Top
Image Alt

أحكام ألفاظ العدد من حيث التذكير والتأنيث

  /  أحكام ألفاظ العدد من حيث التذكير والتأنيث

أحكام ألفاظ العدد من حيث التذكير والتأنيث

يقول ابنُ مالك في بيان ذلك:

ثَلاثَةً بِالتَّاءِ قُل لِلعشرَه

*فِى عَدِّ مَا آحادُهُ مَذَكرَه

فِى الضِّدِّ جَرِّد والمُمَيِّزَ اجرُرِ

*جَمعًا بِلَفظِ قِلَّةِ فِي الأكثَرِ

وقبل الحديث عما ذكره من الأحكام، نذكر أنواعَ ألفاظ العدد بالنسبة إلى الاستعمال، وهي أربعة:

النوع الأول: مفرد وهو عشرة ألفاظ: واحد، واثنان، وعشرون، وثلاثون، وأربعون، وخمسون، وستون، وسبعون، وثمانون، وتسعون.

النوع الثاني: مضاف وهو أيضًا عشرة ألفاظ: ثلاثة، وأربعة، وخمسة، وستة، وسبعة، وثمانية، وتسعة، وعشرة، ومائة، وألف.

النوع الثالث: مركب، وهو تسعة ألفاظ: أحد عشر، واثنا عشر، وثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر، وستة عشر، وسبعة عشر، وثمانية عشر، وتسعة عشر.

النوع الرابع: معطوف، وهو: أحد وعشرون إلى تسعة وعشرين، وأحد وثلاثون إلى تسعة وثلاثين، وأحد وأربعون إلى تسعة وأربعين، وأحد وخمسون إلى تسعة وخمسين… وهكذا. حتى نصل إلى أحد وتسعين وإلى تسعة وتسعين.

أولًا: حكم الواحد والاثنين:

الحكم الأول: الواحد والاثنان يجريان على القياس في التذكير والتأنيث، فيذكران مع المذكر ويؤنثان مع المؤنث، فتقول: زارني واحد من الرجال، وواحدة من النساء، وقابلت اثنين من الرجال، واثنتين من النساء، ويجوز: ثنتين من النساء في لغة بني تميم، والأولى لغة الحجازيين. ومثلهما في جريانه على القياس في التذكير والتأنيث العشرة إذا ركُبت فتقول: زارني أحد عشر رجلًا، وفي المسجد إحدى عشرة امرأة، وكذلك ما يُصاغ من العدد على وزن فاعل فإنه يذكر مع المذكر ويؤنث مع المؤنث، فتقول: الجزء الرابع، والجزء الرابع عشر، والمقالة الخامسة، والمقالة الخامسة عشرة.

الحكم الثاني من أحكام الواحد والاثنين:

أنهما لا يُضافان إلى المعدود ولا يُجمع بينهما وبينه، فلا يصح أن يقال: جاءني واحد رجل، ولا: واحدة امرأة، ولا يصح أن يقال: جاءني اثنا رجلين، ولا اثنتا امرأتين، بل الفصيح أن يقال: جاءني رجل، وجاءتني امرأة، وجاءني رجلان، وجاءتني امرأتان، ورجل يفيد الجنسيةَ والوحدة، وكذلك امرأة، ورجلان يفيد الجنسية وشفعَ الواحد، وكذلك امرأتان، فلا حاجةَ للجمع بين العدد والمعدود في الواحد والاثنين.

وقد شذ في هذا قول الراجز:

كأن خصييه من التدلدل

*ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل

لأنه جمع بين العدد والمعدود، فأضاف ثنتان إلى المعدود وهو حنظل، والقياس أن يقول: فيه حنظلتان، وهذا الرجز في هجاء شيخ مسن، وخصييه مثنى خصية، وحذف التاء فيه للضرورة، والقياس: خُصيتيه، والتدلدل: تحرك الشيء المعلق واضطرابه، وظرف العجوز: الجراب الذي تحفظ فيه أدواتها.

ومن شواهد هذا الموضع قوله تعالى: {وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتّخِذُواْ إِلـَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنّمَا هُوَ إِلـَهٌ وَاحِدٌ} [النحل: 51] وقوله تعالى: {وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ} [الأنعام: 144] وقول الشاعر:

وقالوا لنا ثنتان لا بد منهما

*صدور رماح أشرعت وسلاسل

ثانيًا: حكم الثلاثة إلى العشرة:

الثلاثة والعشرة وما بينهما لكل لفظ منها ثلاثة أحوال:

الأول: أن يقصد به العدد المطلق.

والثاني: أن يقصد به معدودٌ ولا يذكر.

والثالث: أن يقصد به معدود ويذكر.

ففي الحالة الأولى التي لم يقصد فيها معدود وقصد فيها العدد المطلق تكون دائمًا بالتاء في أخرها، نحو: ثلاثة نصف ستة، وأربعة نصف ثمانية، ولا تنصرف في هذا الاستعمال؛ لأنها أعلام مؤنثة، وأما دخول “أل” عليها في قولهم: الثلاثة نصف الستة، فهو مثل دخولها على بعض الأعلام، كقول العرب: إلهة وهو من أسماء الشمس، والإلهة، وقولهم: شعوب وهو علم على المنية، والشعوب، وهو من قولهم: شعب القوم فرقهم، سميت بذلك؛ لأنها تفرق الخلق، ويستعمل شعب أيضًا بمعنى جمع، فهو من الأضداد.

وإذا قصد بهذه الألفاظ معدودٌ ولم يذكر -وهي الحالة الثانية- فالفصيح أن تكون بالتاء إن كان المعدود مذكرًا، وبحذف التاء إن كان المعدود مؤنثًا، فتقول: صمت ثلاثة أو أربعة أو خمسة، تريد أيامًا، وتقول: سهرت ستًّا أو سبعًا أو ثمانيًا أو تسعًا، تريد ليالي، ويجوز مع المذكر حذفُ التاء كما في قوله تعالى: {يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: 234] إذ المراد: وعشرة أيام، وكما في الحديث: ((مَن صام رمضانَ ثم أتبعه بست من شوال…)) إذ المراد بستة أيام.

وإذا قصد بهذه الألفاظ معدود وذكر وهي الحالة الثالثة نحو: صمت ثلاثة أيام، وسهرت خمس ليالٍ، فالواجب أن تكون مع المذكر بالتاء ومع المؤنث بدونها كما في المثالين، وكما في قوله تعالى: {سَخّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً} [الحاقة: 7] وإنما جمعوا في الثلاثة والعشرة وما بينهما بين العدد والمعدود؛ لأنهم قصدوا إفادةَ العدة والجنس، والعدد يفيد العدة ولا يفيد الجنس، والمعدود يفيد الجنس دون العدة.

قال ابن مالك في (شرح التسهيل): “وإنما حذفت التاء من عدد المؤنث وأثبتت في عدد المذكر في هذا القسم؛ لأن الثلاثة وأخواتها أسماء جماعات: كزمرة وأمة وفرقة، فالأصل أن تكون بالتاء لتوافق نظائرها، فاستصحب الأصل مع المذكر لتقدم رتبته وحُذف مع المؤنث فرقًا؛ لتأخر رتبته، وهذا الحكم واجب ما دام المعدود مذكورًا بعد العدد، فلو قدم المعدود وجعل اسم العدد صفة له جاز إجراء القاعدة وتركها، كما لو حذف المعدود، فيجوز أن تقول: مسائل تسع، ومسائل تسعة، وأن تقول: رجال تسعة، ورجال تسع.”، ومعنى قول ابن مالك:

ثَلاثَةً بِالتَّاءِ قُل لِلعشرَه

*فِي عَدِّ مَا آحادُهُ مَذَكرَه

إذا عددتَ ما كانت آحاده مذكرة بهذه الألفاظ، وهي من الثلاثة إلى العشرة، فاجعلها بالتاء، وقوله: “فالضد جرد” معناه: أنه إذا كان المعدود آحاده مؤنثة، فاجعل هذه الألفاظ مجردةً من التاء.

ما يعتبر في التذكير والتأنيث:

المعدود مع الثلاثة والعشرة وما بينهما لا بد أن يكون جمعًا أو دالًّا على الجمع، والدال على الجمع وليس جمعًا شيئان؛ اسم الجمع واسم الجنس، فالأقسام ثلاثة، فالجمع ما دل على جماعة وله واحد من لفظه نحو: مسلمون، ورجال، وأعمدة، وأسود، ويعرف: بأنه ما دل على آحاده دلالة تكرار الواحد بالعطف، واسم الجمع ما دل على جماعة دلالة كلية، نحو: قوم، ورهط، وطائفة، وجماعة.

ويعرف: بأنه ما دل على آحاده دلالة الكل على أجزائه، والغالب أنه لا يكون له واحد من لفظه كما في الأمثلة التي ذكرناها، ومن غير الغالب نحو: ركب وصحب، واسم الجنس: ما يدل على الحقيقة والماهية، مثل: ماء وتراب، وتمر وسدر، وهو قسمان:

  • اسم جنس إفرادي: وهو ما دل على الحقيقة والماهية لا بقيد قلة أو كثرة، كماء وتراب، وعسل وقمح، وأرز ونحو ذلك.
  • اسم جنسي جمعي: وهو ما وُضِعَ للماهية واستعمل في الجمع، ويفرق بينه وبين واحده بالتاء غالبًا نحو: تمر وسدر، وبقر وشجر، فهذه الأسماء إذا زِيدت عليها التاء دلت على الواحد، نحو: تمرة وسدرة، وبقرة وشجرة، وقد يفرق بينه وبين واحده بياء مشددة نحو: زنج، وروم، وعرب، فهذه الأسماء إذا زيدت عليها ياء مشددة دلت على الواحد نحو: زنجي، ورومي، وعربي.

ولا بد لدارس باب العدد من معرفة ما يعتبر في التذكير والتأنيث مع كل من الجمع واسم الجمع واسم الجنس.

وفيما يلي تفصيل ذلك:

أولًا: ما يعتبر في التذكير والتأنيث إذا كان المعدود جمعًا:

مذهب سيبويه والجمهور: أنه إذا كان المعدود جمعًا، فالذي يعتبر في تذكير العدد أو تأنيثه هو حال المفرد، فإن كان المفرد مذكرًا أنِّث عددُه، كما في قوله تعالى: {وَثَمَانِيَةَ أَيّامٍ} لأن مفرد الأيام يوم وهو مذكر، وإن كان المفرد مؤنثًا ذكر عدده، كما في قوله تعالى: {سَبْعَ لَيَالٍ} لأن مفرد الليالي ليلة، وهي مؤنثة، وعلى هذا جاء قول العرب: ثلاثة إسطبلات، وثلاثة حمامات، بتأنيث العدد اعتبارًا بمفرد المعدود وهو الإسطبل والحمام، والإسطبل -بالصاد وبالسين-: مأوى الدواب، كما يقولون: ثلاث سحابات، بتذكير العدد اعتبارًا بمفرد المعدود وهو سَحابة، وهي مؤنثة، وخالف في ذلك البغداديون والكسائي، فذهبوا إلى اعتبار لفظ الجمع جوازًا، فيجوز عندهم أن يقال: ثلاث إسطبلات، وثلاث حمامات، وثلاث سجلات، مع أن المفرد في جميع ذلك مذكر؛ لأن المعتبر حينئذٍ لفظ الجمع وهو مؤنث، فيذكر العدد لذلك. والمذهب المعتمد عند المتأخرين هو مذهب سيبويه والجمهور.

وقد اختلف النحويون في المفرد الذي يعتبر حاله عند تذكير العدد أو تأنيثه، هل يُنظر إلى لفظه أم إلى معناه، أم إلى شيء آخر؟

وفي ذلك ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن الاعتبار في الواحد باللفظ، ولا يجوز مراعاة معناه إلا إذا اتصل بالكلام ما يقوي المعنى، أو كان المفرد يكثر فيه قصد المعنى، فيقال: ثلاثة أشخُص؛ لأن لفظ شخص مذكر، وإن كان المراد بذلك نِسوة، ويقال: ثلاث أعين؛ لأن لفظ عين مؤنث، وإن كان المراد بذلك رجال جواسيس.

فإن اتصل بالكلام ما يقوي المعنى جاز مراعاة المعنى، كما في قول عمر بن أبي ربيعة:

فكان مجني دون مَن كنت أتقي

*ثلاث شخوص كاعبان ومعصر

فمراعاة لفظ المفرد هنا تقتضي أن يقول: ثلاثة شخوص؛ لأن لفظ شخص مذكر، لكن الشاعر أراد بالشخوص نساءً، فصار معنى المفرد مؤنثًا. وقد جاء في كلام الشاعر ما يقوي المعنى المراد ويعضده وهو قوله: “كاعبان ومعصر” والمعنى: أن الشخوص المذكورة من النسوة.

فلهذا جاز للشاعر مراعاة معنى شخص وهو التأنيث الذي أراده. قال المصرح: والكاعب الجارية حين يبدو ثدييها للنهوض، والمعصر: الجارية أول ما أدركت، سميت بذلك؛ لأنها دخلت في عصر الشباب.

ومثل هذا البيت في جواز مراعاة المعنى لوجود ما يقويه ويعضه، قول رجل من بني كلاب:

وإن كلابًا هذه عشر أبطن

*وأنت بريء من قبائلها العشر

فمراعاة لفظ مفرد أبطن وهو بطن، يقتضي أن يقول: عشرة أبطن؛ لأن البطنَ مذكر بحسب اللفظ، لكن الشاعر أراد به القبيلة فصار معناه مؤنثًا.

وقد اعتبر الشاعر هذا المعنى المؤنث؛ لأن في الكلام ما يقويه ويعضده وهو الإشارة بلفظ “هذه” وعود الضمير بالتأنيث في الحديث عن كلاب المخبر عنها بقوله: “عشر أبطن”.

وكذلك الأمر في جواز مراعاة معنى المفرد إذا كثر فيه قصد ذلك المعنى، كقول الشاعر:

ثلاثة أنفس وثلاث زود

*لقد جار الزمان على عيالي

والشاهد في قوله: “ثلاثة أنفس” فإن مفرد الأنفس نفس، والنفس مؤنثة لفظًا، فلو اعتبر الشاعر لفظها لوَجَب أن يقول: ثلاث أنفس بتذكير العدد، لكن جازت له مراعاة معنى المفرد، وهو “نفس” من جهة أنها كثر فيها استعمالها مقصودًا بها إنسان، فجاز له مراعاة المعنى لذلك.

القول الثاني: أن الاعتبار في الواحد بالمعنى لا باللفظ: وإلى ذلك ذهب ابن مالك في (التسهيل) حيث قال: “تُحذف تاء الثلاثة وأخواتها إن كان واحدُ المعدود مؤنثَ المعنى حقيقةً أو مجازًا. ثم قال: ورب ما أول مذكر بمؤنث ومؤنث بمذكر، فجِيء بالعدد على حسب التأويل”. ومثَّل الدماميني بذلك بأنه يقال: ثلاثة طلحات -بالتاء- لأن طلحة وهو المفرد معناه مذكر، ومثل له بنحو: ثلاث شخوص إذا أريد به نسوة؛ لأن الشخص حينئذٍ معناه مؤنث، وبنحو: عشر أبطن، إذا أريد بالأبطن قبائل، فيكون المفرد وهو بطن مؤولًا بمؤنث وهو القبيلة، وبنحو: ثلاثة أنفس، بمعنى أشخاص؛ لأن المفرد حينئذٍ مؤنث أول بمذكر، ونحو، تسعة وقائع، بمعنى مشاهد؛ لأن المفرد حينئذ وهو واقعة مؤنث أول بمذكر، وهو مشهد.

القول الثالث: أنه لا يعتبر من حال الواحد حال لفظه ولا حال معناه، بل ينظر إلى ما يستحقه المفرد باعتبار ضميره، فيعكس حكمه في العدد، فكما تقول: طلحة حضر، وهند شخص جميل، بالتذكير فيهما، تقول: ثلاثة طلحات، وثلاثة أشخص بالتاء فيهما، وهذا القول ذهب إليه ابن هشام في (أوضح المسالك) فلا يجوز عنده: ثلاث طلحات، بترك التاء باعتبار لفظ المفرد، ولا: ثلاث أشخص، بترك التاء باعتبار معنى شخص عند إرادة النسوة، ووصف ما جاء في شعر عمر بن أبي ربيعة من قوله: “ثلاث شخوص” بأنه ضرورة، سهلها قوله: “كاعبان ومعصر” قال: ومع ذلك ليس بقياس خلافًا للناظم.

والذي يبدو لي رجحانه من هذه الأقوال هو ما ذهب إليه ابن هشام؛ لأن النحويين يقيسون التذكير والتأنيث في اسمي الجنس والجمع بالضمير الراجع إليهما، وهذا يرجح أن يكون الضمير مقياسًا بنسبة لمفرد الجمع، وعلى هذا يحمل ما خالف هذا المذهب على الضرورة كما في قول عمر بن أبي ربيعة، وكما في قول الكلابي: “عشر أبطن” وكما في قول الآخر: “ثلاثة أنفس”.

وإذا كان المعدود الجمع صفة منويًّا موصوفها كما في قوله تعالى: {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] والأصل والتقدير: فله عشر حسنات أمثالها، فإننا لا نعتبر في التذكير والتأنيث مفردَ الصفة المذكورة، بل نعتبر فيهما حال مفرد الموصوف المنوي، ففي هذه الآية الموصوف المنوي هو حسنات، ومفرد الحسنات حسنة وهي مؤنثة، ولهذا ذكر العدد فقيل: {عَشْرُ أَمْثَالِهَا} فالاعتبار فيها لمفرد الموصوف المنوي، ولولا ذلك الاعتبار لقيل: عشرة أمثالها؛ لأن واحد الأمثال وهو مثل مذكر، فلو اعتبر لأنث له العدد. وفي (التصريح):”تقول: عندي ثلاثة ربعات، بالتاء في ثلاثة، إن قدرت الموصوف رجالًا، وبتركها إن قدرت الموصوف نساءً؛ لأن ربعات في الأصل اسم، ثم استعملت في الصفة وهي جمع ربعة يُوصف بها المذكر والمؤنث، يقال: رجل ربعة، وامرأة ربعة، وهو المربوع لا طويل ولا قصير”. واعتبار توهم الموصوف كاعتبار نيته، ولهذا ترى العرب يقولون: ثلاثة دواب بالتاء، إذا قصدوا ذكورًا؛ لأن الدابة صفة في الأصل غلبت عليها الاسمية، فكأنهم قالوا: ثلاثة أحمرة دواب، وسُمع من كلامهم: ثلاث دواب ذكور، بترك التاء؛ لأنهم اعتبروا تأنيثَ اللفظ وأجروا الدابة مجرى الاسم الجامد، فلا يجرونها على موصوف.

تنبيهان:

التنبيه الأول: إذا كان المعدود الجمع مفرده علم نحو: طلحات وهندات، لم يعتبر في التذكير والتأنيث لفظ ذلك المفرد، بل يعتبر معناه فيقال: ثلاثة الطلحات، وخمس الهندات؛ لأن واحد الطلحات وهو طلحة مذكر في معناه، فيؤنث له العدد، وواحد الهندات وهو هند، مؤنث في معناه فيذكر له العدد.

التنبيه الثاني: إذا كان في المعدود لغتان التذكير والتأنيث كالحال والطريق والسبيل، جاز في العدد حذف التاء وإثباتها، فتقول: ثلاث أحوال وثلاثة أحوال، وثلاث طرق وثلاثة طرق، وثلاث سبل وثلاثة سبل.

ثانيًا: ما يُعتبر في التذكير والتأنيث إذا كان المعدود اسمَ جمع أو اسمَ جنس:

قال ابن هشام -ومعه المصرح-: يعتبر التذكير والتأنيث مع اسمي الجمع والجنس بحسب حالهما باعتبار عود الضمير عليهما تذكيرًا وتأنيثًا، فيعطى العدد عكس ما يستحقه ضميرهما، فإن كان ضميرهما مذكرًا أنث العدد، وإن كان مؤنثًا ذكر العدد. فتقول في اسم الجنس: ثلاثة من الغنم عندي بالتاء في ثلاثة، لأنك تقول: غنم كثير بالتذكير للضمير المستتر في: كثير، وتقول: ثلاث من البط بترك التاء من ثلاث؛ لأنك تقول: بط كثيرة بالتأنيث للضمير المستتر في: كثيرة، وتقول: ثلاثة من البقر بالتاء، أو ثلاث بتركها؛ لأن ضمير البقر يجوز فيه التذكير والتأنيث باعتبارين، وذلك أن في البقر لغتين: التذكير والتأنيث، قال الله تعالى: {إِنّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [البقرة: 70] بتذكير الضمير وقرئ: “تشابهت” بتأنيثه.

وهذا الحكم قرره الأشموني أيضًا في شرحه لـ(لألفية) إلا أنه استثنى منه حالتين؛ فهو يقول: أما مع اسمي الجنس والجمع فالعبرة بحالهما، فيعطى العدد عكس ما يستحقه ضميرهما، فتقول: ثلاثة من القوم، وأربعة من الغنم بالتاء؛ لأنك تقول: قوم كثيرون، وغنم كثير، بالتذكير، وثلاث من البط، بترك التاء؛ لأنك تقول: بط كثيرة، بالتأنيث، وثلاثة من البقر أو ثلاث؛ لأن في البقر لغتين: التذكير والتأنيث، قال تعالى: {إِنّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} وقرئ: “تشابهت”. هذا ما لم يفصل بينهم وبين العدد صفة دالة على المعنى، وإلا فالمراعى هو المعنى، أو يكن نائبًا عن جمع المذكر؛ فالأول: نحو: ثلاث إناث من الغنم، وثلاثة ذكور من البط، ولا أثرَ للوصف المتأخر كقولك: ثلاثة من الغنم إناث، وثلاث من البط ذكور، والثاني: نحو: ثلاثة رجلة، فرجلة اسم جمع مؤنث، إلا أنه جاء نائبًا عن تكسير راجل على أرجال، فذُكر عدده كما يفعل بالمنوب عنه.

وخلاصة ما ذكره ابن هشام والمصرحُ والأشموني:

أن العدد مع اسم الجنس واسم الجمع يعطَى من حيث التذكير والتأنيث عكسَ ما يكون عليه ضميرهما، إلا في حالتين:

الأولى: إذا فصل بين العدد وبين اسم الجنس أو اسم الجمع بما يدل على جنس المعدود، فيجب حينئذٍ مراعاة ما يدل عليه هذا الفاصل.

الثاني: إذا كان المعدود نائبًا عن مذكر، فيجب حينئذٍ مراعاة المنوب عنه.

والمشهور عند النحويين أن اسم الجنس من حيث التذكير والتأنيث ثلاثة أنواع:

النوع الأول: واجب التذكير، وهو ستة ألفاظ: رطب وسدر وعنب وغنم وقمح وموز.

النوع الثاني: واجب التأنيث، وهو لفظان لا ثالثَ لهما وهما: بط ونحل.

النوع الثالث: جائز التذكير والتأنيث، وهو ما عَدَا ذلك من أسماء الجنس ومنه: نخل وبقر وكلم.

والمشهور عند النحويين أيضًا أن اسم الجمع من حيث التذكير والتأنيث ثلاثة أنواع:

النوع الأول: واجب التذكير، ومنه: قوم ورهط ونفر.

النوع الثاني: واجب التأنيث، ومنه: إبل وخيل وزود ونسوة ونساء وجامل وباقر.

النوع الثالث: جائز التذكير والتأنيث، ومنه: ركب، وقيل: ومنه إبل، ففيه قولان؛ قال السيوطي: والمدرك في وجوب تذكير البعض ووجوب تأنيث البعض وجواز الأمرين في البعض، إنما هو السماع.

error: النص محمي !!