Top
Image Alt

أحاديث: موت المؤمن بعرق الجبين، وتلقين الموتى كلمة التوحيد، وقراءة سورة “يس”

  /  أحاديث: موت المؤمن بعرق الجبين، وتلقين الموتى كلمة التوحيد، وقراءة سورة “يس”

أحاديث: موت المؤمن بعرق الجبين، وتلقين الموتى كلمة التوحيد، وقراءة سورة “يس”

الحديث الثالث: وعن بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المؤمن يموت بعرق الجبين)) رواه الثلاثة وصححه ابن حبان. بريدة هو ابن الحصيب رضي الله عنه أخرج هذا الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المؤمن يموت بعَرَق -بفتح العين المهملة والراء- الجبين)) وهذا الحديث رواه الثلاثة وصححه ابن حبان كما أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه والطبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أيضًا. وفيه دلالة على أن المؤمن يموت بعرق الجبين، والجبين: هو جانب الجبهة… ما بين الجبهة وبين الأذن وفوق الصدر. ومعنى هذا الحديث -والله تعالى أعلم-: أن المؤمن يشدد عليه في النزع والسياق من أجل تمحيص ذنوبه؛ ليلقى الله تعالى ممحص الذنب؛ فيكون تشديد الموت عليه تكفيرًا لخطاياه، وقد اشتد الموت على رسول الله حتى قال: ((إن للموت لسكرات)) كما أخرجه البخاري. فالمؤمن يشدد عليه في الموت من أجل تمحيصه وتطهيره وتكفير سيئاته؛ لأن هذا هو آخر الوقت الذي يثاب فيه وآخر الوقت الذي يبتلى فيه وآخر الوقت الذي يطهر فيه. والتفسير الثاني لهذا الحديث: أنه كناية عن أن المؤمن يكد ويكدح في طلب الحلال إلى أن يموت، ولا يتكاسل عن طلب الرزق الحلال حتى يأتيه الموت، وهو كذلك؛ فهذا الحديث -على هذا النحو- فيه: أن المؤمن يكد في طلب الحلال، وأنه يضيقه على نفسه بالصوم والصلاة حتى يلقى الله تعالى. وفيه: حث على طلب الرزق الحلال والتعب في ذلك حتى يأتي الموت، ولا ينبغي أن يسأل الناس أو يترك الكسب الحلال أو يصير عالة على غيره؛ بل يطلب الرزق إلى أن يأتيه الموت. هذا هو المعنى الثاني للحديث. والمعنى -على الأول-: قوله: ((المؤمن يموت بعرق الجبين)) أنه حال الموت ونزع الروح تشدد عليه؛ فهي صفة لكيفية الموت وشددته على المؤمن. والمعنى -على التفسير الثاني-: أنه يدركه الموت حال كونه على هذه الحالة الشديدة التي يعرق منها الجبين؛ فهي صفة للحال التي يفجؤه الموت عليها، أي: وهو ساعٍ باذل مكتسب غير كالٍّ ولا زاهد في العمل. الحديث الرابع: وعن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله)) رواه مسلم والأربعة. معنى التلقين: أن تلقى كلمة “لا إله إلا الله” على من حضرته منيته؛ فالمراد بقوله: “المحتضر”: الميت؛ فلا يلقن ميت بعد موته؛ وإنما يلقن الميت عند حضور أجله؛ فالمراد من قوله: ((لقنوا موتاكم)) أي: ألقوا هذه الكلمة على من حضرته منيته من المحتضرين، وليس المراد عندئذ بالموتى: الذين خرجت أرواحهم؛ لأنهم لا ينتفعون بالتلقين. هذا على المعنى الراجح والصحيح من هذا الحديث. فائدة التلقين: سبق أن ذكرنا أن من كان آخر كلامه من الدنيا: “لا إله إلا الله” دخل الجنة؛ إذًا فائدة تلقين الموتى تذكيرهم بأن لا إله إلا الله ليختم لهم بها، وقد رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يحضر عمه أبا طالب عند منيته ويقول له: ((يا عم قل: لا إله إلا الله))؛ فهو يطلب منه أن يقول كلمة يحاج له بها عند الله سبحانه وتعالى وهي كلمة التوحيد، ولما علم أن غلامًا حدثًا كان يخدمه قد حضرته منيته وهو من يهود؛ توجه صلى الله عليه وسلم ليعوده؛ فلما انتهى إليه قال: ((يا غلام؛ قل: لا إله إلا الله)) فنظر الغلام إلى أبيه -وكان يهوديًّا- فقال أبوه: أطع أبا القاسم. فقال الغلام: “لا إله إلا الله”، ثم قضى -يعني: توفي- فقال صلى الله عليه وسلم حين خرج من عنده: ((الحمد لله الذي أنقذ بي نفسًا من النار)) وهذا عند البخاري من حديث أنس بن مالك. وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لقن كل من حضرته الوفاة؛ سواء أكان المحتضر مسلمًا أو كان كافرًا، وسواء أكان مشركًا أم كان كتابيًّا؛ فكأن قوله: ((لقنوا موتاكم)) أي: من حضرتم منيته من الخلق سواء أكانوا من المسلمين أم من غير المسلمين؛ فإنه إذا عرضه على غير مسلم؛ فإنه يدعوه بذلك إلى الإسلام لعله أن يقبل الإسلام فيموت عليه؛ فيكون بذلك من الناجين ويكون الذي سعى في فكاك رقبته من المأجورين عند الله -تبارك وتعالى. وقوله: ((قل: لا إله إلا الله)) أو ((لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله)) أي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لأنه لا تجزئ واحدة دون الأخرى؛ لا سيما إذا كان المخاطب بها غير مسلم؛ فإنه لا تنفعه إلا إذا جاء بشطرها الثاني وشقها الآخر، وهو شهادته لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة. هذا الأمر منه صلى الله عليه وسلم وهو: ((لقنوا)) هذا يحمل على الندب المؤكد، يعني: يستحب لمن كان هذا حاله وقد حضر الميت أن يذكره بـ((لا إله إلا الله)) وكره العلماء أن يكثر عليه من قولها، أو أن يشدد عليه فيها؛ لأن الميت -في هذه الحالة- في حال ضجر وكرب شديدين؛ فلعله أن يكرهه فيقول كلمة لا تليق، أو أن يقول كلمة تكتب عليه لا له. وبالجملة: يحسن أن يذكر المريض بسعة رحمة الله تعالى ولطفه وبرِّه، وأن يحسن بربه سبحانه وتعالى ظنه؛ وإذا امتزج خوف العبد برجائه عند سياق موته فهو أمر محمود؛ كما أخرج الترمذي بإسناد جيد من حديث أنس: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت فقيل: كيف تجدك؟ قال: أرجو الله، وأخاف ذنوبي. فقال صلى الله عليه وسلم: لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجوه وأمنه مما يخاف)). ويستحب له أيضًا: أن يوجهه إذا دخل في السياق إلى القبلة؛ لما أخرجه الحاكم وصححه من حديث أبي قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور قالوا: توفي، وأوصى بثلثه لك يا رسول الله، وأوصى أن يوجه القبلة إذا احتضر؛ فقال صلى الله عليه وسلم: ((أصاب الفطرة، وقد رددت ثلثه على ولده، ثم ذهب فصلى عليه وقال: اللهم اغفر له، وأدخله جنتك، وقد فعلت)) وقال الحاكم: لا أعلم في توجيه المحتضر إلى القبلة غيره. الحديث الخامس: وعن معقل بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اقرءوا على موتاكم “يس”)) رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان. أيضًا قوله: ((اقرءوا على موتاكم)) أي: على من حضرتهم منيتهم، وليس المراد: من قد مات؛ فإن الأموات لا يقرأ عليهم القرآن؛ لأن هذا أمر لم يكن عليه عمل السلف رضي الله عنهم وإنما المراد: أن يقرأ القرآن على من احتضر؛ لأنه هو الذي يستفيد من القراءة؛ فيستعتب أو يتوب أو يوصي أو يرجع أو يندم؛ ولأن قراءتها عليه تسهل خروج روحه. وهذا الحديث بالجملة يدل على استحباب قراءة سورة “يس” عند المحتضر؛ لكن الحديث في إسناده كلام ومقال طويل؛ حيث أعل بأنه ضعيف لانقطاعه وبأنه مضطرب أيضًا، ونقل عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث مضطرب الإسناد مجهول المتن، ولا يصح، وقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا صفوان قال: كانت المشيخة يقولون: “إذا قرئت “يس” عند الموت خفف بها عنه”، وأسنده صاحب (مسند الفردوس): عن أبي الدرداء وأبي ذر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من ميت يموت؛ فيقرأ عنده “يس” إلا هون الله عليه)) وهذان يؤيدان ما قاله ابن حبان من أن المراد به: المحتضر. الحاصل: أن بعض الأئمة صحح هذا لشواهده؛ حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: يستحب قراءة سورة “يس” عند الميت، يعني: عند المحتضر؛ مما يدل على أن هذه القراءة لها أصل والعلماء بين فريقين: فريق يرى أنها لا تقرأ لعدم ثبوت الحديث، وفريق يرى أنها تقرأ؛ لأن له من الشواهد ما يصححه؛ فعلى كل حال: من فعل ذلك فلا إنكار عليه؛ ومن تركه فلا حرج عليه، والأمر في هذا واسع -بحمد الله تعالى.

error: النص محمي !!