Top
Image Alt

أحكام التوكيل بالبيع والشراء

  /  أحكام التوكيل بالبيع والشراء

أحكام التوكيل بالبيع والشراء

يجوز أيضًا للموكل أن يوكل غيره بالبيع، وهذه الوكالة إما أن تكون مطلقة أو مقيدة، وحالة الإطلاق هذه اختلف الفقهاء فيها، فقالوا: هل يعمل الوكيل بمقتضى الإطلاق؟

قال أبو حنيفة: يعمل بمقتضى الإطلاق، فيجوز للوكيل أن يبيع ما وكل ببيعه, وما وكل ببيعه يجوز أن يبيعه بثمن المثل وبأي ثمن, قليلًا كان أو كثيرًا، حتى ولو كان فيه غبن فاحش، ولو أن يبيعه بالثمن الحالي والمؤجل، وله أن يبيعه بغير ثمن البلد ما دام الوكيل وكل الشخص بالبيع على الإطلاق، فيعمل بمقتضى الإطلاق.

والجمهور وهم المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد قالوا: حالة الإطلاق لا تجيز للوكيل أن يبيع ما وكل فيه إلا بما يتبايع به الناس، كأنهم نظروا إلى أن عرف الناس يتحقق بأن يكون البيع بغالب نقد البلد، وأن يكون بالثمن المؤجل؛ لأنه إذا وكل شخصًا ببيع، فكأنه قال له: اقبض ثمنها وأعطني الثمن, فيكون البيع بالنقد الحالي وبثمن المثل؛ أي: لا يقبل منه أن يبيع له بالثمن الذي يغبن فيه كثيرًا، أي: يهضم الحق فيه.

والرأي الراجح -إذا كان هناك إطلاق في البيع- هو رأي الجمهور؛ لأن الوكيل منهيّ عن الإضرار بالموكل ومأمور بالنصح له، وإذا تم الأخذ برأي أبي حنيفة، وأُخذ الأمر على إطلاقه، فباع بثمن المثل أو بأقل منه أو كذا أو كذا من الأمور التي أجازها أبو حنيفة، فهذا كله فيه إضرار بالموكل، هذا في الإطلاق.

أما حالة التقييد؛ فهي التوكيل بالبيع مقيدًا بقيد معين, فما دام الموكل قيد الوكيل في التصرف فإنه لا بد وأن يراعي العمل بالقيد الذي قيده به اتفاقًا، إلا إذا كان القيد عبارة عن شرط مبطل للعقد، كأن يقول: بع بأجل مجهول, فهذا لا يعمل به، بع هذه السلعة -ولتكن مثلًا غلالًا أو مثلًا قمحًا- بخمر، هذا لا يجوز؛ لأن هذا الشرط محرم حتى لو رضي الموكل بذلك.

إذا كان الشرط صحيحًا وخالف الوكيل ما قيده به الموكل؛ لا ينفذ تصرفه، وسوف نتكلم بعد ذلك عن حكم إذا ما خالف الوكيل الموكل حالة التوكيل بالشراء، وهي إذا وكل شخص غيره بالشراء، إما أن تكون الوكالة بالشراء مطلقة أو مقيدة، والرأي يختلف أيضًا هنا.

فعن حكم تصرفات هذا الوكيل في حالة الإطلاق, يقول أبو حنيفة: يعمل بمقتضى الإطلاق كما قال هناك في الشراء, حتى إنه قال: لو أن شخصًا وكل شخصًا بشراء دار، فالشراء لازم للموكل حتى ولو كانت الدار ليست فيها مرافق من مياه وكهرباء وخلافة؛ لأن اسم الدار عند الإطلاق ينطبق على كاملة المرافق وناقصتها.

بينما يذهب غير أبي حنيفة إلى أن هذا لا يجوز أو لا يعمل به، وإنما يتقيد هذا الإطلاق بالعرف، أي: إن العرف يقول: أنا لا أنتفع بالدار التي أسكنها إلا بوجود هذه المرافق، وعليه فجمهور الحنفية الذين أرادوا أن يجمعوا بين الرأيين، قالوا لمنع الاختلاف الذي قد يحدث بين الموكل والوكيل، ونكون قد جمعنا بين رأي أبي حنيفة ورأي صاحبيه، ومنعنا الاختلاف.

إذًا: لا بد للموكل الذي يوكل غيره بشراء الشيء أن يسميه له؛ أي: أن يقول: هو الشيء الفلاني، ويبين له جنسه وصفته ومقداره؛ حتى يكون الوكيل عالمًا بما وُكِّل فيه ويستطيع الامتثال، ويقدر على التنفيذ وفقًا لما أراده الوكيل، هذا ما قاله الحنفية في الوكالة بالشراء؛ حتى لا يحدث هذا الخلاف الذي بين أبي حنيفة وصاحبيه.

وبالنسبة لحالة التقييد في البيع، إذا كانت الوكالة مقيدة بشرط معين أو بشروط معينة؛ فعلى الوكيل أن يراعي الالتزام بالقيد ما أمكنه ذلك, أي: إن هذا القيد قد يعود إلى الشيء المشترى, مثل أن يقول الموكل: اشتر لي سيارة صناعة دولة كذا، فإذا اشترى له خلاف ذلك، فلا يلزم الموكل بالشراء، وعلى الوكيل أن يتحمل هذا الشراء، ويلزم الوكيل به.

أيضًا هناك مخالفة قد تحدث لكونها مخالفة للثمن, مثل أن يقول الموكل للوكيل: اشتر لي سيارة بكذا, فاشترى له بأكثر مما حدده له، فيلزم الوكيل هذا الشراء، ولا يلزم الموكل بالشراء؛ لمخالفته أمره.

وصور المخالفة كثيرة، لكن هناك مخالفة لا تؤثر, أي: إنها قد تكون إلى خير أو إلى مصلحة تعود على الموكل, فمثلًا: إذا قال الموكل للوكيل: اشتر لي سيارة بثمانين ألفًا, فاشتراها بتسعين وهذه فيها زيادة، كان من الممكن أن نقول: إن هذه تلزم الوكيل ولا تلزم الموكل، لكن بالبحث تبين أن الوكيل عنده مهارة في الشراء، فهذه السيارة مثلها يشترى بمائة, فالمخالفة هنا بزيادتها من ثمانين إلى تسعين، حيث إن الوكيل قد راعى فيها المصلحة فاشتراها؛ لأنها تشترى بمائة, فكان في هذا الشراء مصلحة تعود على الموكل، ويعود عليه بالخير في التوفير، ولا يعد هذا خلافًا في المعنى.

أيضًا هناك مخالفة لا يكون لها تأثير؛ لأنه خالف قيدًا لا فائدة منه، ولا نستطيع أن نلزم الوكيل بهذا البيع، فمثلًا: إذا قال الموكل: اشتر لي سيارة لونها كذا، فاشتراها له بلون قريب من اللون الذي طلبه، فعلى هذا يمكن أن نقول: إنه ليس هذا مما يدعو إلى إلزام الوكيل بهذه السيارة، ولا نلزم الموكل بها لمخالفة اللون مخالفة بسيطة.

بقي شيء هنا، وهو حكم مخالفة الوكيل للموكل، وهو أنه قد تكون هذه المخالفة في الشراء فيخالف في الثمن, وقد تكون في الوصف؛ فقد تكون المخالفة في جنس الثمن، فيأمره بأن يبيع له سلعة معينة بجنس معين من الثمن, فيبيعها بجنس آخر، كما لو كان أمره أن يبيع السلعة بالدينار فباعها بدراهم، فالمخالفة في القدر.

أيضًا الأمر الثاني: أن يخالف الوكيل الموكل في البيع, من ناحية تحديد المكان والزمان من الموكل، فقد يحدد البائع للوكيل مكانًا وزمانًا للبيع، فيخالف الوكيل للموكل في ذلك.

أيضًا قد تكون هناك مخالفة في بيع البعض وهو الأمر الثالث؛ كأن يعطي له مثلًا خمسة أرادب من الحبوب, فيبيع اثنين ولا يبيع الباقي.

الأمر الرابع: أن يخالف في جنس المبيع, بأن يأمر الموكل الوكيل بأن يبيع سلعة معينة من السلع الموجودة في المحل، فيبيع غيرها.

فكل هذه المخالفات في جانب البيع, أو في جانب الشراء لها تفصيلات كثيرة.

هذا بالنسبة للمخالفة في البيع، وكذلك المخالفة في الشراء تأخذ نفس الصورة, ولها تفصيلات كثيرة.

انتهاء عقد الوكالة:

عقد الوكالة ينتهي بواحد من عدة أمور: ينتهي بعزل الموكل للوكيل باتفاق العلماء, فإذا عزل الموكلُ الوكيلَ انتهت الوكالة؛ لأنها عقد غير لازم، ومن طبيعة العقد غير اللازم أنه يقبل الفسخ بالعزل، ويجوز للوكيل أن يعزل نفسه بشرط ألّا يتعلق بعزل الوكيل نفسه أو عزل الموكل له حق للغير، كما في مثال الرهن السابق ذكره.

وتنتهي الوكالة أيضًا بأن يتصرف الموكل فيما وُكِّل فيه؛ أي: قال له: بع فباع، فانتهي الأمر الذي وكله فيه.

كذلك تنتهي بانتهاء المقصود من الوكالة, بأن قال له: وكلتك مثلًا في خصومة في أيام معينة أمام المحاكم، فانتهت هذه الأيام وانتهت المخاصمة فيها، فانتهت الوكالة.

كذلك تنتهي الوكالة بخروج الموكل أو الوكيل عن الأهلية، فإذا مات الموكل أو مات الوكيل, أو خرج كلٌّ منها عن أهليته بالجنون أو الحجر عليه, أو على هذا أو ذاك الوكيل أو الموكل -تنتهي الوكالة باتفاق المذاهب.

كذلك تنتهي الوكالة بهلاك العين الموكل فيها.

وتنتهي الوكالة أيضًا بإفلاس الموكل؛ فالوكالة إذا كانت بأعيان وأفلس الموكل وحجر عليها، وانتقلت أعيانها إلى الغرماء -انتهت الوكالة.

أيضًا إذا كانت الوكالة محددة بمدة معينة كالشهر أو الشهرين، وهي الوكالة المؤقتة بمدة؛ كما إذا قال شخص لآخر: وكلتك لمدة شهر، فإذا كانت محددة المدة كهذا التحديد تنتهي بانتهاء هذا الوقت عند الجمهور.

error: النص محمي !!