Top
Image Alt

أحكام أخرى تتعلق بأسلوب الشرط والجزاء

  /  أحكام أخرى تتعلق بأسلوب الشرط والجزاء

أحكام أخرى تتعلق بأسلوب الشرط والجزاء

حكم المضارع المعطوف على جواب الشرط:

فيه ثلاثة أوجه أشار إليها ابن مالك بقوله:

والفعل من بعد الجزا إن يقترن

*بالفاء أو الواوِ بتثليثٍ قَمِن

وقوله: “من بعد الجزا” يشمل الجزء المجزوم، وغير المجزوم.

وقوله: “بالفا أو الواو” جرى فيه على مذهب البصريين، وهو أن الحكم في هذا الموضع يختص بالمضارع المعطوف على جواب الشرط بالفاء أو بالواو، وقد ألحق الكوفيين “ثم” بالفاء، والواو.

وقوله: “قمن” بمعنى جدير، وحقيق.

وبيان هذه المسألة أن المضارع إذا وقع بعد جزاء الشرط، وكان مقترنًا بالفاء أو الواو يجوز للمتكلم فيه ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: الجزم، باعتبار أنه معطوف على الجزاء، والجزاء مجزوم لفظًا أو محلًّا.

وثانيها: الرفع على أنه مستأنف.

وثالثها: النصب بـ”أن” مضمرة وجوبًا، وسوغ ذلك النصب أن الجزاء غير متحقق الوقوع فيشبه الواقع بعده الواقع بعد الاستفهام، وقد قرئ بهذه الأوجه الثلاثة قولُه تعالى: “يَغْفِر” من الآية: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ} [البقرة: 284] قرأه عاصم وابن عامر بالرفع، وقرأه باقي السبعة بالجزم، وقرأه ابن عباس بالنصب، وقرئ بها أيضًا “يذر” في قوله تعالى: {مَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ} [الأعراف: 186] قرأه حازم والكسائي بالجزم، وقرأه أبو عمرو وعاصم بالرفع، وصرح ابن هشام بقراءة النصب في الآية، ولم يذكر من قرأ بها، كما قرئ بالأوجه الثلاثة الفعل: “يُكفِّر” في قوله تعالى: {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَيُكَفّرُ} [البقرة: 271] فالرفع قراءة الجمهور، والجزم قراءة الحسن، والنصب قراءة الأعمش، ويروى بالأوجه الثلاثة الفعل: “نأخذ” في قول النابغة الذبياني:

ربيعُ الناسِ والبلدُ الحرامُ

*فإن يهلكْ أبو قابوس يهلكْ

أجبِّ الظهرِ ليس له سنامُ

*ونأخذ بعده بذِنَابِ عيشٍ

ومذهب الجمهور أن هذا المضارع إذا وقع بعد “ثم” لم يجز فيه إلا الجزم والرفع، وقد جاء الجزم في قوله تعالى: {وَإِن تَتَوَلّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمّ لاَ يَكُونُوَاْ أَمْثَالَكُم} [محمد: 38]، وجاء الرفع في قوله تعالى: {وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلّوكُمُ الأدُبَارَ ثُمّ لاَ يُنصَرُونَ} [آل عمران: 111]، والكوفيون يلحقون “ثم” بالفاء والواو، وبناء علي قولهم يجوز النصب بعدها، وإن لم يُسمع؛ فيصح أن نقول: إن تتقِ الله تحيَ حياةً طيبةً ثم تدخلَ الجنة.

حكم المضارع المتوسط بين الشرط والجزاء:

المضارع المتوسط بين الشرط والجزاء لا يجوز فيه غير وجهين ذكرهما ابن مالك في قوله:

وجزمٌ اوْ نصبٌ لفعل إثر فا

*أو واوٍ انْ بالجملتيْن اكتُنِفا
 

أي: أنه إذا توسط المضارع المقرون بالفاء أو الواو بين جملة الشرط وجملة الجواب؛ لم يجز فيه غير وجهين:

الأول: الجزم بالعطف على فعل الشرط المجزوم لفظًا أو محلًّا؛ كما في قوله تعالى: {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ} [البقرة: 271]، وقوله تعالى: {إِنّهُ مَن يَتّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90]، وهذا الوجه هو الأجود والأشهر.

الثاني: النصب بـ”أن” مضمرة وجوبًا لمشابهة الشرط الاستفهام في عدم التحقق، وقد جاء عليه قول الشاعر:

ومن يقتربْ منا ويخضعَ نؤوِه

*ولا يخشَ ظلمًا ما أقام ولا هضمًا

ونصب “يخضعَ” هنا متعين للمحافظة على وزن البيت، والنصب في حالة التوسط هذه أقوى منه في حالة التأخير المتقدمة؛ لأن فعل الشرط أقرب إلى الاستفهام والأمر والنهي ونحوها، من جواب الشرط، ولا يجوز في المضارع المتوسط الرفعُ؛ لأن الرفع على الاستفهام، والاستفهام قبل الجواب؛ لأنه يشعر بتمام الكمال، والكلام لا يتم إلا بالجواب.

ومذهب الجمهور أن المضارع المتوسط إذا وقع بعد “ثم”؛ فليس فيه غير الجزم، ولا يجوز فيه النصب، والكوفيون يلحقون “ثم” بالفاء، والواو، ويجيزون فيه النصب مستدلين بقراءة الحسن، وقتادة: “وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ”[النساء:100]، وهي بنصب “يُدْرِكَهُ”، وعلى هذا يجوز عندهم أن تقول: “إن تأتِنِي ثم تحدثَني أكرمْك، وقراءة الجماعة في الآية بجزم: {يُدْرِكْهُ}، وأما قراءة النصب؛ فلم يثبت بها البصريون حكمًا لنوردها.

قال المرادي: وزاد بعضهم “أو” -يعني على الواو، والفاء، وثم- وعلى هذا يجوز عند هؤلاء: إن تأتِنِي أو تحدثَني أكرمْك، بجزم “تحدثْني”، وبنصبه، وإذا عري الفعل المتوسط بين الشرط، والجزاء من العاطف؛ أعرب بدلًا إن جزم؛ كما في قول الشاعر:

 متى تأتنا تلمِمْ بنا في ديارنا

*تجدْ حطبًا جزلًا ونارًا تأججا


فإن كان مرفوعًا أعرب حالًا كما في قول الشاعر:

 متى تأتِه تعشُو إلى ضوء ناره

*تجدْ خيرَ نارٍ عندها خير موقد
 

أحكام الحذف في أسلوب الشرط:

صور الحذف في أسلوب الشرط متعددة، وليست كلها متساوية؛ فمن الحذف ما هو واجب، ومنه ما هو ممتنع، ومنه ما هو جائز، ومن الجائز ما يكون كثيرًا، ومنه ما يكون قليلًا، وفيما يلي تفصيل لصور الحذف الوارد في أسلوب الشرط، وحكم الحذف في كل صورة:

حكم حذف فعل الشرط، وحده لا يحذف فعل الشرط إلا إذا كان معلومًا، وحذفه إما واجب أو كثير أو قليل:

أولًا: يحذف فعل الشرط وجوبًا في نحو قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} [التوبة: 6] أي: إذا بقي معموله تاليًا “إن” الشرطية وبعده فعل ماضٍ لفظًا أو معنى يفسره ويدل عليه؛ فالتقدير في الآية: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك، وقد بقي المعمول -وهو {أَحَدٌ}- تاليًا “إن”، وجاء بعده الفعل: {اسْتَجَارَكَ} يفسر المحذوف، ويدل عليه، وهذا الفعل المفسِّر ماضٍ لفظًا، ويجوز أن يكون المفسر ماضيًا معنًى؛ كما في قول الشاعر:

وإن هو لم يحمل على النفس ضيمَها

*فليس إلى حسن الثناء سبيل

والتقدير: وإن لم يحمل، وفاعل الفعل المحذوف كان ضميرًا مستترًا؛ فلما حذف وحده برز ضميره، والمفسر للفعل المحذوف: “لم يحمل”، وهو ماضٍ معنًى لا لفظًا، وعلى هذا لا حذف مع غير “إن” خلافًا للكسائي الذي يجوز الحذف اختيارًا مع غيرها، وهو “مَن” و”ما”، و”مهما”؛ فيجوز عنده أن يقال: مَن عليًّا يضربُ أضربْه، ويُلحظ هنا أن المفسر فعل مضارع، ولا حذف إذا كان المفسر غير ماضٍ لفظًا أو معنًى خلافًا للكسائي، وقد خرج الحذف بالضرورة الشرعية في قول الشاعر:

  صعدةٌ نابتةٌ في حائرٍ

*أينما الريحُ تُميِّلْها تَمِل

وفي قول الآخر:

يثنِي عليكَ وأنت أهلُ ثنائه

*ولديك إن هو يستزدك مزيد

لكون الأداة “أينما” في الأول، ولعدم مضي الفعل المفسر فيه وفي الثاني؛ وإنما وجب حذف الشرط هنا لأن ما بعده مفسر له، ولا يجمع بين المفسِّر والمفسَّر.

ثانيًا: يحذف فعل الشرط كثيرًا إذا كان تاليًا لـ”إن” الشرطية مقرونة بلا النافية؛ كما في قول الأحوص:

فطلِّقْها فلستَ لها بكفءٍ

*وإلا يعلُ مفرقَك الحسامُ

ويكثر حذفه أيضًا إذا بقي معموله تاليًا “لإن” الشرطية ولم يفسر؛ كما في قولهم: المرء مقتول بما قتَل به؛ إن سيفًا؛ فسيف، وإن خنجرًا؛ فخنجر.

وفي الحديث: ((المرء مجزي بعمله؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر))، والأصل: إن كان الذي قتل به سيفًا، وإن كان عمله خيرًا.

ثالثًا: يحذف فعل الشرط قليلًا في غير هذه الثلاثة، وقد جعل منه بعضهم قول الله عز وجل: {وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ} [النحل: 53] على أن “ما” فيه شرطية، وقد حذف فعل الشرط، والأصل: وما يكُن بكم من نعمة، ويدخل في هذا الموضع ما حكاه ابن الأنباري في (الإنصاف) من قول العرب: “من يسلم عليك فسلم عليه؛ ومن لا فلا تعبأْ به، والأصل فيه: ومن لا يسلم عليك؛ فلا تعبأْ به؛ كما يدخل فيه قول الشاعر:

 متى تؤخذُوا قَسْرًا بظِنة عامرٍ

*ولا ينجُ إلا في الصِّفادِ يزيدُ

والأصل فيه: متى تُثْقفوا تؤخذوا، والقسر: القهر، والظنة: التهمة، والصِّفاد: ما يوثق به الأسير”.

حكم حذف فعل الشرط مع الأداة:

يجوز حذف فعل الشرط مع الأداة إن كان في الكلام ما يدل عليهما، ومن ذلك قوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـَكِنّ اللّهَ قَتَلَهُمْ} [الأنفال: 17] قال العلماء: الآية على تقدير: إن افتخرتم بقتلهم؛ فلم تقتلوهم أنتم؛ ولكن الله قتلهم، ومن ذلك قوله تعالى: {فَاللّهُ هُوَ الْوَلِيّ} [الشورى: 9] قال العلماء: تقديره: إن أرادوا وليًّا بحق؛ فالله هو الولي بالحق لا ولي سواه، ومن ذلك قوله تعالى: {يَعِبَادِيَ الّذِينَ آمَنُوَاْ إِنّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56] قال العلماء: تقديره: إن لم يتأتَّ أن تلخصوا لي في أرض؛ فإياي في غيرها فاعبدون، ومن ذلك أمثلة الفاء المسماة بالفصيحة، وهي التي تفصح عن شرط مقدر؛ كما في قولنا: المتحابان في الله في ظل العرش يوم القيامة؛ فاحرص على أن تكون محبتك في الله، والتقدير: إذا تقرر ذلك فاحرص على أن تكون محبتك في الله.

ومن ذلك عند كثيرين من النحاة: حذف فعل الشرط وأداة الشرط حذفًا مطَّردًا في جواب الطلب؛ لأن المضارع المجزوم في جوابه يكون عندهم جوابًا لشرط محذوف مع الأداة؛ كما في قوله تعالى: {رَبّنَآ أَخّرْنَآ إِلَىَ أَجَلٍ قَرِيبٍ نّجِبْ دَعْوَتَكَ} [إبراهيم: 44]؛ فالتقدير عندهم: إن تؤخرنا نجبْ دعوتك، وكقوله تعالى: {قَدْ جَآءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتّبِعْنِيَ أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} [مريم: 43]، والتقدير عندهم: إن تتبعني أهدك صراطًا سويًّا.

حكم حذف أداة الشرط وحدها:

قال المرادي: لا يجوز حذف “إن”، ولا غيرها من أدوات الشرط خلافًا لمن جوَّز ذلك في “إن”:

قال: ويرتفع الفعل بحذفها، وجعل منه قولَ الشاعر:

وإنسانُ عيني يحسِرُ الماءُ تارةً

*فيبدو وتاراتٍ يجِمُّ فيغرَق

وهو ضعيف.

وقال السيوطي: لا يجوز حذف أداة الشرط وحدها، وإن كانت “إنْ” في الأصح، وجوَّز بعضهم حذف “إنْ”؛ فيرتفع الفعل، وتدخل الفاء إشعارًا بذلك، وخُرِّج عليه قوله تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ} [المائدة: 106].

قلت: فالأصل عند المجزين: إن يحسِرُ الماءُ، وإن تحبسوهما، ولا شك أن هذا القول فيه تكلف شديد.

حكم حذف الشرط والجواب معًا:

لا يجوز حذف الشرط والجواب معًا إلا بثلاثة شروط:

الأول: العلم بهما.

الثاني: كون الأداة: “إنْ”.

الثالث: كون ذلك في ضرورة الشعر.

ومن شواهد ذلك: قول رؤبة بن العجاج:

قالت بناتُ العم يا سلمَى

*وإن كان فقيرًا معدمًا قالت وإن

 

فقوله: “وإنْ” في آخر البيت على تقدير: وإن كان فقيرًا معدمًا رضيتو، وقد ورد حذفهما مع غير “إنْ” وفي غير ضرورة الشعر مع بقاء بعض الشرط وبعض الجواب، ومن ذلك ما حكاه ابن الأنباري من قولهم: من يسلمْ عليكَ؛ فسلِّمْ عليه؛ ومن لا فلا، وما ورد في حديث أبي داود: ((من فعل؛ فقد أحسن، ومن لا؛ فلا)) فاشتراط كون الأداة “إنْ”، وضرورة الشعر للحذف التام للشرط والجواب.

error: النص محمي !!