Top
Image Alt

أحاديث توهم بعض الناس مخالفتها الواقع

  /  أحاديث توهم بعض الناس مخالفتها الواقع

أحاديث توهم بعض الناس مخالفتها الواقع

الحديث الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه؛ فإن في أحد جناحيه شفاءً، وفي الآخر داءً)) رواه مسلم.

وجه الإشكال في الحديث: استشكل بعض الناس هذا الحديث؛ لتوهمهم مصادمته لما هو معلوم من نقل الذباب للأمراض والقاذورات.

وقد تضافرت جهود العلماء قديمًا وحديثًا في نقد هذا التوهم، وتوجيه معنى هذا الحديث. قال الخطابي: “تكلم على هذا الحديث من لا خلاق له. فقال: كيف يجتمع الشفاء والداء في جناحي الذباب؟ وكيف يعلم ذلك من نفسه؟ وهذا سؤال جاهل، أو متجاهل، فإن كثيرًا من الحيوان قد جمع الصفات المتضادة. وقد ألف الله بينها وقهرها على الاجتماع، وجعل منها قوى الحيوان، وإن الذي ألهم النحلة اتخاذ البيت العجيب الصنعة لقادر على إلهام الذبابة أن تقدم جناحًا، وتؤخر آخرَ”. انتهى.

وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: “مَا نُقِلَ عَنْ هَذَا الْقَائِل لَيْسَ بِعَجِيبٍ, فَإِنَّ النَّحْلَة تُعَسِّل مِنْ أَعْلاهَا وَتُلْقِي السُّمّ مِنْ أَسْفَلهَا, وَالْحَيَّة الْقَاتِل سُمّهَا تَدْخُل لُحُومهَا فِي التِّرْيَاق الَّذِي يُعَالَج بِهِ السُّمّ, وَالذُّبَابَة تُسْحَق مَعَ الْإِثْمِد لِجَلَاءِ الْبَصَر. وَذَكَرَ بَعْض حُذَّاق الأَطِبَّاء أَنَّ فِي الذُّبَاب قُوَّةً سُمِّيَّةً يَدُلّ عَلَيْهَا الْوَرَم وَالْحَكَّة الْعَارِضَة عَنْ لَسْعه, وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ السِّلَاح لَهُ, فَإِذَا سَقَطَ الذُّبَاب فِيمَا يُؤْذِيه تَلَقَّاهُ بِسِلَاحِهِ, فَأَمَرَ الشَّارِع أَنْ يُقَابِل تِلْكَ السُّمِّيَّة بِمَا أَوْدَعَهُ اللَّه تَعَالَى فِي الْجَنَاح الآخَر مِنْ الشِّفَاء، فَتَتَقَابَل الْمَادَّتَانِ، فَيَزُول الضَّرَر -بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى”.

وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ((ثُمَّ لِيَنْزِعهُ)) عَلَى أَنَّهَا تَنْجُس بِالْمَوْتِ كَمَا هُوَ أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ, وَالْقَوْل الآخَر كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَة: أَنَّهَا لا تَنْجُس, وَاَللَّه أَعْلَم.

وكون الذبابة تحمل في إحدى جناحيها داء، وفي الآخر شفاء، أمر ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن رد ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بثبوته عنه.

وصحة معناه لديه؛ بل لمجرد أنه لا يثبت عنده بمقتضى عدم مطابقته لما يسمى قواعد العلوم التجريبية، أو بأن العقل لا يقبله؛ فقد ضل ضلالًا بعيدًا، وخسِر خسرانًا مبينًا، وهو على خطر عظيم.

لقد غفَل هؤلاء أن معظم المسائل العلمية التي يحتجون بها ما هي إلا نظريات تجريبية؛ فإن قواعد العلوم التجريبية. والنظريات الطبيعية، تصف شيئًا اليوم بأنه صحيح، ثم تصفه بعد وقت قريب أو بعيد بأنه خطأٌ، فكيف تحاكم نصوص الوحي إلى نظريات متقلبة متغيرة؟ وكيف يحكم مَن يجهل أكثر مما يعلم على علم جاء من عند الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؟!

أولًا: الظن بأن علم اليوم هو كل شيء، وإنه آخر ما يمكن الوصول إليه مآلُه التوقف عن التقدم، والاضطراب في التفكير، وكل هذا يفسد حكمنا على الأشياء، ويعمينا عن الحق حتى لو كان ظاهرًا جليًّا، ويجعلنا نرى الحق خطأً، والخطأَ حقًّا؛ فتكون النتيجة أننا نقابل أمورًا تصطدم بعقولنا اصطدامًا.

وما كان لها أن تصطدم لو استعملنا عقولنا استعمالًا فطريًّا سليمًا، يحدوه التواضع والإحساس بضخامة الجهل أكثر من التأثر ببريق العلم والزهو به.

ثانيًا: ما قيل أنه لم يرد في الطب شيء عن علاج الأمراض بالذباب ليس بصحيح؛ فقد أثبت الطب قديمًا وحديثًا نقيض هذه النظرية.

ثالثًا: إن كان ما نأخذه على الذباب هو الجراثيم التي يحملها، فيجب مراعاة ما نعلمه عن ذلك:

1. ليس صحيحًا أن جميع الجراثيم التي يحملها الذباب جراثيم ضارة، أو تسبِّب أمراضًا.

2. ليس صحيحًا أن عدد الجراثيم التي تحملها الذبابة والذبابتان كافٍ لإحداث مرض فيمن يتناول هذه الجراثيم.

3. ليس صحيحًا أن عزل جسم الإنسان عزلًا تامًّا عن الجراثيم الضارة ممكن، وإن كان ممكنًا فهو مضر له؛ لأن جسم الإنسان إذا تناول كميات يسيرة متكررة من الجراثيم الضارة، تكونت عنده مناعة ضد هذه الجراثيم تدريجيًّا.

رابعًا: في هذا الحديث إعلام بالغيب عن وجود شيء على الذباب يضاد السموم التي تحملها، والعلم الحديث يعلمنا أن الأحياء الدقيقة من بكتريا وفيروسات وفطريات تشن الواحدة منها على الأخرى حربًا لا هوادة فيها، فالواحدة منها تقتل الأخرى بإفراز مواد سامة.

ومن هذه المواد السامة بعض الأنواع التي يمكن استعمالها في العلاج، وهي ما نسميه: “المضادات الحيوية” مثل: البِنسلين، والكلوروميستين، وغيرهما.

خامسًا: هذا الحديث النبوي لم يدعُ أحدًا إلى صيد الذباب ووضعه عنوة في الإناء، ولم يشجع على ترك الآنية مكشوفة، ولم يشجع على الإهمال في نظافة البيوت، والشوارع، وفي حماية المنازل من دخول الذباب إليها.

كما أن هذا الحديث لا يمنع أحدًا من الأطباء والقائمين على صحة الشعب من التصدي للذباب في مواطنه، ومحاربته، وإعدامه، وإبادته، ولا يمكن أن يتبادر إلى ذهن أحد علماء الدين أن هذا الحديث يدعو الناس إلى إقامة مزارع، أو مفارخ للذباب، أو أنه يدعو إلى التهاون في محاربته!!

سادسًا: إن من يقع الذباب في إنائه، ويشمئز من ذلك ولا يمكنه تناول ما فيه، فإن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها.

الحديث الثاني: ((الحياء شعبة من الإيمان)):

وجه الإشكال في الحديث: ذكر ابن قتيبة الإشكال الذي توهمه بعض الناس في هذا الحديث، فقال: قالوا: رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الحياء شعبة من الإيمان))، قالوا: والإيمان اكتساب، والحياء غريزة مركبة في المرء، فكيف تكون الغريزة اكتسابًا؟

والجواب كما يلي:

أولًا: الحياء عمَلٌ قلبي، فهو بهذا الاعتبار جزء من الإيمان، مثله مثل سائر الأعمال القلبية، كالحب والخوف والرجاء والرضا والتوكل، ونحوها، فإنها ولا شك هي من أعمال الإنسان التي يُثاب عليها.

ثانيًا: أن الحياء سبب للانقطاع عن المعاصي، والابتعاد عنها.

ثالثًا: جاءت نصوص كثيرة تحث على الحياء، وترغب فيه، ورتب الله تعالى عليه الثواب الجزيل، والأجر العظيم، كل ذلك ليدل على أنه من سعي الإنسان وعمله.

كما سبق ذكره من سائر الأعمال القلبية الأخرى، ومن ادعى غير ذلك فقد كابر، وأنكر ما هو معلوم بالاضطرار.

ومما يؤكد ذلك: ما جاء عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنَعْ ما شئتَ)) رواه البخاري.

واعلم أن الحياء نوعان:

النوع الأول: ما كان خُلُقًا وجِبِلَّةً غير مكتسب، وهو من أجل الأخلاق التي يمنحها الله العبد، ويجبله عليها.

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((الحياء لا يأتي إلا بخير)). فإنه يكف عن ارتكاب القبائح، ودناءة الأخلاق، ويحث على استعمال مكارم الأخلاق، ومعاليها.

النوع الثاني: ما كان مكتسبًا من معرفة الله، ومعرفة عظمته، وقربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور.

فهذا من أعلى خصال الإيمان، بل هو من أعلى درجات الإحسان.

وجاء في حديث ابن مسعود: ((الاستحياء من الله: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبِلَى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حقَّ الحياءِ)) أخرجه الإمام أحمد، والترمذي مرفوعًا.

وقد يتولد الحياء من مطالعة نعمه تعالى، ورؤية التقصير في شكرها، فإذا سلب العبد الحياء المكتسب والغريزي، لم يبقَ له ما يمنعه من ارتكاب القبيح، والأخلاق الدنيئة، فصار كأنه لا إيمانَ له.

الحديث الثالث: ((الكافر يأكل في سبعة أمعاء)):

تخريج الحديث: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا فَأَسْلَمَ، فَكَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا قَلِيلًا، فَذُكِرَ ذَلِكَ للنبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ في مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرَ يَأْكُلُ في سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ)) رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما. ووقع في رواية مسلم: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضافه ضيف، وهو كافر، فأمر له بشاة، فحُلبت، فشرب حلابها، ثم أخرى، ثم أخرى حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم، فأمر له بشاة، فشرب حلابها، ثم بأخرى فلم يستتمها)).

وأخرج الطبراني بسند جيد عن عبد الله بن عمرَ قال: ((جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم سبعة رجال، فأخذ كلُّ رجل من الصحابة رجلًا، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا، فقال له: ما اسمك؟ فقال: أبو غزوان. قال: فحلب له سبع شياه فشرب لبنها كله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك يا أبا غزوان أن تسلِمَ؟ قال: نعم. فأسلم، فمَسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره، فلما أصبح حلب له شاة واحدة فلم يتم لبنها. فقال: ما لك يا أبا غزوان؟ قال: والذي بعثك نبيًّا لقد رُويت. قال: إنك أمس كان لك سبعة أمعاء، وليس لك اليوم إلا معي واحد)).

وجه الإشكال في الحديث: وقد استشكل بعض الناس معنى هذا الحديث؛ لكونه في نظرهم يخالف المحسوس.

والجواب: أن للعلماء في توجيه هذا الحديث أقوال:

أولًا: قيل: ليس المراد به ظاهره، وإنما هو مَثَلٌ ضُرِبَ للمؤمن، وزهده في الدنيا، والكافر وحرصه عليها، فكان المؤمن لِتَقَلُّلِهِ من الدنيا يأكل في معي واحد، والكافر لشدة رغبته فيها، واستكثاره منها، يأكل في سبعة أمعاء، فليس المراد حقيقة الأمعاء، ولا خصوص الأكل، وإنما المراد التقلل من الدنيا، والاستكثار منها، فكأنه عبَّر عن تناول الدنيا بالأكل، وعن أسباب ذلك بالأمعاء، ووجه العلاقة ظاهر.

الثاني: قيل: المراد: حض المؤمن على قلة الأكل إذا عَلِمَ أن كثرة الأكل صفةُ الكافر، فإن نفس المؤمن ينفر من الاتصاف بصفة الكافر، ويدل على أن كثرة الأكل من صفة الكفار قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ} [محمد: 12].

وقيل: إن الحديث خرج مخرج الغالب، وليست حقيقة العدد مرادة، قالوا: تخصيص السبعة للمبالغة في التكثير، كما في قوله تعالى: { وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} [لقمان: 27]، والمعنى: أن مِن شأن المؤمن التقلل من الأكل؛ لاشتغاله بأسباب العبادة، ولعلمه بأن مقصود الشرع من الأكل ما يسدُّ الجوعَ، ويمسك الرمقَ، ويعين على العبادة، ولخشيته أيضًا من حساب ما زاد على ذلك، والكافر بخلاف ذلك كله، ولا يلزم من هذا اطراده في حق كل مؤمن وكافر.

الثالث: وقيل: إن المراد أن المؤمن يسمي اللهَ تعالى عند طعامه وشرابه، فلا يشركه الشيطان فيكفيه القليل، والكافر لا يسمي فيشركه الشيطان كما تقدم تقريره قبل. وفي (صحيح مسلم) في حديث مرفوع: ((إن الشيطان يستحل الطعام إن لم يذكر اسم الله تعالى عليه)).

قال النووي: المختار أن المراد من الحديث: أن بعض المؤمنين يأكل في معي واحد، وأن أكثر الكفار يأكلون في سبعة أمعاء، ولا يلزم أن يكون كل واحد من السبعة مثل معي المؤمن.

ويدل على تفاوت الأمعاء: ما ذكره عياض عن أهل التشريح أن أمعاء الإنسان سبعة: المعدة، ثم ثلاثة أمعاء بعدها متصلة بها: البواب، ثم الصائم، ثم الرقيق، والثلاثة رقاق، ثم الأعور، والقولون، والمستقيم، وكلها غلاظ. فيكون المعنى: أن الكافر لكونه يأكل بشراهة لا يشبعه إلا ملء أمعائه السبعة، والمؤمن يشبعه ملء معي واحد. ونقل الكرماني عن الأطباء في تسمية الأمعاء السبعة.

قال العلماء: يؤخذ من الحديث: الحض على التقلل من الدنيا، والحث على الزهد فيها، والقناعة بما تيسر منها. وقد كان العقلاء في الجاهلية والإسلام يتمَّدحون بقلة الأكل، ويذمون كثرة الأكل، كما في حديث “أم زرع” أنها قالت في معرض المدح لابن أبي زرع: ((ويشبعه ذراع الجفرة)).قال الطيبي: “ومحصل القول: أن من شأن المؤمن الحرص على الزهادة، والاقتناع بالبلغة، بخلاف الكافر، فإذا وُجِد مؤمن أو كافر على غير هذا الوصف لا يَقدح في الحديث”.

error: النص محمي !!