Top
Image Alt

أحكام الجرح والتعديل من حيث التشدد والتساهل ومصدر الكلام في الرواة

  /  أحكام الجرح والتعديل من حيث التشدد والتساهل ومصدر الكلام في الرواة

أحكام الجرح والتعديل من حيث التشدد والتساهل ومصدر الكلام في الرواة

اعتبار تشدد الإمام أو تساهله أو اعتداله في تقويم الرواة:

إن الخلاف بين أئمة الجرح والتعديل يقع فيمن يهمون في حديثهم كثيرًا، ولكن ليس الوهم هو الغالب عليهم، فبعضهم يرى ترك الرواية عن هؤلاء، وبعضهم يرى الرواية عنهم، وقد عرض الترمذي في (العلل الصغير) لذلك فقال: تكلم بعض أهل الحديث في قوم من جلة أهل العلم وضعفوهم من قبل حفظهم، ووثقهم آخرون لجلالتهم وصدقهم, وإن كانوا قد وهموا في بعض ما رووا، وذكر منهم محمد بن عمرو بن علقمة وغيره، قال التهانوي: لا يحل أن تأخذ بقول كل جارح في أي راوٍ كان، وإن كان ذلك الجارح من الأئمة أو من مشاهير علماء الأمة، أي: أن تأخذ بقوله وحده دون غيره من أئمة الجرح والتعديل، فكثيرًا ما يوجد أمر مانع من قبول جرحه، وله صور كثيرة؛ منها: أن يكون الجارح من المتشددين في الجرح؛ فإن هناك جمعًا من أئمة الجرح والتعديل تشددوا في هذا الباب، فيجرحون الراوي بأدنى جرح، ويطلقون عليه ما لا ينبغي إطلاقه، فمثل هذا الإمام توثيقه معتبر وجرحه لا يعتبر ما لم يوافقه غيره ممن هو أقل تشددًا، وذكر من هؤلاء المتشددين يحيى بن سعيد القطان، قال الذهبي في (الميزان) في ترجمة سفيان بن عيينة: يحيى بن سعيد القطان متعنت جدًّا في الرجال، وقال اللكنوي: ذكر في (الميزان) و(تهذيب التهذيب) وغيرهما من كتب أسماء الرجال في حق كثير من الرواة تركه يحيى القطان، فاعرف أن مجرد تركه لا يخرج الراوي عن حيز الاحتجاج به مطلقًا، قال: والذي يدل عليه قول الترمذي في كتاب العلل من آخر كتاب (الجامع) قال: علي بن المديني: لم يرو يحيى عن شريك ولا عن أبي بكر بن عياش, ولا عن الربيع بن صبيح, ولا عن المبارك بن فضالة، قال الترمذي: وإن كان يحيى ترك الرواية عن هؤلاء فلم يترك الرواية عنهم؛ لأنه اتهمهم بالكذب، ولكن تركهم لحال حفظهم.

وذكر عن يحيى القطان أنه كان إذا رأى الرجل يحدث عن حفظه مرة هكذا ومرة هكذا ولا يثبت على رواية واحدة تركه، قال الترمذي: وقد تكلم يحيى بن سعيد القطان في محمد بن عمرو ثم روى عنه، واستدل بقول علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد عن محمد بن عمرو بن عَلقمة فقال: تريد العفو أو تُشدد؟ فقال: لا؛ بل أشدد، فقال: ليس هو ممن تريد، كان يقول: حدثنا أشياخنا أبو سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال يحيى: وسألت مالك بن أنس عن محمد بن عمرو فقال فيه نحو ما قلت، قال يحيى: ومحمد بن عمرو أعلى من سهيل بن أبي صالح، وهو عندي فوق عبد الرحمن بن حرملة، قال علي: فقلت ليحيى ما رأيت من عبد الرحمن بن حرملة؟ قال: لو شئت أن ألقنه لفعلت، قلت: كان يلقَّن؟ قال: نعم.

وعلى ضوء ما سبق نحاول أن نُقوِّم اتهام يحيى بن سعيد بالتعنت في النقد بدراسة الأقوال في محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال ابن معين: لم يكونوا يكتبون حديث محمد بن عمرو حتى اشتهاها أصحاب الحديث فكتبوها.

وروى ابن عدي بسنده عن يحيى القطان قال: محمد بن عمرو رجل صالح ليس بأحفظ الناس للحديث، وروي عن ابن معين قال: محمد بن عمرو ثقة، وروي عن السعدي قال: ليس بقوي في الحديث ويشتهى حديثه، وقال ابن عدي: له حديث صالح، وقد حدّث عنه جماعة من الثقات كل واحد ينفرد عنه بنسخة ويغرب بعضهم على بعض، وروى عنه مالك في (الموطأ) وغيره، وأرجو أنه لا بأس به، وقال ابن حبان في (الثقات): كان يخطئ، وقال ابن أبي خيثمة: سئل ابن معين عن محمد بن عمرو فقال: مازال الناس يتقون حديثه، فقيل له: وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من روايته ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة, أي: يصل المرسل، وقال أبو حاتم: صالح الحديث يكتب حديثه وهو شيخ، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال مرة أخرى ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: هو وسط إلى الضعف ما هو، وقال ابن المبارك: لم يكن به بأس، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث يستضعف، وقد روى له البخاري مقرونًا بغيره، وروى له مسلم في المتابعات، قال ابن رجب: قال أحمد: كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها ويسندها لأقوام آخرين, هو مضطرب الأحاديث -أي في الأسانيد- قال أحمد: ولم يرو شعبة عن محمد بن عمرو إلا حديثًا واحدًا، ويظهر من متابعة روايات محمد بن عمرو أنه كان يخطئ في روايته عن أبي سلمة، فيقول: عن أبي سلمة عن أبي هريرة، والرواية مرسلة أو عن غير أبي هريرة.

من النماذج التي تدل على ذلك: قال الترمذي: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)) قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن زيد بن خالد عن النبي صلى الله عليه  وسلم وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة وزيد بن خالد عن النبي صلى الله عليه  وسلم كلاهما عندي صحيح؛ لأنه قد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه  وسلم هذا الحديث، وحديث أبي هريرة إنما صح؛ لأنه قد روي من غير وجه، وأما محمد بن إسماعيل فزعم أن حديث أبي سلمة عن زيد بن خالد أصح.

لقد عني الترمذي ببيان منهجه ومنهج البخاري من رواية محمد بن عمرو لهذا الحديث -حديث السواك- فذكر الترمذي الاختلاف في رواية الحديث عن أبي سلمة على محمد بن عمرو بن علقمة حيث قال مرة: عن أبي هريرة، ومرة: عن زيد بن خالد الجهني، ورأى البخاري أن أصل الرواية عن زيد بن خالد، وأن الرواية عن أبي هريرة لم تثبت لهذا الحديث من طريق أبي سلمة، وأخطأ محمد بن عمرو على أبي سلمة بذكر روايته لهذا الحديث عن أبي هريرة، فسلك الجادة أي: الرواية الغالبة له من هذا الطريق من غير إدراك منه لما أخطأ فيه، وهو وهم يخالف الضبط السليم.

ورأى الترمذي أن ورود الحديث من غير وجه عن أبي هريرة ولو من غير طريق أبي سلمة حيث رواه عنه سعيد بن أبي سعيد والأعرج وغيرهم رأى أن ذلك يمنع من التوقف في قبول رواية محمد بن عمرو لهذا الحديث عن أبي هريرة لاحتمال أنه أخذه عن أبي سلمة عنه، لكن هذا الاحتمال بعيد؛ لأن أحدًا لم يوافقه على رواية الحديث عن أبي سلمة، وفرق بين تصحيح الحديث لذاته وتصحيحه لوجود المتابعات لراويه عن غير شيخه الذي روى عنه.

إن البخاري يرى تضييق مجال المتابعة التي تٌعتمد بها رواية الراوي عن شيخه على المتابعة التامة التي يتابع فيها من غيره عن نفس شيخه لضمان سلامة السند في كل طبقة من طبقاته، وهذا التدقيق هو الذي يقال عنه تشديد، أما الترمذي فيرى أن المتابعة القاصرة التي يتابَع فيها الراوي عن الصحابي كافية لقبول الرواية وتصحيحها؛ لأن العمدة عنده على ثبوت المتن عن الصحابي الذي رواه والذي رويت عنه الرواية، تغليبًا لجانب الضبط عند الراوي الذي يهم أو ينفرد بما يشك أنه ضبطه عن الشيخ الذي أخذ عنه الحديث، وهذا التسهيل هو الذي يقولون عنه تساهل أو تسمح.

وفي كلا الوجهين لا بد أن يكون الراوي ضابطًا لمتن الحديث عن الصحابي الذي رواه، وألا تكون علة التوقف في قبول روايته مؤكدة أو ثابتة بما يدل على تحقق خطئه في رواية الحديث من غير احتمال لثبوت هذه الرواية، فالبخاري يعلل بما خفي من حال الراوي في روايته لقرائن تدل على ذلك، والترمذي لا يعتمد إلا أدلة ظاهرة لهذا التعليل.

كل طبقة من النقاد لا تخلو من متشدد ومعتدل:

أما النقطة الثانية فهي: أن كل طبقة من النقاد لا تخلو من متشدد ومعتدل، وقد قسم الذهبي من تكلم في الرجال إلى ثلاثة أقسام: قسم متعنت في الجرح متثبت في التعديل يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، فهذا إذا وثق شخصًا فعض على قوله بنواجذك -أي بأسنانك- وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلًا فانظر: هل وافقه غيره على تضعيفه؟ فإن وافقه ولم يوثق ذلك الرجل من أحد من الحذاق فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا هو الذي قالوا لا يقبل فيه الجرح إلا مفسرًا، يعني لا يكفي فيه قول ابن معين مثلًا: هو ضعيف من غير بيان لسبب ضعفه، ثم يجيء البخاري وغيره يوثقه، ومثل هذا يختلف في تصحيح حديثه وتضعيفه؛ ولهذا كان مذهب النسائي أن لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه، فكل طبقة من نقاد الرجال كما قال السخاوي لا تخلو من متشدد ومتوسط ومعتدل؛ فمن الأولى: شعبة والثوري، وشعبة أشدهما ومن الثانية: يحيى القطان وابن مهدي، ويحيى أشدهما، ومن الثالثة: ابن معين وأحمد، وابن معين أشدهما، ومن الرابعة: أبو حاتم والبخاري، وأبو حاتم أشدهما.

فأما إذا وثقه -أي وثق الراوي ابن مهدي- وضعفه القطان مثلًا فإنه لا يترك لما عرف من تشدد يحيى ومن هو مثله في النقد، وقال الذهبي: علماء الجرح والتعديل منهم من نفسه حاد في الجرح، وعد منهم يحيى القطان وابن معين وأبا حاتم وابن خراش وغيرهم، وعد ابن حجر منهم علي بن المديني.

ومنهم معتدل كأحمد والدارقطني وابن عدي، وأضاف الذهبي أبا زرعة.

ومنهم متسمح كالترمذي والحاكم والدارقطني في بعض الأوقات.

قال الذهبي: وقد يكون نفَس الإمام في ما وافق مذهبه أو في حال شيخه ألطف منه فيما كان بخلاف ذلك، قال: ولكن هذا الدين مؤيد محفوظ من الله -تعالى- لم يجمع علماؤه على ضلالة لا عمدًا ولا خطأ، فلا يجتمع اثنان على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة، وإنما يقع اختلافهم في مراتب القوة أو مراتب الضعف، يعني يضعه إمام في مرتبة أعلى من القوة وإمام في مرتبة أدنى، أو يضعه إمام في مرتبة يسيرة من الضعف ويضعه إمام في مرتبة أدنى من هذه المرتبة، قال: والحاكم منهم يتكلم بحسب اجتهاده وقوة معارفه فإن ندر خطؤه في نقده فله أجر واحد.

الحكم إذا كان الجرح باعثه المنافسة بين الأقران أو الخلاف في المعتقد:

ثالثًا: يتوقف في قبول الجرح إذا خُشي أن يكون باعثه الاختلاف في المعتقد أو المنافسة بين الأقران:

ومثال ذلك من الرواة إسحاق بن إبراهيم بن أبي إسرائيل أبو يعقوب المروزي نزيل بغداد، قال أبو حاتم: كتبت عنه فوقف في القرآن فوقفنا عن حديثه، وقد تركه الناس حتى كنت أمر بمسجده وهو وحيد لا يقربه أحد بعد أن كان الناس إليه عنقًا واحدًا -أي مجتمعين في كثرة كثيرة- قال عثمان بن سعيد الدارمي: سمعت يحيى بن معين يقول: إسحاق بن أبي إسرائيل ثقة، قال عثمان: لم يكن أظهر الوقف حين سألت يحيى بن معين عنه, وهذه الأشياء التي ظهرت عنه ويوم كتبت عنه كان مستورًا، وقال ابن معين: من ثقات المسلمين ما كتب حديثًا قط عن أحد من الناس إلا ما خطه هو في ألواحه أو كتابه، وقال أبو بكر المروزي: تركت حديث إسحاق بن أبي إسرائيل، فقال لي حبيش بن مبشر: لا تفعل؛ فإني رأيت مع يحيى بن معين جزءًا، فقلت له: يا أبا زكريا كتبت عن إسحاق؟ فقال: كتبت عنه سبعة وعشرين جزءًا، ووثقه الدارقطني والبغوي وصالح جزرة، وقال أحمد: واقفي مشئوم إلا أنه صاحب حديث كيس، أما وقفه فتبينه حكاية السراج عنه قال: هؤلاء الصبيان يقولون كلام الله غير مخلوق ألا قالوا كلام الله وسكتوا، وقال عبدوس النيسابوري: كان حافظًا جدًّا ولم يكن مثله في الحفظ والورع، فقيل له: كان يتهم بالوقف؟ قال: نعم اتهم ولم يكن بمتهم، وقال مصعب الزبيري: ناظرته فقال لم أقل على الشك ولكني أسكت كما سكت القوم قبلي.

لا يقبل الجرح في حق من استفاضت عدالته واشتهرت إمامته:

رابعًا: لا يقبل الجرح في حق من استفاضت عدالته واشتهرت إمامته.

لا يؤخذ بتوثيق إمام لراوٍ اتفق الأئمة على تركه:

خامسًا: لا يؤخذ بتوثيق إمام لراوٍ اتفق الأئمة على تركه: قال السخاوي: ربما رد كلام المعدِّل مع جلالته وإمامته ونقده وديانته لانفراده عن أئمة الجرح والتعديل، كالشافعي -رحمه الله- في إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، قال النووي: لم يوثقه غيره وهو ضعيف باتفاق المحدثين.

لا عبرة بجرح أو تعديل لم يصح إسنادهما إلى الإمام المحكي عنه:

سادسًا: لا عبرة بجرح أو تعديل لم يصح إسنادهما إلى الإمام المحكي عنه، مع الإشارة إلى منهج أبي الحجاج المزي في حكايته للأقوال في كتابه (تهذيب الكمال): الحكم بالجرح أو التعديل له خطره؛ لارتباطه بحقوق المحكوم عليه، ومن هنا لا تجوز نسبته إلى إمام، إلا إذا صح السند إليه، وإلا صار ادعاءً على هذا الإمام يحتاج إلى إثبات، وكان إيذاءً للمحكوم عليه؛ برفعه عن حاله الذي يستحقه, أو بالنزول به عن مرتبته التي هي له، فالخطر من جهتين: جهة الإمام الذي ينسب إليه القول، وجهة من يتوجه عليه القول.

سابعًا: لا يلتفت إلى الجرح الصادر من المجروح:

وأساس ذلك في اعتبارهم أن فاقد الشيء لا يعطيه، وأن العلم لا يؤخذ عن متلبس بما يخالفه، وذلك في مجال الاجتهاد في أمر الرواة ظاهر؛ لأن الضعف إما أن يكون بسبب تأويل لم يوافق عليه الضعيف المجرح يتصل بالعدالة أو الضبط، وقد يكون التضعيف بسبب التعمد لما يقتضي الحكم بالضعف، وفي كلا الأمرين فهو -أي الراوي- محكوم عليه بما يؤدي إلى رد روايته، أو التوقف في قبولها.

وكما نتوقف في قبول نقل الراوي إذا كان مجروحًا، نتوقف في قبول اجتهاده وحكمه على راو آخر بالجرح، ولقائل أن يقول: إن حكم الاجتهاد يختلف عن حكم النقل؛ لأن الاجتهاد يعتمد ناحية العلم والخبرة، والنقل يعتمد ناحية العدالة والضبط، لكن الاجتهاد يتأثر بحال المجتهد من العدالة والضبط؛ فيتوقف في قبوله فيما يتصل بالحكم على الرواة، كما يتوقف في قبوله فيما يتصل بالأحكام الشرعية، ومن شروط المجتهد أن يكون عنده دين يمنعه من الإخلال بمطالب الاجتهاد، وأن يكون محصلًا لما يتطلبه الاجتهاد.

قال أبو الفتح الأزدي: أحمد بن شبيب بن سعيد الحبطي منكر الحديث غير مرضي، فعقب ابن حجر بقوله: ولا عبرة بقول الأزدي؛ لأنه هو ضعيف، فكيف يعتمد في تضعيف الثقات؟!

يتوقف في جرح الإمام المتأخر إذا عارض المتقدمين ما لم يفسر:

ثامنًا: يتوقف عن الأخذ بجرح الإمام المتأخر إذا عارض المتقدمين ما لم يفسره بما يجرح، ومن أمثلة ذلك قول النسائي أحمد بن صالح المصري: أبو جعفر ابن الطبري ليس بثقة ولا مأمون. ثم قال: أخبرني معاوية بن صالح قال: سألت يحيى بن معين عن أحمد بن صالح، فقال: كذاب يتفلسف، رأيته يخطئ في الجامع بمصر. قال ابن حجر: فاستند النسائي في تضعيفه إلى ما حكاه عن يحيى بن معين، وهو وهم منه، حمله على اعتقاده سوء رأيه في أحمد بن صالح. وقال ابن حبان: ما رواه النسائي عن يحيى بن معين في حق أحمد بن صالح وهم؛ وذلك أن أحمد بن صالح الذي تكلم فيه ابن معين هو رجل آخر غير ابن الطبري، وكان يقال له: الأشمومي، كان مشهورًا بوضع الحديث، وأما ابن الطبري فكان يقارب ابن معين في الضبط والإتقان. قال ابن حجر: ويؤيده نقل البخاري توثيق ابن الطبري عن ابن معين؛ فتبين أن النسائي انفرد بتضعيفه بما لا يقبل؛ حتى قال الخليلي: اتفق الحفاظ على أن كلامه فيه تحامل. قال ابن حجر: وهو كما قال.

تاسعًا: قد يقع الجرح بسبب الخطأ في نسخ الكتاب:

ومن ذلك قول ابن حبان عن بشر بن شعيب بن أبي حمزة الحمصي في كتاب (الثقات): كان متقنًا. وذكره في (الضعفاء) وروى عن البخاري أنه قال: تركناه. قال ابن حجر: وهذا خطأ من ابن حبان نشأ عن حذف؛ وذلك أن البخاري إنما قال في (تاريخه): تركناه حيًّا سنة ثنتي عشرة ومائتين، فسقط من نسخة ابن حبان لفظة “حيًّا” فتغير المعنى. وصنيع ابن حبان يدل على أنه يدرس الراوي بنفسه فيحكم عليه، فحكم عليه وقال: كان متقنًا، فإذا وجد جرحًا من غيره في الراوي ذكره في كتب الضعفاء، وذكر ما قيل فيه من جرح، وقد سقط منه من كلام البخاري شيء فظنه نقدًا، وكان حكاية عن وفاته وعن حياته.

وما ذكرناه من ذلك وغيره كله يدل على لزوم تحرير النسخ، وتلمس السقط، والتوقف عند الشك، والاستعانة بالمصادر التي نقل عنها الكتاب، وما نقل عن المتأخرين عن الكتاب، وجمع النسخ المختلفة للمخطوط بقدر الطاقة؛ لتحرير النص، وتصحيح النقل، وهو من ضرورات تحقيق المخطوطات، والتعليق عليها، والنقل منها.

عاشرًا: لا يلتفت إلى جرح يغلب على الظن أن مصدره ضعيف، أو أن ما يعتمد عليه واهٍ:

ومثال ذلك: ما رواه عبد الله بن علي بن المديني، عن أبيه قال: الحسن بن موسى الأشيب كان ببغداد، وكأنه ضعفه. قال ابن حجر: هذا ظن لا تقوم به حجة. وقد قال أبو حاتم الرازي: سمعت علي بن المديني يقول: الحسن بن موسى الأشيب ثقة. فهذا التصريح من ابن المديني موافق لأقوال الجماعة، وأولى أن يعمل به من ذلك الظن الذي بنى ابنه الحكم على أساسه.

وهذا التدقيق في مصادر الجرح وأسبابه يدل على عناية الأئمة بتحرير الحكم على الراوي، من غير إسراف ولا تفريط؛ فلا يلزم من ذكر سبب الجرح أن يكون السبب معتمدًا؛ لاحتمال أن يكون الناقد قد اجتهد في الحكم، وعلله بتعليل فاسد ترده الأصول الصحيحة.

من عرف أنه لا يروي إلا عن ثقة يعتبر من روى عنه ثقة عنده في الغالب:

حادي عشر: من عرف أنه لا يروي إلا عن ثقة يعتبر من روى عنه ثقة عنده في الغالب؛ فالمتشددون في مجال الجرح لا يروون إلا عن مقبول، فإن كان في روايته علة جبروا تلك العلة، أو علموا ما يجبرها فيما يتصل برواية المتن عن الصحابي الذي رواه، وإن كان منهجهم ترك الرواية عمن نزل عن درجة الثقة عندهم، إلا إذا وجد لروايته ما يجبرها، مع كونه ثقة عند غيرهم خف ضبطه عند من تساهل من النقاد، فإذا روى واحد منهم عن راوٍ حديثًا؛ كان ثقة في أعلى الدرجات أو في أدناها، أي كان حديثه حسنًا لذاته أو صحيحًا، ولا ينزل إلى الضعف بذاته فيما رواه عنه، سواء وجد له متابع أعلى، أو شاهد للمتن الذي رواه، أو لم يوجد. وقد عمم المقعدون للجرح والتعديل القول: بأن كل من روى عنه من لا يروي إلا عن ثقة ثقةٌ، ما دام عرف من منهجه أنه يتشدد في الحكم على الرواة، ويتشدد في الرواية عمن يروي عنه، فلا ينزل عن هذا المنهج إلا على سبيل الندرة، أو الخطأ النادر في الحكم على راوٍ روى عنه، أو في الحكم على الحديث الذي رواه.

فائدة إخراج الشيخين للراوي أصلًا أو متابعة:

ثاني عشر: من أخرج لهم الشيخان على سبيل الاحتجاج أو المتابعة، وفائدة ذلك عند حصول الجرح:

قال ابن حجر: ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحبي الصحيح، لأي راوٍ كان، مقتض لعدالته عنده، وصحة ضبطه، وعدم غفلته، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما، هذا إذا خرج له في الأصول.

قال: فأما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق؛ فهذا تتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره، مع حصول اسم الصدق لهم، وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعنًا فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام؛ فلا يقبل إلا مبين السبب مفسرًا لقادح يقدح في عدالة هذا الراوي وفي ضبطه مطلقًا، أو في ضبطه لخبر بعينه؛ لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة، منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح.

قال ابن حجر: وقد كان الشيخ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح: هذا جاز القنطرة. يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه، أي غير مفسر. قال الشيخ أبو الفتح القشيري في (مختصره): وهكذا نعتقد، وبه نقول، ولا نخرج عنه إلا بحجة ظاهرة وبيان شافٍ، يزيد في غلبة الظن على اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما.

error: النص محمي !!