد الله بن عمرو, وهذا كلام غير مقبول وغير معتمد؛ لأن صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ليست هي الصحيفة “الصادقة”؛ وإنما هي ما رواه عن أبيه عن جده؛ أما “الصادقة” فدخلت في الأحاديث التي رُويت عن عبد الله بن عمرو بن العاص على أدق الروايات, ومن أوثق الطرق.

ويطول بنا الكلام لو تكلمنا عن هذه الصحف, لكن من يحاول أن يجعل الرواية نقلًا من هذه الصحف دون مراعاة الشيوخ واتصال الأسانيد, ونحو ذلك -يعطي الأمر فوق ما ينبغي أن يعطى، ويدعي ما لا دليل عليه؛ فالصحف -كما قلنا- كانت مساعدة، ولم يجرِ الأمر بتسليم الصحف إلى الآخرين؛ وإنما كان لا بد مع الصحيفة من أن يرويها الصحابي وأن يعتمد ضبطه لها، وأن يأخذها عنه من يروي عنه، وأن يقارن ذلك كله بروايات غيره من الصحابة -على ما سبق أن ذكرناه.

وقد اعتنى الأعظمي في رسالته التي أعدها للدكتوراه عناية فائقة بتدوين الحديث في هذه العصور المباركة، وتكلم عن الروايات التي رويت عن عبد الله بن عمرو بن العاص وقال: وعلى كلٍّ, فقد استوضح عبد الله بن عمرو أمر الكتابة، واستمر على كتابته حتى جمعها في صحيفة، وكان يسميها “الصادقة”، وكانت هذه الصحيفة أهم شيء أو أعز شيء عنده.

وروى فيما نقل عن أبي راشد الحبراني أنه قال: أتيت عبد الله بن عمرو بن العاص, فقلت له: حدثنا ما سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- . فألقى بين يدي صحيفة فقال: هذا ما كتب لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فنظرت فيها؛ فإذا فيها أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله، علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت، قال: وهنا كتب لي رسول الله، أي: أملى علي النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان أميًّا، وهذا أيضًا لا يقبل من الأعظمي؛ لأنه إذا قال: كتب لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمعناه أنه أمر كاتبًا يكتب ذلك ثم أعطاه له، ولا يلزم في كل الأحاديث أن يكون عبد الله بن عمرو قد كتبها في حضرته -صلى الله عليه وسلم-؛ فبعض الأحاديث قد يرى الرسول حاجته إليها؛ فيأمر بكتابتها له -والله أعلم.

error: النص محمي !!