Top
Image Alt

أحكام الطوارئ على المغصوب

  /  أحكام الطوارئ على المغصوب

أحكام الطوارئ على المغصوب

الأمر الطارئ هو الذي حدث بعد أن لم يكن، والذي يحدث بعد أن لم يكن على الشيء المغصوب إما أن ينقص وإما أن يزيد، فنتكلم الآن في أحكام الطوارئ على المغصوب بالنقص, أي: إذا حدث له نقص.

فإذا تعذر رد المغصوب لتغيره عند الغاصب بالزيادة أو النقصان, فقد يكون هذا التغير بفعل من الغاصب، أي: نقص أو زاد بفعلٍ فعله الغاصب فيه، وفي كل من الصورتين -صورة التغير هذه بالزيادة أو بالنقص- يكون المغصوب فيه موجودًا لم يهلك، نحن نتكلم الآن عن أحكام أمور طرأت على المغصوب فنقص أو زاد، ما دمنا نقول: نقص أو زاد إذًا هو موجود, ولا كلام لنا في الطوارئ التي تطلع على مغصوب هلك, بل كلامنا هنا على مغصوب موجود ولكن زاد أو نقص.

وأول ما نتكلم عنه هنا في الطوارئ على المغصوب، الأمر الذي طرأ عليه بالنقص، فقد يحدث للمغصوب بعد غصبه نقص، هذا النقص قد لا يكون في ذات المغصوب ولا في صفته، فلم تنقص عين المغصوب ولم تنقص صفة من صفاته، وقد يكون النقص بجناية عليه عند الغاصب من غير فعل حدث من الغاصب, وقد يكون النقص في ذات المغصوب.

فالمغصوب قد يتغير بالنقص فيحدث فيه بعد غصبه نقص، وهذا النقص قد لا يكون في ذات المغصوب ولا في صفة من صفاته الظاهرية من سمن وخلافه، فلم تنقص عين المغصوب ولا صفة من صفاته، وقد يكون النقص في ذات المغصوب بهزل أو مرض فهذا نقص، وهذا النقص قد يكون بجناية عليه عند الغاصب من غير فعل الغاصب، أي: جنى عليه شخص غير الغاصب فحدث له النقص، وقد يكون النقص الذي حدث عليه عنده بجناية من نفس الغاصب على الشيء المغصوب.

كل هذا في الاحتمالات التي تطرأ أو التي تتصور في حدوث النقص على الشيء المغصوب؛ فإذا كان النقص ليس في ذات المغصوب ولا في صفة من صفاته, إذًا يكون بسبب خارجي هو هبوط سعره أو نقصان ثمنه في الأسواق. والجمهور يذهب إلى أن هذا النقص، وهو هبوط سعره أو نقصان ثمنه في الأسواق, لا يضمنه الغاصب؛ لأن النقص الذي حدث مرجعه فتور رغبات الناس عن الشراء، وهذا أمر متعلق بإرادة الله، فهذا لا يقابل بشيء، لكن المغصوب باقٍ على حاله لم تنقص ذاته، ولم تنقص صفة من صفاته لا سمنًا ولا مرضًا ولا في شيء، فلا اعتبار بتغير السعر في السوق.

أما إذا كان النقص في ذات المغصوب أو في صفة من صفاته, فإنه يكون مضمونًا على الغاصب إجمالًا عند الجمهور، سواء حصل النقص بآفة سماوية -أي: بأمر من الله ولم تتدخل يد الغاصب فيه- أو كان بفعل من الغاصب، هذا على سبيل الإجمال.

والمالكية يقولون: إذا كان النقص الذي حدث في الشيء المغصوب بأمر سماوي, ولا دخل للغاصب فيه, فليس للمغصوب منه إلا واحد من أمرين: إما أن يأخذه ناقصًا؛ لأن الذي حدث له أمر سماوي لا دخل للغاصب فيه، وهذا هو المشهور عندهم، أو يضمن الغاصب قيمة المغصوب يوم الغصب, أي: يقول له: يوم أن غصبته كان يساوي عشرة، والآن بعدما حدث له من أمر سماوي يساوي ثمانية، أنا أريد أن آخذه أو أسترد قيمته يوم غصبته؛ لأن قيمته كانت عشرة.

وقيل رأي في المذهب, أن له أن يأخذه ويضمن الغاصب قيمة النقص فقط، أي: إنه إذا حدث له أمر سماوي، فأنقصه من العشرة إلى الثمانية، فللمغصوب منه أو صاحب المال أن يأخذه -يأخذ عين ماله- ويقول له: النقص يساوي اثنين من عشرة، فيضمن الغاصب قيمة الاثنين، ويأخذ المغصوب بالنقص الذي حدث له.

أما إذا كان المغصوب قد حدثت له جناية -تعدٍّ عليه- من الغاصب، فالمغصوب منه مخير في المذهب المالكي؛ لأن الجناية حصلت من الغاصب عليه, فهو مخير بين أن يضمن الغاصب القيمة يوم الغصب، وهذا واضح؛ أو يأخذ الشيء المغصوب مع ما نقصته الجناية يوم الجناية عليه، وهذا مثلنا له في الأمر السماوي عند ابن القاسم من المالكية, وعند بعضهم وهو سحنون: ما نقصته الجناية يوم الغصب. وذهب بعضهم، وهو الإمام أشهب إلى أنه مخير بين أن يضمن الغاصب القيمة أو يأخذه ناقصًا، ولا شيء له في الجناية كالذي ينقص بأمر سماوي.

هذا ما ذهب إليه أحد المالكية، وهو أشهب حيث قال: الأمر يستوي، فليس له إلا أن يأخذه ناقصًا، ولا شيء في الجناية كالأمر السماوي هذا له ذلك، أو أن يضمنه القيمة أو يأخذه ناقصًا ولا شيء له. هذا بالنسبة للمالكية.

أما الحنفية فيقولون: إن نقص المغصوب في يد الغاصب, فلا يخرج عن أربع أحوال، كل حالة لها حكم في الضمان:

الحالة الأولى: قالوا: أن يحدث النقص بسبب هبوط السعر في الأسواق، وهذا لا ضمان فيه على الغاصب إذا ردّ العين التي غصبها إلى مكان الغصب، هذا عند الجمهور وغيرهم, فنقصان القيمة بسبب هبوط السعر لا يكون فيه ضمان؛ لأن نقصان السعر ليس نقصانًا ماديًّا في ذات المغصوب فلم يتأثر, أي: في جزء من أجزاء المغصوب, فبهذا النقصان هو بحالته أو بثمنه وصحته، فنقصان السعر إنما حدث بأمر إلهي، وهو فتور رغبات الناس لعدم وجود المال أو خلافه.

الحالة الثانية عند الحنفية: قالوا: أن يكون النقص الذي حدث بسبب ضياع وصف مرغوب فيه، فالحيوان مثلًا فيه أوصاف تجعل الإنسان يكون راغبًا في هذا الحيوان، مثل أن يكون صحيحًا وحواسه سليمة… إلى آخره، فإذا ضعُف الحيوان بسبب مرض عند الغاصب أو زوال حاسة من الحواس كالسمع والبصر، فيجب على الغاصب ضمان النقص، ويأخذ المغصوب منه العين المغصوبة لبقائها على حالها، وذلك في غير مال الربا؛ لأنهم يقولون: إن الشيء المغصوب إذا كان مالًا ربويًّا، ومثلوا له بمثال كما لو كسر الغاصب إناءً من الفضة بعد غصبه، فليس لمالك الإناء إذا أراد أن يأخذه من غاصبه, لا يأخذه إلا هو فقط نفسه ولا شيء له بسبب النقصان؛ لأن الربويات -فالفضة مال ربوي- لا يجيزون فيها ضمان النقصان مع استرداد الأصل؛ لأن ذلك يؤدي إلى الربا. أما فيما عدا الأموال الربوية فيأخذ صاحب المال -وهو المغصوب منه- العين المغصوبة ويستردها لبقائها على حالها، ويضمن الغاصب النقص الذي حدث.

الحالة الثالثة: قالوا: أن يكون النقص بسبب ضياع أمر معنوي مرغوب فيه في العين المغصوبة، والأمر المعنوي هو غير الظاهر ولكنه غير ملحوظ. وذلك مثل نسيان الحرفة, كالعبد الذي كانت له حرفة ثم نسيها عند الغاصب، أو اغتصب الغاصب عبدًا فهرب منه، فيجب ضمان النقص أو الشيخوخة بعد الشباب, وذلك كأن يغتصب الغاصب عبدًا كان شابًّا, فشاخ عند الغاصب، كل هذا نقص بسبب ضياع معنى من المعاني، والحنفية في هذه الحالة يقولون: يجب ضمان النقص.

الحالة الرابعة: أن يكون النقص بجناية الغاصب عليه. كل ما مر ليس بجناية من الغاصب، وإنما الحالة الرابعة إذا حدثت الجناية أو التعدي من الغاصب عليه، وهنا الحكم يختلف بحسب ما إذا كان النقص الذي حصل يسيرًا أو فاحشًا.

ففي النقص اليسير كالقطع اليسير في الثوب المغصوب, ونحوه من الأشياء اليسيرة, ليس لصاحب المال المغصوب كالثوب الذي غصب منه، سوى أن يضمن الغاصب مقدار النقص فقط؛ لأن العين باقية بذاتها، وإنما حدث لها عيب يسير.

أما إذا كان النقص فاحشًا كما إذا حدث قطع كبير في الثوب من أوله إلى آخره، بحيث يبطل الغرض المطلوب منه، أي: بطلت منافعه فلا يستطيع الإنسان أن يلبسه على هذه الحالة، وفي حالة النقصان الكبير هذا أو الفاحش يكون مالك المال المغصوب كمالك الثوب مخيرًا بين أخذه وتضمين الغاصب قيمة النقصان, أي: يأخذه ويقول له: النقصان يساوي نصف الثمن أو خلافه، وبين أن يتركه جملة للغاصب ويأخذ كامل القيمة.

والفرق بين اليسير والفاحش هو أن اليسير ما لا يفوت به شيء من المنفعة، وإنما يدخل به النقصان فقط كالقطع اليسير. أما الفاحش ما يفوت به جنس المنفعة؛ أي: يفوت به الانتفاع بالعين، هذا ما ذهب إليه الجمهور والمالكية والحنفية.

الذي يجب عند ضمان النقص:

قلنا: إن العين نقصت عند الغاصب، ووجب الضمان، فإذا وجب ضمان النقص تقوّم العين المغصوبة التي حدث بها النقص سليمة صحيحة يوم غصبها, ثم تقوم مرة أخرى بعد النقص الذي حدث لها، ويغرم الغاصب الفرق ما بين القيمتين، فلو يوم أن غُصبت كانت بعشرة، ويوم أن دخل عليها النقص في أية صورة كانت بسبعة، غرم الغاصب الفرق ما بين القيمتين وهو الثلاثة.

وإذا كانت الجناية على المغصوب عند الغاصب بفعل ليس من الغاصب؛ لأنه قد يدخل النقص على الشيء المغصوب عند الغاصب بفعل من الغاصب، وهذا عرفنا أحكامه، لكن إذا حدثت الجناية على المغصوب بفعل من شخص أجنبي غير الغاصب، وليس بأمر سماوي، ففي هذه الحالة يكون الضمان أو الأمر بالنسبة لمالك الشيء المغصوب منه؛ بأن يخير صاحب الشيء -وهو المغصوب منه- بين أن يضمن الغاصب القيمة يوم الغصب، ويرجع الغاصب على الجاني بما غرم أو بما دفع لمالك الشيء، وبين أن يترك الغاصب, أي: صاحب الشيء لا يرجع للغاصب، وإنما يرجع على الجاني بالضمان، وليس له علاقة بالغاصب لأن الضمان يلزمه، بدليل أن الغاصب إذا دفع لمالك العين يرجع على من أتلف بالنقصان؛ لأن الضمان يلزمه في كل من الحالات.

هذا كل ما يتصل بأحكام الطوارئ, أو ما يطرأ على المغصوب بالنقص.

error: النص محمي !!