Top
Image Alt

أحاديث في: حرم المدينة، وبناء مسجدها النبوي، وفضلها، وذمّ من رغب عنها

  /  أحاديث في: حرم المدينة، وبناء مسجدها النبوي، وفضلها، وذمّ من رغب عنها

أحاديث في: حرم المدينة، وبناء مسجدها النبوي، وفضلها، وذمّ من رغب عنها

. من “كتاب فضائل المدينة”:

نتحدث عن فضائل المدينة، وفي حَرمها، وحُدوده، وما امتازت به عن غيرها من سائِر البلدان، من سُنّة رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

أ. حديث أنس رضي الله  عنه: «المدينة حَرمٌ مِن كذا إلى كذا…»:

رواية الحديث:

قال الإمام البخاري في: “كتاب فضائل المدينة”: “باب حَرم المَدينة” قال: حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا ثابت بن يزيد، قال: حدثنا عاصم أبو عبد الرحمن الأحول، عن أنس رضي الله  عنه عن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: «المدينة حَرَم مِن كذا إلى كذا؛ لايُقطع شَجرها، ولا يُحدث فيها حَدث. منْ أحدث حَدثًا، فعليْه لعنْة الله والملائكَة والناسِ أجمعين».

شرح الحديث:

قوله: «المدينة حَرمٌ مِن كَذا إلى كَذا»، هكذا جاء مُبْهَمًا في هذه الرواية، وفي حديث علي رضي الله  عنه أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: في آخر هذا الباب الذي قرأناه: «حَرم ما بين عَائِر إلى كذا»، فعيّن الأول: وهو عَائِر، وذكره في “كتاب الجزية”، وغيره بلفظ: «عَيْر»، وهو: جَبل بالمدينة.

واتفقت روايات البخاري كلّها على إبْهَام الثاني في حديث أنس. فقيل: إنَّ البخاري أبْهَمه عَمدًا لِما وقع عنده أنه وَهْم.

وممّا يدلُّ على أنّ المراد بقوله في حديث أنس: «مِن كذا إلى كذا»: جبلًا: ما وقع عند مسلم، من طريق إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس، مرفوعًا: «اللهم إني أحرّم ما بين جَبليْها»، لكن عند البخاري في “الجِهاد” وغيره، من طريق محمد بن جعفر وغيره، عن عمرو، بلفظ: «ما بين لابتَيْها»، واللابتان: جمْع لابة، بتخفيف الموحدة، وهي الحَرّة، وهي: الحجارة السود، وقد تكرر ذكرها في الحديث.

وقوله صلى الله عليه  وسلم: «لا يُقطع شجرُها» يعني: ما ينبت من الحشائش وغير ذلك…

قوله صلى الله عليه  وسلم: «مَن أحدث حدَثًا فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين»، يعني: لعن أهل المعاصي والفساد عامّة، دون تحديد شخص معيَّن؛ لأنه قد يتوب الله عليه، والمراد بالحَدث والمُحْدِث: الظُلم والظَّالِم، يعني: من ظَلم فيها ظُلْمًا فعليه كذا، أو ما هو أعمّ من ذلك، يعني: أية معصية من المعاصي. والمراد بلعنة الملائكة والناس: المبالغة في الإبعاد عن رحمة الله، قال: “والمراد باللّعن هنا: العذاب الذي يستحقّه على ذنبه في أوّل الأمر، وليس هو كلعْن الكافر”.

ب. حديث أنس رضي الله  عنه رسول الله صلى الله عليه  وسلم:

يقول أنس رضي الله  عنه:

((قَدِم النبي صلى الله عليه  وسلم المدينة، فأمر ببناء المسجد، فقال: يا بني النجار، ثامنوني،فقالوا: لا نَطلب ثَمنه إلاّ إلى الله. فأمر بقبور المشركين فنُبِشت، ثم بالخِرب فسُوِّيتْ، وبالنخل فقُطِع؛ فصفُّوا النخل قِبلة المسجد)).

شرح الحديث:

قوله: ((فأمَر ببناء المسجد))، هكذا بالبناء للفاعل، يعني: فأمَر صلى الله عليه  وسلم ببناء المسجد؛ لأن الله عز وجل هو الذي قدَّر أن يكون هذا المكان للمسجد.

وقوله صلى الله عليه  وسلم لبني النجار: ((ثامنوني))، يعني: اذكروا لي ثمَنه؛ لأذكر لكم الثّمن الذي أختاره؛ قال ذلك على سبيل المُساومة، فكأنه قال: ساوموني في الثمن، قالوا: “لا نَطْلب ثَمنه إلا إلى الله”، تقديره: لا نَطْلب الثَّمن، لكن الأمر فيه إلى الله، أو “إلى” بمعنى: “مِنْ”. وكذا لا نَطْلب الثَّمن إلاّ مِن الله، وكذا عند الإسماعيلي: “لا نَطْلب ثَمنه إلاّ مِن الله”.

وظاهر الحديث: أنهم لم يأخذوا مِنْه ثمنًا، قال ابن حجر: “وخالف في ذلك أهل السِّيَر”، يعني: هم أخذوا في النِّهاية ثمنًا.

قوله: ((فأمر بقبور المشركين، فنُبشتْ، ثم بالخِرب فسُوِّيتْ)). حكى الخطابي: كسر أوّله وفتح ثانيه، جَمع خِرَبة، كَعِنَب: جَمع عِنَبة.

وفي الحديث:

جواز نَبْش القُبور الدارِسة -يعني: القديمة- إذا لم تكن محترَمة كقبور المشركين،

وجواز الصلاة في مَقابر المشركين بعد نَبْشها، وإخراج ما فيها، وجواز بناء المساجد في أماكنها، يعني: في أماكن هذه القبور.

وفيه جواز قطْع الأشجار المُثْمرة للحاجة؛ أخْذًا من قوله: ((و بالنّخل فقُطع))؛ فلا بأس للحاجة هنا.

وقد أتى البخاري بحديث بناء المسجد هنا، لأن فيه إشكالا، وهو: قطع النخل مع أنه في تحريم حرم المدينة، وفي الأحاديث التي بينت ذلك: ((لا يقطع شجرها)) فكيف يقطع النخل؟

قال ابن حجر: “وفيه نظر، لاحتمال أن يكون ذلك ممّا لا يُثمر، إمّا بأن يكون ذُكورًا، وإمّا أن يكون طَرأ عليه ما قَطَع ثَمرته؛ وهذا أو ذاك، هو الذي سَوَّغ لهم قطع الشجر على الرغم من أنّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم قدْ حَرَّم ذلك. وقيل: إن ذلك كان في أوّل الهجرة، قَبل أن يُحرِّم رسول الله صلى الله عليه  وسلم قَطْع الشجر بعد ذلك عندما تكلم على ذلك في نهاية سنوات الهجرة”.

ج. حديث علي رضي الله  عنه في حَرَم المدينة:

قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن علي رضي الله  عنه قال: “ما عندنا شيءٌ إلاّ كتابُ الله، وهذه الصحيفة عن النبي صلى الله عليه  وسلم: ((المدينة حَرَمٌ ما بين عَائِر إلى كذا. مَن أحْدَث فيها حَدَثًا، أو آوى مُحْدِثًا، فعليه لعْنةُ الله والملائكة والناس أجمعين؛ لا يُقْبل منه صَرفٌ ولا عَدل)). وقال: ((ذِمّة المسلمين واحدة، فمَن أخْفر مُسلمًا، فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين؛ لا يُقْبل منه صَرفٌ ولا عَدل. ومَن تولّى قَومًا بغَير إذْنِ مواليه، فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين؛ لا يُقْبل منه صَرفٌ ولا عَدل)).

شرح الحديث:

قوله: حدّثنا عبد الرحمن، هو: ابن مهدي، وسفيان، هو: الثوري، وقوله: عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، هو: يزيد بن شَريك بن طارق التَيمي، وفي الإسناد ثلاثة من التابعين كوفيون في نسَق، وهذه رواية أكثر أصحاب الأعمش عنه.

وقوله: “ما عندنا شيء”، أي: مَكتوب، وإلاّ فكان عندهم أشياء مِن السُّنّة سوى الكِتاب، أو المَنْفي: شيء اختصوا به عن الناس.

وقوله: “وهذه الصحيفة

ذكر البخاري في كتاب العلم من طريق أبي جحيفة.

“قُلت لعليّ: هل عِندكم كتاب؟ قال: لا. إلاّ كتاب الله، أو فَهْمٌ أُعْطيَه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة”. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: “العَقْل -يعني: الديات- وفِكاك الأسير، ولا يُقْتل مُسلم بكافر”.

قوله صلى الله عليه  وسلم: ((المدينة حَرَمٌ ما بين عَائِر إلى كذا. مَن أحْدَث فيها حَدَثًا، أو آوى مُحدِثًا، فعليه لعْنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ لا يُقْبل منه صَرْف ولا عَدْل)).

قوله صلى الله عليه  وسلم: ((مَنْ أحْدَث فيها حَدَثًا))، يعني: مَعْصية، يُقيّد به مُطلق ما تَقدّم في رواية قَيس بن عباد، وأن ذلك يَخْتص بالمدينة لِفضلها وشَرفها؛ لأنه قال: ((مَن أحْدَث فيها))، ولم يَقل: من أحْدَث حَدَثًا.

وقوله: ((لا يُقْبل منه صَرْف ولا عَدْل)) -بفتح أولِهما- واخْتُلف في تفسيرهما  على أقوال عدة منها : عند الجمهور: الصَّرْف: الفَريضة، والعَدْل: النافلة، رواه ابن خُزيمة بإسناد صحيح عن الثوري. وعن الحسن البصري بالعَكْس: يعني: الصَّرْف: النافلة، والعَدْل: الفريضة. ومعناه: أنه لا تُقْبل منه فَريضة، ولا تُقْبل منه نَافلة -على القوليْن-.

وقوله: ((ذِمّة المسلمين واحدة))، أي: أمانُهم صحيح؛ فإذا أمَّن الكافرَ واحدٌ من المسلمين حَرُمَ على غيره التّعرّضُ له.

وقوله: ((فمَن أخْفَر مُسْلِمًا، فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين)).

((فمن أخْفَر)) -بالخاء المُعْجَمة والفاء- أي: نَقَض العَهد، يُقال: خَفَرته -بغير ألِف-: أمّنته، وأخفرته: نَقَضت عَهده.

وقوله: ((ومَن يتولّى قومًا بغير إذن مواليه)): لم يَجْعل الإذن شرطًا لجواز الادّعاء -يعني: ليس هذا شرطًا- إنما هو تأكيد للتّحريم؛ لأنه إذا استأذنهم في ذلك منعوه، وحالوا بينه وبين ذلك.

وهكذا رتَّب المصنِّف أحاديث الباب ترتيبًا حسنًا؛ ففي حديث أنس: التصريح بكوْن المدينة حَرَمًا.

وفي حديثه الثاني: تَخْصيص النهي عن قَطْع الشَّجَر ممّا لا ينبته الآدميّون.

وفي حديث عليّ: زيادة تأكيد التَّحريم وبيان حدِّ الحَرَم.

2. “باب فضل المدينة، وأنها تَنْفي النَّاس”:

قال الإمام البخاري: “باب فضل المدينة، وأنها تَنْفي النَّاس”.

رواية الحديث:

قال: حدثنا عبد الله بن يوسف: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، قال: سَمِعت أبا الحُباب سعيد بن يسار يقول: سَمِعت أبا هريرة رضي الله  عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((أمِرْت بقرية تَأكُل القُرى، يقولون: “يَثْرِب”، وهي: المدينة، تَنْفي النَّاس، كما يَنْفي الكيرُ خَبث الحديد)).

فقوله: “باب فضل المدينة، وأنها تَنْفي النَّاس”، أي: الشِّرار مِنْهم، وقَرينة إرادة الشِّرار من النَّاس ظاهرة من التشبيه الواقع في الحديث، وهو: خَبث الحديد. والمراد بالنَّفي: الإخْراج.

وقوله: عن يحيى بن سعيد: يعني الأنصاري.

شرح الحديث:

قوله: ((أمِرْتُ بقرية))، أي: أمرني ربّي بالهجرة إليها أو سُكْناها، فالأول: الهجرة، محمول على أنه قاله بمكّة. والثاني: السُّكْنى، على أنه قاله بالمدينة.

وقوله: ((بقرية تأكُل القُرى))، أي: تَغْلبهم، وكَنّى بالأكل عن الغَلبة؛ لأنّ الآكِل غالب على المَأكول. وقال ابن المنير: “يحْتمل أن يكون المراد بأكلِها القُرى: غَلبة فَضلها على فضل غيرها”، ومعناه: أنَّ الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكون عَدمًا.

قال صلى الله عليه  وسلم: ((يقولون: “يَثْرِب”، وهي: المدينة))، أي: أن بعض المنافقين يسمّيها: “يَثْرِب”، واسمها الذي يليق بها: “المدينة”.

وفَهِِمَ بعض العلماء مِن هذا كَراهة تسمية المدينة: يَثْرِب، وقالوا: ما وقع في القرآن إنّما هو حِكاية عن قول غير المؤمنين. روى عمر بن شبّة، من حديث أبي أيوب: أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم نهى أن يُقال للمدينة: “يَثْرِب”؛ قيل: وسبب هذه الكَراهة؛ لأنّ يَثْرِب، إمّا مِن: “التَّثْريب” الذي هو: “التَّوبيخ والمَلامة”، أو من “الثَّرْب”، وهو: “الفَساد”، وكلاهما مُسْتقبح، وكان رسول الله صلى الله عليه  وسلم يُحب الاسمَ الحَسنَ، ويكره الاسم القَبيح.

وقوله صلى الله عليه  وسلم: ((تَنْفي النَّاس))، قال عِياض: “وكأنّ هذا مُختصّ بزمنه صلى الله عليه  وسلم، لأنه لم يكن يَصْبر على الهِجرة والمُقامِ مَعه بها، إلاّ مَن ثَبت إيمانه”.

وقوله صلى الله عليه  وسلم: ((كما يَنْفي الكِيرُ خَبث الحديد))، الكِير -بكسر الكاف، وسكون التحتية -الياء- وهو: الزِّقّ الذي ينْفخ فيه الحدَّاد، ويؤيّده ما رواه عمر بن شبّة في (أخبار المدينة) بإسناده، قال: “رأى عمر بن الخطاب كِير حَدَّادٍ في السوق، فضربه برجله حتى هَدمه”، “والخَبث”: الوَسَخ الذي تُخْرجه النَّار. والمراد: أنها لا تَتْرك فِيها مَن في قَلبه دَغل أو غِش، بل تُميزه عن القلوب الصادقة، وتخرجه، كما يميز الحداد رديء الحديد مِن جَيِّده. ونسبة التمييز للكير، لكونه السبب الأكبر في اشتعال النار، التي يقع التمييز بها في الحقيقة، -يعني: النار هي التي تميز هذا من ذاك-.

واستدل بهذا الحديث على أن المدينة أفضل البلاد. قال بعض العلماء: لأنّ المدينة هي التي أدخلت مكة وغيرها مِن القرى في الإسلام، فصار الجميع في صحائف أهلها، ولأنها تَنْفي الخبث.

3. “باب من رَغِبَ عن المدينة”:

قال البخاري: “باب من رَغِب عن المدينة”.

رواية الحديث:

قال: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزُّهري، قال: أخبرني سعيد بن المُسيِّب: أن أبا هريرة رضي الله  عنه قال: سَمِعت رسول الله صلى الله عليه  وسلم يقول : ((تَتركون المدينة على خيْر ما كانت، لا يَغْشاها إلاّ العَواف. -أي: العَوافي، يريد: عَوافي السِّباع والطيْر-. وآخر مَن يُحْشر: راعيان مِن مُزينة يريدان المدينة، يَنْعِقان بغَنمهما، فيجدانها وحشًا، حتى إذا بلغا ثنيّة الوداع خرّا على وجوههما)).

وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا بن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن سفيان بن أبي زهير رضي الله  عنه: أنه قال: سَمِعت رسول الله صلى الله عليه  وسلم: يقول: ((تُفتح اليمن، فيأتي قوم يبسُّون، فيتحمّلون بأهلهم ومَن أطاعهم؛ والمدينة خَير لهم لو كانوا يعلمون. وتُفْتح الشام، فيأتي قوم يبسُّون، فيتحمّلون بأهلهم ومَن أطاعهم؛ والمدينة خَير لهم لو كانوا يعلمون. وتُفْتح العراق، فيأتي قوم يبسُّون، فيتحمّلون بأهلهم ومَن أطاعهم؛ والمدينة خَير لهم لو كانوا يعلمون)).

فهو يُخْبر صلى الله عليه  وسلم في هذيْن الحديثيْن: أن الناس يَتركون المدينة -وهذا في آخر الزَّمان- ولو ظلّوا فيها لكان خَيرًا لهم.

شرح الحديث:

قوله: “باب من رغب عن المدينة”، أي: فهو مَذموم، أو “باب حكم مَن رغب عنها”.

قوله صلى الله عليه  وسلم: ((تَتركون المدينة)) -كذا للأكثر: بتاء الخطاب-والمراد بذلك: غيْر المخاطبِين، لكنهم مِن أهل البلد، أو مِن نسْل المُخَاطبِين، أو مِن نوعهم؛ وليس المراد الصحابة، ولكن من يأتي بعدَهم.

وقوله صلى الله عليه  وسلم: ((على خير ما كانت))، أي: على أحسن حال كانت عليه من قبْل.

و((العَوافي)): جَمْع عافية، وهي: التي تطلب أقواتها، ويقال: للذكر عافٍ. وقال النووي: “المُختار: أن هذا التَّرك يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة، ويُؤيّده: قِصة الراعييْن. وفي حديث البخاري: أنهما آخر من يُحشر. ((وآخر من يُحْشر: راعيان مِن مُزينة)). هذا يحْتمل أن يكون حديثًا آخر مُستقلًّا، لا تَعلّق له بالذي قبْله.

وقوله صلى الله عليه  وسلم: ((يَنْعِقان))، النَّعِيق: زَجْر الغنم، يُقال: نَعِق يَنْعِق نَعِيقًا ونُعاقًا، إذا صاح بالغنم.

قوله: ((فيجدانها وَحشًا))، أي: يَجِدانها ذات وَحشٍ، أو يَجِدان أهلها قد صاروا وحوشًا، وهذا على أنّ الراوية بفتح الواو، أي: يَجِدانها خَالية. والوحش من الأرض: الخَلاء، أو: كَثيرة الوحش، لِمَا خلت من سُكَّانها.

 قوله صلى الله عليه  وسلم: ((تُفْتح اليمن))، قال ابن عبد البَر وغيره: “افتُتِحت اليمن في أيام النبي صلى الله عليه  وسلم وفي أيام أبي بكر. وافتتِحت الشام بعدها، وافتتِحت العراق بعدها. وهذا الحديث عَلَم مِن أعلام النبوة؛ فقد وقع على وفْقِ ما أخبر به النبي صلى الله عليه  وسلم وعلى ترتيبه، ووقع تفرّق الناس في البلاد لِمَا فيها من السَّعة والرَّخاء. ولو صبروا على الإقامة بالمدينة لكان خيرًا لهم.

وفي هذا الحديث: فضل المدينة على البلاد المذكورة؛ وهو أمر مجمع عليه.

قوله صلى الله عليه  وسلم: ((فيأتي قوم يبِسُّون))، وفي رواية: ((يَبُسُّون)) -بفتح أوّله وضمّ الباء-. قال أبو عُبيد: “معناه: يسوقون دوابهم، والبسُّ: سوق الإبل، تقول: بسْ بسْ، عند السوق وإرادة السرعة”.

وقيل: معناه: يُزيِّنون لأهلهم البِلاد التي تُفتح، ويدْعونهم إلى سُكْناها، فيتحمّلون بسبب ذلك من المدينة راحلين إليها. ويشهد لهذا: حديث أبي هريرة رضي الله  عنه عند مُسلم: ((يأتي على الناس زمانٌ يّدعو الرجل ابن عمِّه وقَريبَه: “هَلُمّ إلى الرَّخَاء”. والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يَعْلمون)).

وقوله صلى الله عليه  وسلم: ((لو كانوا يعلمون))، أي: لو كانوا يعلمون بفضلها، من الصلاة في المسجد النبوي، وثواب الإقامة فيها، وغير ذلك… ففيه تَجْهيل لمَن فارقها وآثر غيرها.

وقوله صلى الله عليه  وسلم : ((والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون))؟ قالوا: المراد به: الخارجون من المدينة رَغبة عنها، كارهين لها، وأمّا مَن خَرج لحاجة أو تِجارة أو جِهاد أو تَعْليم أهل البلد الذي سيذهب إليه -كما فعل بعض الصحابة- أو نحو ذلك، فليس بداخل في معنى الحديث. قال البيضاوي: “المعنى: أنه يُفتح اليمن فيُعجب قومًا بلادُها، وعيشُ أهلها، فيحملهم ذلك على المُهاجرة إليها بأنفسهم وأهليهم، حتى يَخْرجوا من المدينة؛ والحال أنّ الإقامة في المدينة خيرٌ لهم؛ لأنها حَرم الرسول صلى الله عليه  وسلم وجِواره، ومَهْبط الوحي، ومَنزل البركات، لو كانوا يعلمون ما في الإقامة بها من الفَوائد الدِّينيّة بالعَوائد الأخروية التي يُستحقر دونها ما يَجدونه من الحظوظ الفانية العاجلة، بسبب الإقامة في غيرها”.

error: النص محمي !!