Top
Image Alt

أحاديث توهم بعض الناس مخالفتها المعقول

  /  أحاديث توهم بعض الناس مخالفتها المعقول

أحاديث توهم بعض الناس مخالفتها المعقول

الحديث الرابع: “الشمس تسجد تحت العرش”:

تخريج الحديث: روى البخاري في بَدْء الخلق: ((‏أن النبي ‏صلى الله عليه وسلم قال‏ ‏لأبي ذر ‏حين غربت الشمس: ‏أتدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذَن لها، ويوشك أن تسجد فلا يُقبل منها، وتستأذن فلا يؤذَن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئتِ، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم} [يس: 38])).

وأخرجه في صحيحه أيضًا في كتاب التفسير، عن أبي ذَر رضي الله عنه بلفظ: ((كنت مع النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏في المسجد عند غروب الشمس، فقال: ‏يا ‏‏أبا ذر، ‏‏أتدري أين تغرب الشمسُ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم})).

وعند مسلم: عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏قال يومًا: ‏((أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إن هذه‏ ‏تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدةً، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئتِ، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم ‏ ‏تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم ‏تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا، حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها. فقال رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم: ‏أتدرون متى ‏ ‏ذاكم؟ ذاك حين يوم لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنتْ من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرًا)).

وكذا أخرجه الترمذي في جامعه، وأحمد في مسنده، وغيرهم بألفاظ متقاربة.

وجه الإشكال في الحديث: وقد أُشكل على بعض الناس معنى هذا الحديث: كيف تسجد الشمس تحت العرش؟ وهل تقف للسجود لله تعالى؟ وإن حصل ذلك فالناس لا يرونه؟ ثم إن الحديث الشريف يذكر أنها تفعل ذلك بعد غروبها مع أنها تغرب عن أهل كل بلد.

فإذا كان الأمر كذلك فإنها تسجد في كل وقت؛ لأنها غاربة في كل وقت عن بلد من البلاد؟!

وعند الجواب على هذا الحديث لا بد من مراعاة أصول شرعية: لا يجوز الإخلال بها في التعامل مع النصوص الشرعية.

أولًا: الإيمان بما صح من نصوص السنة، وبناء على ذلك، يجب التحري في معرفة صحيح السنة الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا ثبت عندنا الخبر بالنقل الصحيح، تلقيناه بالقبول عملًا واعتقادًا.

ثانيًا: تحري الفهم الصحيح لتلك النصوص، وذلك بمعرفة ما يطابق مراد الرسول صلى الله عليه وسلم بها، وهذا يعتبر من أهم المقاصد الشرعية المانعة من الضلالة، والانحراف عن سواء السبيل.

ومن أعظم ما يُساعِد على الفهم، وينمي مَلَكة التدبر، التأمل والتفكر في آيات الله الشرعية والكونية، وطلب العلوم النافعة من العلوم الدنيوية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض جوابه عن تعلم العلوم النافعة وفضلها: “وأما الأمور المميزة التي هي وسائل وأسباب إلى الفضائل مع إمكان الاستغناء عنها بغيرها، فهذه مثل الكتاب الذي هو الخط والحساب، فهذا إذا فقدها مع أن فضيلته في نفسه لا تتم بدونها، وفقدها نقص إذا حصلها، واستعان بها على كماله وفضله كالذي يتعلم الخط فيقرأ به القرآن؛ وكتب العلم النافع، أو يكتب للناس ما ينتفعون به، كان هذا فضلًا في حقه وكمالًا”.

ومَن استشكل معنى هذا الحديث، فإنما ذلك بسبب توهمه من معنى السجود توافر الأعضاء والأطراف التي في بني آدم؛ لتحقيق السجود بالنسبة للشمس، ولا يلزم هذا كما هو معلوم. وبهذا يكون قد التبس عليه المعنى المتعارف عليه عند الفقهاء في شرحهم لكيفية السجود في الصلاة بالمعنى اللغوي الذي هو أوسع دلالةً، وأكثر معنًى مما دل عليه الاصطلاح.

ومن معاني السجود في اللغة: الخضوع، كما ذكره ابن منظور وغيره. وعليه يُحمل ما في هذا الحديث، وهو المقصود في قوله تعالى في آية الحج: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء} [الحج: 18].

قال ابن كثير -رحمه الله: “يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعًا وكرهًا، وسجود كل شيء مما يختص به”.

وعليه، فسجود الشمس مما يختص بها، ولا يلزم أن يكون سجودها كسجود الآدميين، كما أن سجودها متحقق بخضوعها لخالقها، وانقيادها لأمره.

وهذا هو السجود العام لكل شيء خلقه الله كما في آية الحج السابقة، إذ كل شيء من خلق الله تعالى يسجد له، ويسبح بحمده، كما قال تعالى في آية النحل: {وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُون} [النحل: 49]، والشمس داخلة في دواب السماء؛ لأن معنى الدبيب: السير والحركة، والشمس متحركة تجري لمستقر لها، كما هو معلوم بنص القرآن.

وكما هو ثابت بالعقل من خلال علوم الفلك المعاصرة؛ إذ إنها تدور حول نفسها، وذلك في خلال سبعة وعشرين يومًا أرضيًّا، وتدور مع المجموعة الشمسية حول مركز المجرة اللبنية: { وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُون} [يس: 40].

ولكن لو قال قائل: هل تنتفي صفة السجود عن الشمس إذا كانت لا تسجد إلا تحت العرش، فلا تكون خاضعة إلا عند سجودها تحت العرش، وفي غير ذلك من الأحايين لا تكون؟

والجواب:

أولًا: أن الشمس -كما قدمنا- لها سجدتان: سجود عام مستديم، وهو سجودها المذكور في آية النحل، والحج مع سائر المخلوقات، وسجود خاص يتحقق عند محاذاتها لباطن العرش، فتكون ساجدة تحته، وهو المذكور في الحديث، وفي كلا الحالتين لا يلزم من سجودها أن يشابه سجود الآدميين لمجرد الاشتراك في لفظ الفعل الدال عليه.

ومن أمثلة ذلك: من واقعنا أن مشي الحيوان ليس كمشي الآدمي، وسباحة السمك والحوت ليست كسباحة الإنسان، وهكذا، مع أنهم يشتركون في مسمى الفعل، وهما المشي والسباحة.

ثانيًا: فكما أنه يلزم من سجودنا التوقف عن الحركة لبرهة من الزمن، وهو الاطمئنان الذي هو ركن في الصلاة، فإنه لا يلزم بالمقابل أن يتوقف جريان الشمس لتحقيق صفة السجود؛ لأننا رأينا دلالة عموم لفظ السجود من آيتي الحج والنحل، ومن شواهد لغة العرب على أن السجود هو مطلق الخضوع للخالق سبحانه. ومن المعلوم أن السجود عبادة، والله قد تعبد مختلف مخلوقاته بما يناسب هيئاتها، وصفاتها، وطبائعها، فكان الانحناء والنزول للآدميين، وكان غير ذلك من كيفيات السجود لسائر الكائنات والمخلوقات، مع اشتراكهما في عموم معنى السجود الذي هو الخضوع لله تعالى، طوعًا أو كرهًا.

فالشمس تجري في الفلك، ونراها تشرق وتغرب دائبة، ومع ذلك لها سَمْت أو منتهى يقابلها على وجه الأرض تسجد عنده لله -تبارك وتعالى، ويكون ذلك السمت أو الحد مقابلًا في تلك اللحظة لمركز باطن العرش، كما أشار إلى ذلك ابن كثير -رحمه الله- في (البداية والنهاية).

ومع أن الشمس والمخلوقات بأجمعها تحت العرش في كل وقت، إلا أنه لا يلزم أن تكون المخلوقات بأجمعها مقابلة لمركز باطن العرش؛ لأن العرش كالقُبة على السماوات والمخلوقات. والشمس في سجودها المخصوص إنما تحاذي مركز باطن العرش، فتكون تحته بهذا الاعتبار، كما ذكره ابن كثير في (البداية) بشأن المحاذاة التحتية للعرش، وكما قرره ابن تيمية -رحمه الله- في فتاواه، وسائر أئمة أهل السنة من حيث إن العرش كالقبة، وهو معلوم من حديث الأعرابي الذي أقبل يستشفع بالرسول صلى الله عليه وسلم وقصته مشهورة ثابتة.

إن المؤمن يؤمن بكل ما جاء عن الله وعن رسوله، وأول صفة للمتقين أوردها الله في كتابه هي: { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3]، فقد حدثنا الله عن كثير من الأشياء الغيبية مثل: الجن، والملائكة، والقيامة، والجنة والنار، ومعجزات الأنبياء، وكل هذه الأشياء لا يوجد إثبات علمي ملموس عليها، فهل ننكرها كما يفعل الملحدون؟

إن العلم لم يصل إلى نهايته، بل كلما كشف العلماء حقيقة علمية جديدة، زاد إحساسهم بجهلهم أكثرَ، وتبين لهم أن الكون أعقدُ مما كانوا يظنون. وقد يكشف العلماء حقائقَ حول سجود الشمس في المستقبل، وبالتالي نكون أمام دليل مادي ملموس على صدق قول النبي صلى الله عليه وسلم.

لقد أراد النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم أن يذكرنا بأن هذه الشمس هي مخلوق من مخلوقات الله يسجد له، ولا يَعصي أمره. لقد صحح المعتقدات السائدة في زمنه؛ حيث كان الناس يعتقدون أن الشمس هي إله فيسجدون لها. ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد الشهرة، أو المال -كما يدَّعون- لكان الأجدر به أن يقرَّ قومه على شركهم، وعقيدتهم الفاسدة في أُلوهية الشمس، ولكنه رسول من عند الله.

وحاصل ذلك أن نقول:

1. سجود الشمس يشبه تسبيح المخلوقات لا نفقهه.

2. سجود الشمس أمر غيبي جاء ليتضح خاصية عند المؤمنين، وهي الإيمان بالغيب.

قال البيهقى: “فلا ينكر أن يكون لها استقرارًا ما تحت العرش من حيث لا ندركه، ولا نشاهده، وإنما أخبر عن غيب، فلا نُكذب به، ولا نكيفه؛ لأن علمنا لا يحيط به”.

3. أن القرآن والإسلام عمومًا جاءت براهين كثيرة تؤكد صدقه، فلا مجال للشك في أي جزئية من تعاليمه؛ إذ إنها من عند الله.

4. إن علوم الغرب علوم محسوسة، وعلومنا أيضًا محسوسة، ولا شك أننا في داخلنا روح، ومع هذا لا ندرك عنها غير اسمها وحالها، من كونها فينا أو نُزِعت مِنَّا.

5. إن سجود الشمس بالفعل لا يُشترط فيه مغادرة مدارها حول الأرض، أو حول مركز المجرة على حسب ما أثبتت البحوث الحديثة، فدوران الأرض حول محورها، أو ثباتها أمر ما زِلنا نريد اكتشافه من جديد؛ لأنه يصح الأمرين من ثباتها، أو حركتها. والأمر اليقيني هو مشاهدتُها في حالة حركة بالنسبة لجسيم كبير مثلها ثابت، وهذا لم نره إلى اليوم، وأنَّى أن يكون وكل الأجزاء في حركة مستمرة؟!

6. القرآن كتاب خالِدٌ صدََّق ما قبله، والخالق الذي جعل الروح في كل مِنَّا أرسل الرسل، وأنزل الكتب، واتفقت رغم صراع أصحابها اليوم على الغيب الذي لم يؤمن به الغرب المدني التقني التجريبي؛ لأنه تعصَّبَ للمحسوسات فقط، ولو صدق لصدق الخالق، وآمن بأنه أحق أن يتبع؛ لأنه لا يتعارض مع العقل، ولا يستحيل، وإن عجز لأول مرة عن تخيله. الكل اتفق على أن هناك خالقًا، وملائكةً، وجانًّا، وجنةً ونارًا، ويومًا آخرَ، رغم صراعهم الدامي عَبْر التاريخ، فلا يمكن للأعداء أن يتفقوا إلا على الثوابت.

7. إن أفضلَ طريقةٍ للرد على المشككين في مثل هذه الشبهات: أن نزداد إيمانًا، ويقينًا، وتمسكًا بهذا الدين، ولا نُفسح مجالًا لهم أن يشككوا في ديننا الحنيف، فالله تعالى يريد أن يختبر إيماننا وصدقنا، وثقتنا به. فالمؤمن لا يطلب الدليل الملموس على كل شيء، بل لسان حالِه يقول: { كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا } [آل عمران: 7]. وليس ضروريًّا أن نأتي بالدليل العلمي المحسوس على كل شيء. فلو جاء ملحد وأنكر وجود الملائكة، وطلب الدليل العلمي، فجوابنا أن نقول: إننا نؤمن بكل ما جاء في القرآن والسنة، فإذا كان هناك دليل علمي زادنا إيمانًا وتسليمًا، وإذا لم يوجد دليل علمي فهذا لن يؤثر في إيماننا. ولذلك؛ فإن أول صفة للقرآن وردت هي: { لاَ رَيْبَ فِيهِ } [البقرة: 2]. وأول صفة للمتقين وردت هي: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}.

error: النص محمي !!