Top
Image Alt

أثر حكم القاضي في التحليل والتحريم

  /  أثر حكم القاضي في التحليل والتحريم

أثر حكم القاضي في التحليل والتحريم

للعلماء في أثر حكم القاضي في التحليل والتحريم قولان:

القول الأول: وهو قول المالكية، والشافعية، والحنابلة، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي داود، ومحمد بن الحسن، وأبي يوسف، وزفر.  وهؤلاء ذهبوا إلى أن قضاء القاضي المستوفي لشروطه لا يزيل الشيء عن صفته، بمعنى: أنه لا يحل الحرام للمحكوم له إذا كان كاذبًا في دعواه، ولا يحرم الحلال؛ لأن القاضي يحكم بالظاهر فقط، والله يتولى السرائر.

فلو حكم القاضي بشهادة شاهدين ظاهرهما العدالة لم يحصل بحكمه الحل باطلًا، إنما يحصل الحل ظاهرا فقط، سواء أكان المحكوم به مالًا، أم غيره. والدليل على ذلك، قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار))، انتهى. وهو حديث متفق على صحته، من حديث أم سلمة رضي الله عنها.  فإذا كان المحكوم به نكاحًا، لم يحل للمحكوم له الاستمتاع بالمرأة، وعليها أي: على المرأة الامتناع ما أمكن، فإن أكرهت فلا إثم عليها، والإثم كله على من أكرهها.

القول الثاني: وهو قول أبي حنيفة -رحمه الله- وقد ذهب إلى أن حكم القاضي ينفذ ظاهرا وباطنا، ولكن بشرط: أن تكون الدعوى بسبب معين، كالنكاح، والبيع، والإجارة. فإذا كان الحكم مبنيا  على شهادة هي زور، فهو محل قابل للنفاذ في العقود، وفي الفسوخ، كالإقالة، والطلاق، إذا لم يكن القاضي عالما لكون الشهود شهود زور؛ لقول الإمام علي رضي الله عنه لامرأة خاصمت في نفي زواجها من شخص ادعى أنه زوجها، وشهد شاهدان أنه زوجها، فقال لتلك المرأة: “شاهداك زوجاك”. لكن في الواقع، هذه القضية غير موثقة عن سيدنا علي، وهي تخالف الحديث الصحيح.

أما في الأمور غير القابلة للإنشاء بسبب، كالأملاك المرسلة، أي: المطلقة عن أي قيد، كالشراء، أو الإرث مثلا، والنسب مثلا، فلا تنفذ باطنا عند أبي حنيفة، وفي رواية عنه -رحمه الله-: أن الحكم لا ينفذ باطنًا في دعاوى الهبة، والصدقة، والبيع، بأقل من القيمة الحقيقية، إذا كان مبنى الحكم على شهادة زور، وكذلك لا ينفذ عنده باطنا لهذه الرواية، إذا كان المحل غير قابل للنفاذ، كما إذا ادعى زوجية امرأة في عصمة رجل آخر، أو عدته، وأثبت ذلك بشهود زور؛ لأن هذا يخالف الواقع، ويتناقض معه.

الراجح من القولين:

والراجح من هذين هو قول الجمهور؛ لقوة دليلهم، وضعف ما استدل به أبو حنيفة، ولمخالفته الواقع، خصوصا بعد أن ساءت أخلاق الكثيرين. فالواقع، أن الراجح أنه إذا حكم القاضي بحكم، فإنه لا يغير صفة هذا الحكم باطنا. إذا حكم لي القاضي بشيء، وأنا أعلم في قرارة نفسي، أنه ليس من حقي. فإن حكم القاضي لا يكفي أن يكون هذا حقي؛ لأنه أناأعلم أنه ليس حقي.

فهو أي: حكم القاضي مبني على الظاهر، كما هو وارد في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. إذا كان هذا بالنسبة للنبي، فما بالنا بغيره من القضاة، حتى لو حملنا كلام النبي صلى الله عليه وسلم على أن الغرض منه التحذير والتخويف، وأنه صلى الله عليه وسلم مما يقصه أنه يحكم بالحق ظاهرًا وباطنًا، حتى لو كان هذا، فإن ذلك لو صح، فإنه يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم وإلا لما كان هناك معنى للتحذير من هذا الأمر الذي حذر منهصلى الله عليه وسلم في أنه يحكم بناء على الظاهر، فمن حكم له بحكم ظاهره: أن هذا الشيء ملك، أو أنه حلال له، وهو يعلم أنه ليس ملكًا له، وليس حلالًا له. فلا ينبغي أن يأخذه بناء على هذا الحكم، وإلا كان كمن أخذ قطعة من النار.

error: النص محمي !!