Top
Image Alt

أحكام الصفوف

  /  أحكام الصفوف

أحكام الصفوف

باب: الحث على تسوية الصفوف ورصها وسد خللها.

الحديث الأول:

عن أنسٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة)).

الحديث الثاني:

عن أنسٍ أيضًا قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر فيقول: تراصوا واعتدلوا)) متفق عليهما.

الحديث الثالث:

عن النعمان بن بشير قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا كأنما يسوي به القداح حتى رأى أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يومًا فقام حتى كاد أن يكبر فرأى رجلًا باديًا صدره من الصف، فقال: عباد الله لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)) رواه الجماعة إلا البخاري فإن له منه: ((لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)) ولأحمد وأبي داود في رواية قال: ((فرأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه، وركبته بركبته، ومنكبه بمنكبه)).

معاني مفردات حديثي أنس:

والحديث الأول -كما ذكرنا- عن أنسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة)) وراوي الحديث هو أنس بن مالك، وقد تقدم التعريف به.         

قوله: ((سووا)) وفي روايةٍ: ((لتُسَوُّون)) بضم التاء المثناة، وفتح السين وضم الواو المشددة وتشديد النون، والمراد بتسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سمتٍ واحد، أو يراد سد الخلل الذي في الصف، وانتظام الصفوف، وإتمامها الأول فالأول، والرجال قدام الغلمان، والغلمان قدام النساء؛ فإن كان نقص فليكن في الصف الأخير.

قوله: ((فإن تسوية الصف)) بالإفراد، وعند البخاري عن أنس: ((فإن تسوية الصفوف)).

قوله: ((من تمام الصلاة)) هكذا هنا الحديث بلفظ: ((من تمام الصلاة)) وكذلك أخرجه الإسماعيلي عن ابن حذيفة، والبيهقي من طريق عثمان الدارِمي كلاهما عنه، وكذلك أخرجه أبو داود، عن أبي الوليد وغيره، وكذا مسلم وغيره من طريق جماعةٍ عن شعبة، وزاد الإسماعيلي، من طريق أبي داود الطيالسي، قال: سمعت شعبة يقول: داهنت في هذا الحديث لم أسأل قتادة أسمعته من أنسٍ أم لا؟.

قال الحافظ ابن حجر: ولم أره عن قتادة إلا معنعنًا. قال: ولعل هذا هو السر في إيراد البخاري لحديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه؛ فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون، وأقيموا الصف في الصلاة؛ فإن تسوية الصف من حسن الصلاة)). قال ابن حجر: ولعل هذا هو السر في إيراد البخاري لهذا الحديث مع حديث أنس تقويةً له.

وأخرج البخاري في صحيحه حديث أنسٍ؛ فقال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((سووا صفوفكم؛ فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة)) هكذا ولم يقل: فإن تسوية الصف من تمام الصلاة، بل قال: ((من إقامة الصلاة)) لذلك استدل ابن حزم الظاهري كما سيأتي كلامه بقوله: ((إقامة الصلاة)) على وجوب تسوية الصفوف.

ما يتعلق بالحديث الثاني:

عن أنسٍ قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر فيقول: تراصوا واعتدلوا)) وهذا الحديث أخرجه البخاري في باب: إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف، وذلك من كتاب: الصلاة. حدثنا أحمد بن أبي رجاء، قال: حدثنا معاوية بن عمرو، قال: حدثنا زائدة بن قدامة، قال: حدثنا حُميد الطويل، حدثنا أنس، قال: ((أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال: أقيموا صفوفكم، وتراصوا؛ فإني أراكم من وراء ظهري)).

قوله: ((يُقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر)) معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم يكون وجهه للمصلين بعد إقامة الصلاة، ووقوف الناس في الصفوف، وذلك قبل تكبيرة الإحرام، ويقول: ((تراصوا واعتدلوا)).

وقوله: ((تراصوا)) بتشديد الصاد المهملة، أي: تلاحقوا بغير خلل، وقوله: ((واعتدلوا)) أي: سووا صفوفكم.

وفي رواية البخاري: ((فإني أراكم من وراء ظهري)) وفي هذا إشارة إلى سبب الأمر بذلك أي: إنما أمرت بذلك لأنني تحققت منكم خلافه.

واختلف العلماء في المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: ((فإني أراكم من وراء ظهري)) قال الحافظ ابن حجر في شرحه لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((هل ترون قبلتي هاهنا فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم إني لأراكم من وراء ظهري)) قال ابن حجر: وقد اختلف العلماء في معنى ذلك؛ فقيل: المراد بها العلم إما بأن يوحى إليه كيفية فعلهم، وإما أن يلهم، وفيه نظر؛ لأن العلم لو كان مرادًا لم يقيده بقوله: ((من وراء ظهري)) وقيل: المراد أنه يرى من عن يمينه ومن عن يساره ممن تدركه عينه مع التفاتٍ يسيرٍ في النادر، ويوصف من هو هناك بأنه وراء ظهره.

ما يتعلق بالحديث الثالث:

عن النعمان بن بشير قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا كأنما يسوي به القداح، حتى رأى أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يومًا فقام حتى كاد أن يكبر؛ فرأى رجلًا باديًا صدره من الصف، فقال: عباد الله لتسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم)) والحديث من رواية النعمان بن بشير رضي الله عنه.

شرح مفردات الحديث:

قوله: ((يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القِداح)) القِداح بكسر القاف هي خشب السهام حين تنحت وتبرى، وواحدها قِدح بكسر القاف وإسكان الدال، وهو السهم قبل أن يراش ويركب فيه النصل، والمعنى يسوي صفوفنا ويُقومها، ويبالغ في تسويتها حتى تصير كأنما يُقوم بها السهام لشدة استوائها واعتدالها.

((حتى رأى أنا قد عقلنا عنه)) أي: ظل يتعهدنا بذلك حتى ظن أو اعتقد أننا فهمنا الحكم وحرصنا عليه والتزمنا فتركنا صلى الله عليه وسلم.

((فقام حتى كاد يكبر)) أي: قام إلى الصلاة، واستعد للدخول فيها وهم بتكبيرة الإحرام.

قوله: ((أو ليخالفن الله بين وجوهكم)) أي: إن لم تسووا، والمراد بتسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سمتٍ واحد، أو يراد بها سد الخلل الذي في الصف كما بينا.

واختُلف في الوعيد المذكور فقيل: هو على حقيقته، والمراد تسوية الوجه بتحويل خلقه عن وضعه بجعله موضع القفا أو نحو ذلك، فهو نظير ما جاء من الوعيد فيمن رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، وذلك في الحديث الذي رواه البخاري وغيره حدثنا حجاج بن مِنهال قال: حدثنا شعبة عن محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أما يخشى أحدكم -أو لا يخشى أحدكم- إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار)).

قال الحافظ ابن حجر: قوله: ((أو يجعل الله صورته صورة حمار)) الشك من شعبة، فقد رواه الطيالسي عن حماد بن سلمة، وابن خزيمة من رواية حماد بن زيد، ومسلم من رواية يونس بن عبيد، والربيع بن مسلم كلهم عن محمد بن زياد بغير تردد، فأما الحمادان فقالا: ((رأس)) وأما يونس فقال: ((صورة)) وأما الربيع فقال: ((وجه)) والظاهر أنه من تصرف الرواة.

قال عياض: هذه الروايات متفقة؛ لأن الوجه في الرأس ومعظم الصورة فيه.

قوله: ((يُلزق)) بضم أوله يتعدى بالهمزة والتضعيف يقال: ألزقته ولزقته.

قوله: ((منكبه)) المنكب مجتمع العضد والكتف. قال الإمام ابن حزم: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، حدثنا إبراهيم بن أحمد، حدثنا الفرابري، حدثنا البخاري، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا شعبة أنبأنا عمرو بن مرة قال: سمعت سالم بن أبي الجعد قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)).

قال ابن حزم: هذا وعيد شديد، والوعيد لا يكون إلا في كبيرةٍ من الكبائر، ثم روى بإسناده إلى شعبة عن قتادة عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة)) قال ابن حزم تسوية الصف إذا كان من إقامة الصلاة؛ فهو فرض؛ لأن إقامة الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو فرض، ثم روى بسنده حديث أنس قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري)) قال ابن حزم: هذا إجماع منهم، والآثار في هذا كثيرة جدًّا.

وقال أيضًا بعد أن ذكر حكم صلاة المنفرد خلف الصف، قال: فبطل أن يكون لمن أجاز صلاة المنفرد خلف الصف، وصلاة من لم يقم الصفوف حجة أصلًا لا من قرآن، ولا من سُنة، ولا إجماع.

وبقولنا: يقول السلف الطيب: روينا بأصح إسنادٍ عن أبي عثمان النهدي، قال: كنت فيمن ضرب عمر قدمه لإقامة الصف في الصلاة.

قال ابن حزم: ما كان رضي الله عنه ليضرب أحدًا ويستبيحه على غير فرض. قال: وعن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، أنه أخبره عن ابن عمر: “أن عمر بن الخطاب كان يبعث رجالًا يسوون الصفوف؛ فإذا جاءوا كبر”.

وعن عمر بن الخطاب: “من كان بينه وبين الإمام نهر أو حائط أو طريق فليس مع الإمام” وروى ابن حزمٍ أيضًا عن عثمان بن عفان، أنه كان يقول ذلك في خطبته قلما يدع ذلك كلامًا فيه: “إذا قامت الصلاة فعدلوا الصفوف وحاذوا بالمناكب؛ فإن اعتدال الصف من تمام الصلاة، ثم لا يكبر حتى يأتيه رجالًا قد وكلهم بتسوية الصفوف فيخبرونه أنها استوت فيكبر”.

قال ابن حزم: هذا فعل الخليفتين رضي الله عنهما بحضرة الصحابة رضي الله عنهم لا يخالفهم في ذلك أحد منهم.

ثانيًا- باب: هل يأخذ القوم مصافهم قبل الإمام أم لا؟

الحديث الأول:       

عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((أن الصلاة كانت تقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم مقامه)). 

الحديث الثاني:       

عن أبي هريرة، قال: ((أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا، قبل أن يخرج إلينا النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إلينا؛ فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب، وقال لنا: مكانكم، فمكثنا على هيئتنا -يعني: قيامًا- ثم رجع  فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر فكبر فصلينا معه)) متفق عليه.

ولأحمد والنسائي: ((حتى إذا قام في مصلاه، وانتظرنا أن يكبر انصرف)) وذكر نحوه.

الحديث الثالث:

عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت)) رواه الجماعة إلا ابن ماجه، ولم يذكر البخاري فيه: ((قد خرجت)).

شرح حديثي أبي هريرة:

الحديث الأول:            

وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((أن الصلاة كانت تقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم…)) إلى آخره. 

شرح مفردات الحديث:

قوله: ((إن الصلاة كانت تقام)) المراد بالإقامة ذكر الألفاظ المشهورة المشعرة بالشروع في الصلاة كما يقول المقيم: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.

قوله: ((فيأخذ الناس مصافهم)) يعني: مكانهم من الصف.

قوله: ((قبل أن يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم)) فيه اعتدال الصفوف قبل وصول الإمام إلى مكانه.

قوله: ((قبل أن يخرج)) فيه جواز قيام المأتمين، وتعديل الصفوف قبل خروج الإمام.

وهذا الحديث ظاهره يعارض حديث أبي قتادة، ويجمع بينهما بأن ذلك ربما وقع لبيان الجواز، وبأن صنيعهم في حديث أبي هريرة كان سببًا للنهي عن ذلك في حديث أبي قتادة، وأنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة، ولو لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له بعض الشيء؛ فيبطئ صلى الله عليه وسلم عن الخروج إليهم.

الحديث الثاني:

وهو حديث أبي هريرة أيضًا قال: ((أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا قبل أن يخرج إلينا النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إلينا…)) إلى آخره.

شرح مفردات الحديث:

قوله: ((خرج وقد أقيمت الصلاة)) يُحتمل أن يكون المعنى خرج في حال الإقامة، ويُحتمل أن تكون الإقامة تقدمت خروجه، وهو ظاهر الرواية التي في البخاري لتعقيب الإقامة بالتسوية، وتعقيب التسوية بخروجه جميعًا بالفاء، فإن البخاري أخرج هذا الحديث في بابٍ آخر: إذا قال الإمام مكانكم حتى رجع انتظروه، قال: حدثنا إسحاق، حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((أقيمت الصلاة؛ فسوى الناس صفوفهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم وهو جنب، ثم قال: على مكانكم، فرجع فاغتسل، ثم خرج ورأسه يقطر ماءً فصلى بهم)).

ويحتمل أن يجمع بين الروايتين بأن الجملتين وقعتا حالًا أي: خرج والحال أن الصلاة أقيمت، والصفوف عدلت. وقال الكرماني: لفظ قد تقرب الماضي من الحال، وكأنه خرج في حال الإقامة، وفي حالة التعديل، ويُحتمل أن يكونوا إنما شرعوا في ذلك بإذن منه أو قرينة تدل عليه، ويُحتمل احتمال أن يكون ذلك سببًا للنهي فلا يلزم منهم مخالفتهم له.

قوله: ((وعدلت الصفوف)) أي: سويت.

قوله: ((حتى إذا قام في مصلاه)) قال ابن حجر في (فتح الباري): “زاد مسلم من طريق يونس عن الزهري: ((قبل أن يُكبر فانصرف)) وقد تقدم في باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب من أبواب الغسل من وجهٍ آخر عن يونس بلفظ: ((فلما قام في مصلاه ذكر)) ففيه دليل على أنه انصرف قبل أن يدخل في الصلاة، وهو معارض لما رواه أبو داود، وابن حبان عن أبي بكرة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل في صلاة الفجر فكبر ثم أومأ إليهم)) ولمالك من طريق عطاء بن يسار مرسلًا: ((أنه صلى الله عليه وسلم كبر في صلاةٍ من الصلوات، ثم أشار بيده أن امكثوا)) ويمكن الجمع بينهما بحمل قوله: ((كبر)) على ((أراد أن يكبر)) أو بأنهما واقعتان، أبداه عياض والقرطبي احتمالًا، وقال النووي: إنه الأظهر، وجزم به ابن حبان كعادته؛ فإن ثبت وإلا فما في الصحيح أصح، ودعوى ابن بطال أن الشافعي احتج بحديث عطاء على جواز تكبير المأموم قبل تكبير الإمام، قال: فناقض أصله فاحتج بالمرسل متعقب بأن الشافعي لا يرد المراسيل مطلقًا بل يحتج منها بما يعتضد، والأمر هنا كذلك لحديث أبي بكرة الذي ذكرناه”. انتهى كلام ابن حجر.

قوله: ((انتظرنا)) جملة حالية.

وقوله: ((انصرف)) أي: إلى حجرته وهو جواب إذا.

وقوله: ((قال)) استئناف أو حال، ((على مكانكم)) أي: كونوا على مكانكم.  

قوله: ((على هيئتنا)) بفتح الهاء بعدها ياء تحتانية ساكنة ثم همزة مفتوحة ثم مثناة، والمراد بذلك أنهم امتثلوا أمره في قوله: ((على مكانكم)) فاستمروا على الهيئة أي: الكيفية التي تركهم عليها وهي قيامهم في صفوفهم المعتدلة.

قوله: ((يقطر)) وفي رواية البخاري: ((ينطِف)) وهي بمعنى يقطر.

قوله: ((وقد اغتسل)) زاد الدارقطني من وجهٍ آخر عن أبي هريرة؛ فقال: ((إني كنت جنبًا فنسيت أن اغتسل)).

ما يستفاد من الحديث:

جواز النسيان على الأنبياء في أمر العبادة لأجل التشريع.

طهارة الماء المستعمل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إليهم ورأسه يقطر ماءً.

جواز الفصل بين الإقامة والصلاة؛ لأن قوله: ((فصلى)) ظاهر في أن الإقامة لم تعد، والظاهر أن ذلك مقيد بالضرورة وبأمن خروج الوقت، وعن مالك: إذا بعدت الإقامة من الإحرام تعاد، وينبغي أن يحمل على ما إذا لم يكن عذر.              

لا حياء في أمر الدين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنه كان جنبًا.

جواز انتظار المأمومين مجيء الإمام قيامًا عند الضرورة وهو غير القيام المنهي عنه في حديث أبي قتادة.

لا يجب على من احتلم في المسجد فأراد الخروج منه أن يتيمم، بل يذهب إلى بيته ويغتسل.

جواز الكلام بين الإقامة والصلاة.

جواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث.

الحديث الثالث:

عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت)).

شرح مفردات الحديث:

قوله: ((إذا أقيمت)) أي: إذا ذكرت ألفاظ الإقامة.

قوله: ((حتى تروني)) قال ابن حجر: أي خرجت، وصرح به عبد الرزاق وغيره عن معمر، عن يحيى أخرجه مسلم، ولابن حبان من طريق عبد الرزاق: ((حتى تروني خرجت إليكم)) وفيه مع ذلك حذف تقديره فقوموا.

وقال مالك في (الموطأ): لم أسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة بحدٍ محدود إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس؛ فإن منهم الثقيل والخفيف.

وذهب الأكثرون إلى أنهم إذا كان الإمام معهم في المسجد لم يقوموا حتى تفرغ الإقامة. وعن أنس: “أنه كان يقوم إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة” رواه ابن المنذر وغيره، وكذا رواه سعيد بن منصور من طريق أبي إسحاق، عن أصحاب عبد الله، وعن سعيد بن المسيب، قال: “إذا قال: المؤذن الله أكبر وجب القيام، وإذا قال: حي على الصلاة عدلت الصفوف، وإذا قال: لا إله إلا الله, كبر الإمام” وعن أبي حنيفة: “يقومون إذا قال حي على الفلاح، فإذا قال قد قامت الصلاة, كبر الإمام”.

وأما إذا لم يكن الإمام في المسجد؛ فذهب الجمهور إلى أنهم لا يقومون حتى يروه، وخالف من ذكرنا على التفصيل الذي شرحنا، وحديث الباب حجة عليهم، وفيه جواز الإقامة والإمام في منزله إذا كان يسمعها.

قال القرطبي: ظاهر الحديث أن الصلاة كانت تقام قبل أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيته وهو معارض لحديث جابر بن سُمرة: ((أن بلالًا كان لا يقيم حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم)) أخرجه مسلم، ويجمع بينهما بأن بلالًا كان يراقب خروج النبي صلى الله عليه وسلم فأول ما يراه يشرع في الإقامة قبل أن يراه غالب الناس، ثم إذا رأوه قاموا فلا يقوم في مقامه حتى تعتدل صفوفهم.

قال ابن حجر: ويشهد له ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن شهاب: ((أن الناس كانوا ساعة يقول المؤذن الله أكبر يقومون إلى الصلاة، فلا يأتي النبي صلى الله عليه وسلم مقامه حتى تعتدل الصفوف)).

وأما حديث أبي هريرة بلفظ: ((أقيمت الصلاة فسوا الناس صفوفهم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم)) ولفظه في مستخرج أبي نعيم: ((فصف الناس صفوفهم ثم خرج علينا)) ولفظه عند مسلم: ((أقيمت الصلاة فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا النبي صلى الله عليه وسلم فأتى فقام مقامه)) وعنه في رواية أبي داود: ((إن الصلاة كانت تقوم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يجيء النبي صلى الله عليه وسلم)) فيجمع بينه وبين حديث أبي قتادة بأن ذلك ربما وقع لبيان الجواز، وبأن صنيعهم في حديث أبي هريرة كان سبب النهي عن ذلك في حديث أبي قتادة كما تقدم، وأنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة، ولو لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له صلى الله عليه وسلم شغل يبطئ فيه عن الخروج فيشق عليهم انتظاره.

ثالثًا- باب: كراهة الصف بين السواري للمأموم:

عن عبد الحميد بن محمود، قال: ((صلينا خلف أميرٍ من الأمراء، فاضطرنا الناس فصلينا بين الساريتين، فلما صلينا قال أنس بن مالك: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)) رواه الخمسة إلا ابن ماجه.     

شرح مفردات الحديث:

قوله: ((صلينا خلف أميرٍ من الأمراء، فاضطرنا الناس فصلينا بين الساريتين)) كناية عن كثرة الزحام الذي كان في المسجد خلف هذا الأمير، ولم أقف على اسمه.

قال: “فلما صلينا قال أنس بن مالك” هو الصحابي الجليل، وقد تقدم التعريف به: ((كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)).

((كنا نتقي)) أي: نبتعد عن الصلاة بين السواري، وتقوى الشيء أن تجعل بينك وبينه سترًا ووقاية؛ ولذلك عندما تقول: اتق الله، أي: اجعل بينك وبين ما حرم الله سترًا ووقايةً.

والحديث من أوله: “صلينا خلف أميرٍ من الأمراء، فاضطرنا الناس فصلينا بين الساريتين، فلما صلينا قال أنس بن مالك” هنا الحجة؛ لأن أنسًا قال: ((كنا نتقي هذا)) وأضاف هذا إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)) لذلك إذا قال الصحابي قولًا وأضافه إلى عصر النبي صلى الله عليه وسلم فله حكم الحديث المرفوع.

حكم الصلاة بين السواري:

قال القرطبي: وروي أن سبب كراهة ذلك أنه مصلى الجن المؤمنين. وقد ذهب إلى كراهة الصلاة بين السواري بعض أهل العلم. وقال الترمذي: وقد كره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري، وبه قال أحمد وإسحاق. وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك، انتهى.

وبالكراهة قال النخعي. وروى سعيد بن منصور في سننه النهي عن ذلك عن ابن مسعود، وابن عباس، وحذيفة. قال ابن سيد الناس: ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة، ورخص فيه أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن المنذر، قياسًا على الإمام والمنفرد، قالوا: وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة بين ساريتين، وأجازه الحسن، وابن سيرين. 

وكان سعيد بن جبير، وإبراهيم التيمي، وسويد بن غفلة، يؤمون قومهم بين الأساطين، وهو قول الكوفيين. قال ابن العربي: ولا خلاف في جوازه عند الضيق، وأما عند السعة فهو مكروه للجماعة، فأما الواحد فلا بأس به، وقد صلى صلى الله عليه وسلم في الكعبة بين سواريها، انتهى.

error: النص محمي !!