Top
Image Alt

أحكام الجنازة

  /  أحكام الجنازة

أحكام الجنازة

. باب: الصلاة على الجنازة في المسجد:

الحديث الأول:

عن عائشة أنها قالت: -لما توفي سعد بن أبي وقاص- ((ادخُلوا به المسجد حتى أصلي عليه، فأنكروا ذلك عليها فقالت: والله لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد سهيل وأخيه)) رواه مسلم، وفي رواية ((ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن البيضاء إلا في جوف المسجد)) رواه الجماعة إلا البخاري.

الأثر الثاني:

عن عروة قال: “صُلِّي على أبي بكر في المسجد”.

هذا الحديث الذي روته عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الأثر المروي عن عروة بن الزبير يدلان على صحة صلاة الجنازة في المسجد، وأنها صحيحة جائزة، وأنه صُلي على سعد بن أبي وقاص في المسجد، وكذلك صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بين بيضاء وأخيه سهل في المسجد.

وقضايا هذا الباب: سعد بن أبي وقاص، وسهيل بن البيضاء،  كذلك حكم الصلاة في المسجد.

تروي عائشة أنه لما توفي سعد بن أبي وقاص قالت: “ادْخُلوا به المسجد حتى أصلي عليه” فقد طلب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلين على سعد بن أبي وقاص، فادخل سعد المسجد، فصلى عليه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأنكر الناس ذلك، يعني أنكروا الصلاة على الجنازة في المسجد، فردت عائشة رضي الله عنها وقالت: والله لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد؛ سهيلٍ، وأخيه سهل.

وحديث عائشة، وأثر عروة يدلان على جوازِ إدخالِ الميتِ إلى المسجد، والصلاة عليه في المسجد، وبهذا قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، والجمهور، قال ابن عبد البر: ورواه المدنيون في رواية عن مالك، وبه قال ابن حبيب المالكي، وكرهه ابن أبي ذئب، وأبو حنيفة، ومالك في المشهور عنه وكل من قال بنجاسة الميت، وأجابوا عن حديث عائشة بأنه محمول على أن الصلاة على ابني بيضاء، وهما كانا خارج المسجد، والمصلون داخل المسجد، وذلك جائز.

ورد بأن عائشة استدلت بذلك لما أنكروا عليها أمرها بإدخال الجنازة المسجد، وأجابوا أيضًًا بأن الأمر استقر على ترك ذلك؛ لأن الذين أنكروا على عائشة كانوا من الصحابة، ورد بأن عائشة لما أنكرت ذلك الإنكار سلموا لها، فدل على أنها حفظت ما نسوه، وأن الأمر استقر على الجواز، ويدل على ذلك الصلاة على أبي بكر، وعمر في المسجد -كما ذكرنا- وأيضًا العلة التي لأجلها كرهوا الصلاة على الميت في المسجد هي زعمهم أنه نجس، وهي باطلة لما تقدم أن المؤمن لا ينجس حيًًّا، ولا ميتًًا، واستدلالهم بأنه لا يجوز الصلاة على الميت في المسجد؛ لأنه نجس هذا كلام غريب؛ لأن الشيء النجس لا يجوز الصلاة عليه، فكيف يكون نجسًًا، ويصلى عليه، ويدعى له بالرحمة والمغفرة؟ هذا كلام فيه تخبط، كيف؟ وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((المؤمن لا ينجس)) فالمؤمن لا يكون نجسًًا حيًًّا كان أو ميتًًا.

وقال الإمام النووي: الصلاة على الميت في المسجد صحيحة جائزة، ولا كراهة فيها، بل هي مستحبة، صرح باستحبابها في المسجد الشيخ أبو حامد، وصاحب (الحاوي) وآخرون. قال: هذا مذهبنا، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق، وعمر، وهو مذهب عائشة، وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن من الصحابة رضي الله عنهم وهو مذهب أحمد، وإسحاق، وابن المنذر وغيرهم من الفقهاء، وبعض أصحاب مالك، وقال مالك، وأبو حنيفة، وابن أبي ذئب: تكره الصلاة عليه في المسجد، واحتجوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من صلى على جنازة في المسجد فلا شي له” قال النووي، واحتج أصحابنا بحديث عائشة المذكور، وهو في صحيح مسلم.

وأما حديث أبي هريرة هذا فجوابه من أوجه قد ذكرناها:

أحدها: أنه ضعيف باتفاق الحفاظ، والحديث الضعيف لا يحتج به، وممن نص على ضعف هذا الحديث الإمام أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن المنذر، والبيهقي، وآخرون.

الوجه الثاني: أن الذي ذكره أبو داود في روايته في جميع نسخ كتابه المعتمدة، فلا شيء عليه، وعلى هذا لا دلالة فيه لو صح، وأما رواية: “فلا شيء له” فهي مع ضعفها غريبة، ولو صحت لوجب حملها على: فلا شيء عليه؛ للجمع بين الروايات، وقد جاء مثله في القرآن الكريم: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] أي: فعليها. 

الجواب الثالث: أجاب به الخطابي، وسائر أصحاب الشافعي في كتب المذهب: أنه لو ثبت لكان محمولًا على نقصان الأجر؛ لأن المصلي عليها في المسجد ينصرف غالبًا إلى أهله، ومن صلى عليها في الصحراء؛ حضر دفنها غالبًا فنقص أجر الأول، ويكون التقدير: فلا أجر كامل له، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة بحضرة الطعام)) أي لا صلاة كاملة.

2. باب: ما يكره مع الجنازة من نياحة أو نار:

الحديث الأول:

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتَّبِع جنازة معها رانَّة)) رواه أحمد، وابن ماجه، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما وعن أبيه- قد تقدم التعريف به.

ويستفاد من حديثه النهي أن تتبع الجنازة بنياحة وغيرها، وحديث ابن عمر هذا رواه ابن ماجه: حدثنا أحمد بن يوسف، حدثنا عبيد الله، أخبرنا إسرائيل عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عمر…. وأبو يحيى هذا القتات، وفيه مقال، وبقية رجاله ثقات.

وقوله: “معها رانة” هي بالراء المهملة، وبعد الألف نون مشددة -أي مصوتة- قال في القاموس: رن يرن رنينا صاح، وفيه دليل على تحريم إتباع الجنازة التي معها النائحة، وعلى تحريم النوح، والنوح غير البكاء، فالبكاء جائز على الميت، لكن المنهي عنه هو النوح.

يقول الشيرازي: ويجوز البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحة؛ لما روى جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا إبراهيم، إنا لا نغني عنك من الله شيئًا، ثم ذرفت عيناه، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله أتبكي؟ أو لم تنه عن البكاء؟ قال: لا، ولكن نهيت عن النوح)).       

ولا يجوز لطم الخدود، ولا شق الجيوب؛ لما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)) قال النووي في شرحه: حديث ابن مسعود رواه البخاري ومسلم، وحديث جابر رواه الترمذي هكذا، وقال: هو حديث حسن، ومعناه في الصحيحين من رواية غير جابر.        

ومعنى: ((لا نغني عنك شيئًا)) أي لا ندفع، ولا نكف عنك من عذاب الله شيئًا، وقوله: ((ذرفت عيناه)) بفتح الذال المعجمة، والراء، أي سال دمعها، والجاهلية من الجهل، قال الواحدي -رحمه الله-: هو اسم لما كان قبل الإسلام في الفترة، لكثرة جهلهم، والندب الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم هو تعديد محاسن الميت مع البكاء، كقول النادبة: وا جبلاه، وا سنداه، وا كريماه كقول الخنساء أيضًا -حينما رثت أخاها صخرًا فقالت-:

حَمّالُ أَلوِيَةٍ هَبّاطُ أَودِيَةٍ

*شَهّادُ أَندِيَةٍ لِلجَيشِ جَرّارُ

والنياحة: رفع الصوت بالندب، قال الشافعي: البكاء على الميت جائز قبل الموت وبعده، ولكن قبله أولى لحديث جابر بن عتيك رضي الله عنه:

((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت، فوجده قد غُلِب فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعهن، فإذا وجب فلا تبكين باكيا، قال: فما الوجوب يا رسول الله؟ قال: الموت)).

وهذا حديث صحيح، رواه مالك في (الموطأ)، والشافعي، وأحمد، وأبو داود، والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة، ولفظ الشافعي في (الأم): وأرخص في البكاء قبل الموت، فإذا مات أمسكن.

وقال صاحب (الشامل) وطائفة: يكره البكاء بعد الموت لظاهر الحديث في الندب، ولم يقل الجمهور: ويكره، وإنما قالوا: الأولى تركه، قال: وهو مراد الحديث، ولفظ الشافعي محتمل هذا كله في البكاء بلا ندب ولا نياحة، أما الندب، والنياحة، ولطم الخد، وشق الجيب، وخمش الوجه، ونشر الشعر، والدعاء بالويل، والثبور، وأيضًا تلطيخ الوجه بالطين، فكل هذا محرم.

قال النووي: محرم باتفاق الأصحاب، وصرح الجمهور بالتحريم، ووقع في كلام بعضهم لفظ الكراهة، وكذا وقع لفظ الكراهة في نص الشافعي في (الأم).

3. باب: من اتبع الجنازة فلا يجلس حتى توضع:

الحديث الأول:

عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها، فمن اتبعها فلا يجلس حتى توضع)) رواه الجماعة إلا ابن ماجه، لكن إنما لأبي داود منه: ((إذا اتبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع)) وقال: روى هذا الحديث الثوري عن سُهيلٍ عن أبيه عن أبي هريرة قال فيه: ((حتى توضع في الأرض)) ورواه أبو معاوية عن سُهيلٍ: ((حتى توضع في اللحد)) وسفيان أحفظ من معاوية.

ومعنى ذلك أن رواية: ((حتى توضع في الأرض)) أرجح من رواية: ((حتى توضع في اللحد)) وعلى ذلك إذا وضعت الجنازة عن الأعناق جاز لمن كان متبعًا لها أن يجلس بخلاف الرواية التي جعلت حتى توضع في اللحد؛ لأن رواية سفيان الثوري عن سُهيل عن أبيه عن أبي هريرة: ((حتى توضع في الأرض)).

المعنى العام لهذا الحديث:

إن الله عز وجل خلق الإنسان وكرمه، وفضَّلَه على كثيرٍ من خلقِهِ: {وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطّيّبَاتِ وَفَضّلْنَاهُمْ عَلَىَ كَثِيرٍ مّمّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70] وسخر له كل شيء من حوله، سخر له الأرض وما عليها، وخلق كل شيءٍ في خدمة الإنسان، وإتمامًا للنعمة والمنة، أرسل إليه الرسل لتبين له الطريق: {يُنَزّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىَ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوَاْ أَنّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ أَنَاْ فَاتّقُونِ} [النحل: 2].

وكما قلنا: كل شيء خُلِقَ للإنسان وسُخِرَ له من أرضٍ وجبالٍ وسماوات، ومن نزولٍ للمطر، ومن خلق الحيوانات التي يتغذى عليها الإنسان، ويعيش من أصوافها وألبانها، قال سبحانه: {وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىَ بَلَدٍ لّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاّ بِشِقّ الأنفُسِ إِنّ رَبّكُمْ لَرَؤُوفٌ رّحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 5: 8] كذلك سخر الله للإنسان البحر وما فيه من أسماكٍ، وحليٍّ، وسفنٍ تجري على ظهر الماء تحمل الأثقال، وتحمل الإنسان من مكانٍ إلى مكانٍ، ومن بلدة إلى بلدة، كل هذا تكريمٌ للإنسان، وتكريمٌ لبني آدم.

قال أبو سعيد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها، فمن اتبعها فلا يجلس حتى توضع)) وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم والجماعة إلا ابن ماجه، وقوله: ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها)) يستفاد من ذلك مشروعية القيام للجنازة إذا مرت لمن كان قاعدًا.

أما قوله: ((فمن اتبعها فلا يجلس)) فيه النهي عن جلوس الماشي مع الجنازة قبل أن تُضع على الأرض، فقال الأوزاعي وإسحاق وأحمد ومحمد بن الحسن: إنه مستحب، حكى ذلك عنهم النووي والحافظ ابن حجر في (الفتح)، ونقله ابن المنذر عن أكثر الصحابة والتابعين قالوا: والنسخ إنما هو في قيام من مرت به لا في قيام من شيعها، ويقصدون بالنسخ ما جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه ذكر القيام في الجنائز حتى توضع، فقال علي رضي الله عنه: ((قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قعد)) قالوا: النسخ إنما هو في قيام من مرت به لا في قيام من شيعها.

وحكى الحافظ ابن حجر في (الفتح) عن الشعبي والنخعي: أنه يكره القعود قبل أن توضع الجنازة.

 قال: وقال بعض السلف: يجب القيام، واحتج له برواية النسائي عن أبي سعيد وأبي هريرة أنهما قالا: ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد جنازة قط فجلس حتى توضع.

قال الشوكاني: ولا يخفى أن مجرد الفعل لا ينتهض دليلًا للوجوب، فالأولى الاستدلال له بحديث الباب الذي معنا، فإن فيه النهي عن القعود قبل وضعها، وهو حقيقة للتحريم، وترك الحرام واجب.

ومثل حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعًا: ((من صلى على جنازة ولم يمش معها فليقم حتى تغيب عنه، فإن مشى معها فلا يقعد حتى توضع)).

وروى ابن حجر عن الشعبي والنخعي: أن القعود مكروه قبل أن توضع.

وممّا يدل على الاستحباب: ما رواه البيهقي عن أبي هريرة وابن عمر وغيرها: أن القائم مثل الحامل، يعني في الأجر.

وقوله: ((حتى توضع في الأرض)) قد ذكرنا أن المصنف مجد الدين ابن تيمية قد ذكر كلام أبي داود في ترجيح هذه الرواية على الرواية الأخرى، أعنى قوله: ((حتى توضع في اللحد)) وكذلك أشار البخاري إلى ترجيحها بقوله: باب من شهد جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال.

قال النووي: قد ذكرنا مذهبنا في ذلك، وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: يكره له القعود حتى توضع الجنازة، وبه قال الشعبي، والنخعي، وداود. 

4. باب: ما جاء في القيام للجنازة إذا مرت:  

الحديث الأول: 

عن ابن عمر عن عامر بن ربيعة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تُخَلِّفكم أو تُوضع)) رواه الجماعة، ولأحمد: وكان ابن عمر إذا رأى جنازة قام حتى تجاوزه، وله أيضًا عنه: أنه ربما تقدم الجنازة فقعد حتى إذا رآها قد أشرفت قام حتى توضع.

الحديث الثاني:

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس)) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه بنحوه.

وقوله في الحديث: ((حتى تُخَلِّفكم)) بضم أوله، وفتح المعجمة يعني الخاء، وتشديد اللام المكسورة أي: حتى تترككم ورائها، والقيام للجنازة لمن مرت به أو عدم القيام اختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب أحمد وإسحاق وابن حبيب أن القيام للجنازة لم ينسخ، والقعود منه صلى الله عليه وسلم كما في حديث علي إنما هو لبيان الجواز، فمن جلس فهو في سعة، ومن قام فله أجر.

وكذا قال الإمام ابن حزم -رحمه الله- قال: ونستحب القيام للجنازة إذا رآها المرء، وإن كانت جنازة كافر حتى توضع أو تخلفه، فإن لم يقم فلا حرج، قال: لما روينا من طريق البخاري حدثنا قتيبة حدثنا الليث، وهو ابن سعد عن نافع عن ابن عمر عن عامر بن ربيعة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رأى أحدكم الجنازة فإن لم يكن ماشيًا معها فليقم حتى يخلفها أو تخلفه، أو توضع من قبل أن تخلفه)) قال: ورويناه أيضًا من طريق أيوب، وابن جريج، وعبيد الله بن عمر، وعبد الله بن عون، كلهم عن نافع عن ابن عمر مسندًا، ومن طريق الزهري عن سالمٍ عن أبيه مسندًا.

ومن طريق البخاري: حدثنا مسلم هو ابن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا يحيي بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيدٍ الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع)).

قال: ورويناه من طريق البخاري حدثنا معاذ حدثنا هشام الدستوائي عن يحيي بن أبي كثير عن عبيد الله بن مقسم عن جابر قال: ((مر بنا جنازة فقام لها النبي صلى الله عليه وسلم وقمنا، فقلنا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي، قال: فإذا رأيتم الجنازة فقوموا)).

قال النووي: والمختار أنه مستحب، وبه قال المتولي، وصاحب (المهذب) من الشافعية، وممن ذهب إلى استحباب القيام: ابن عمر، وابن مسعود، وقيس بن سعد، وسهل بن حنيف، كما يدل على ذلك الروايات المذكورة.

وقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي: إن القيام منسوخٌ بحديث علي، قال الشافعي: إما أن يكون القيام منسوخًا أو يكون لعلة، وأيهما كان فقد ثبت أنه تركه بعد فعله، والحجة في الآخر من أمره، والقعود أحب إليّ انتهى.

الحديث الثالث:  

حديث علي رضي الله عنه قد أخرجه مسلمٌ في صحيحه أنه ذكر القيام في الجنائز حتى توضع، فقال علي رضي الله عنه: ((قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قعد)).

قال الشوكاني: واعلم أن حديث علي باللفظ الذي سبق في الباب الأول لا يدل على النسخ؛ لما عرفناك من أن فعله لا ينسخ القول الخاص بالأمة، وأما حديثه باللفظ الثاني –أعني- أن علي بن أبي طالب، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس)) فإن صلح صلح النسخ لقوله فيه: ((وأمرنا بالجلوس)) ولكنه لم يُخرّج هذه الزيادة الإمام مسلم، ولا الترمذي، ولا أبو داود، بل اقتصروا على قوله: ((ثم قعد)).

وقد روى ابن سيرين أن جنازة مرت بالحسن وابن عباس، فقام الحسن ولم يقم ابن عباس، فقال الحسن لابن عباس: أمَا قام لها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: قام وقعد.

error: النص محمي !!