Top
Image Alt

أحكام العدة والطلاق قبل الدخول، والمحافظة على الصلوات، وحق الأزواج

  /  أحكام العدة والطلاق قبل الدخول، والمحافظة على الصلوات، وحق الأزواج

أحكام العدة والطلاق قبل الدخول، والمحافظة على الصلوات، وحق الأزواج

1. بيان عدة المتوفى عنها زوجها، وما يجوز لها وما يحرم عليها في ذلك:

أ. أقوال المفسرين:

قوله: {وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ}: أمرٌ من الله للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال، وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإجماع، ومستنده في غير المدخول بها عموم الآية الكريمة، وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد، وأهل السنن وصححه الترمذي: أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة فمات عنها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها، فترددوا إليه مرارًا في ذلك؛ فقال: أقول فيها برأيي؛ فإن يك صوابًا فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه، فقال: لها الصداق كاملًا. وفي لفظ: “لها صداق مثلها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث” فقام معقل بن سنان الأشجعي، فقال: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به في بروع بنت واشق، ففرح عبد الله بذلك فرحًا شديدًا))، وفي رواية: ((فقام رجال من أشجع، فقالوا: نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به في بروع بنت واشق)) ولا يخرج من ذلك إلا المتوفي عنها زوجها وهي حامل فإن عدتها بوضع الحمل ولو لم تمكث بعده سوى لحظة لعموم قوله: {وَأُوْلاَتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ} [الطلاق:4] .

وقوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيَ أَنْفُسِهِنّ بِالْمَعْرُوفِ} يستفاد من هذا وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها مدة عدتها لما ثبت في الصحيحين من غير وجه عن أم حبيبة وزينب بنت جحش أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيْتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)).

وقوله: {فِيمَا فَعَلْنَ} يعني: النساء اللاتي انقضت عدتهن.  ثم يقول تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّسَآءِ} أن تعرضوا بخطبة النساء في عدتهن من وفاةِ أزواجهِنَّ من غير تصريح.

وقال غير واحد من السلف والأئمة في التعريض: إنه يجوز للمتوفى عنها زوجها من غير تصريح لها بالخطبة، وهكذا حكم المطلقة المبتوتة يجوز التعريض لها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات، فأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، وقال لها: ((فإذا حللت فآذنيني))، فلما حلت خطب عليها أسامة بن زيد مولاه؛ فزوجها إياه، فأما المطلقة فلا خلاف في أنه لا يجوز لغير زوجها التصريح بخطبتها، ولا التعريض لها، والله أعلم.

ب. مسائل الآية:

يستثنى من مدة العدة في الآية الزوجة إذا كانت أَمَةً؛ فإن عدتها على النصف من عدة الحرة “شهران وخمس ليالٍ” على قول الجمهور؛ لأنها لما كانت على النصف من الحرة في الحد، فكذلك فلتكن على النصف منها في العدة، ومن العلماء كمحمد بن سيرين وبعض الظاهرية من يسوى بين الزوجات الحرائر والإماء في هذا المقام لعموم الآية؛ ولأن العدة من باب الأمور الجِبِلِّيَةِ التي تستوي فيها الخليقة. 

ذكر سعيد بن المسيب وأبو العالية وغيرهما: أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا؛ لاحتمال اشتمال الرحم على حمل فإذا انتظر به هذه المدة ظهر إن كان موجودًا، كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما: ((إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح، فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر)) والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه، والله أعلم.

2. الأحكام المتعلقة بطلاق المرأة قبل الدخول بها:

أقوال المفسرين: 

أباح الله عز وجل طلاق المرأة بعد العقد عليها، وقبل الدخول بها، بل ويجوز أن يطلقها قبل الدخول بها، والفرض لها إن كانت مفوضة وإن كان في هذا انكسار لقلبها؛ ولهذا أمر تعالى بإمتاعها، وهو تعويضها عما فاتها بشيء تُعْطَاهُ من زوجها بحسب حاله على الموسع قدره وعلى المقتر قدره. وقوله: {وَإِن طَلّقْتُمُوهُنّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسّوهُنّ…} الآية؛ فإن هذه الآية الكريمة تدل على اختصاص المتعة بما دلت عليه الآية الأولى؛ حيث إنما أوجب في هذه الآية نصف المهر المفروض إذا طلق الزوج قبل الدخول؛ فإنه لو كان ثم واجب آخر من متعة لبيّنها؛ لا سيما، وقد قرنها بما قبلها من اختصاص المتعة بتلك الآية، والله أعلم. وتشطير الصداق أمرٌ مجمعٌ عليه بين العلماء ولا خلاف بينهم ؛ فإنه متى كان قد سمى لها صداقا، ثم فارقها قبل دخوله بها؛ فإنه يجب لها نصف ما سُمِّيَ من الصداق.

وقوله: {إَلاّ أَن يَعْفُونَ} أي: النساء عما وجب لها على زوجها؛ فلا يجب لها عليه شيء.

وقوله: {أَوْ يَعْفُوَاْ الّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النّكَاحِ}.

قال ابن كثير بعد أن ذكر الآثار في أنه الزوج:  قلت: وهذا هو الجديد من قولي الشافعي ومذهب أبي حنيفة وأصحابه والثوري، وابن شبرمة، والأوزاعي، واختاره ابن جرير، ومأخذ هذا القول: أن الذي بيده عقدة النكاح حقيقةً الزوج؛ فإن بيده عقدها وإبرامها ونقضها وانهدامها، وكما أنه لا يجوز للولي أن يهب شيئًا من مالِ المولية للغير فكذلك في الصداق.

ثم ذكر مَن قال: إنه ولي المرأة، ثم قال: وهذا مذهب مالك، وقول الشافعي في القديم، ومأخذه: أن الولي هو الذي أكسبها إياه، فله التصرف فيه بخلاف سائر مالها.

وقوله: {وَأَن تَعْفُوَاْ أَقْرَبُ لِلتّقْوَىَ} قال ابن جرير: قال بعضهم: خوطب به الرجال والنساء.  {وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} يعني لا تهملوه، بل استعملوه بينكم. {إِنّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: لا يخفى عليه شيء من أموركم وأحوالكم، وسيجزي كل عامل بعمله.

جـ. مسائل الآية:

المسألة الأولى: اختلف العلماء أيضًا هل تجب المتعة لكل مطلقة، أو إنما تجب المتعة لغير المدخول بها التي لم يفرض لها؟ على أقوال:

القول الأول: أن تجب المتعة لكل مطلقة؛ لعموم قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتّقِينَ} ولقوله تعالى: {يَأَيّهَا النّبِيّ قُل لأزْوَاجِكَ إِن كُنتُنّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنّ وَأُسَرّحْكُنّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب:28]   وقد كن مفروضًا لهن، ومدخولًا بهن.  وهذا قول سعيد بن جبير وأبي العالية والحسن البصري، وهو أحد قولي الشافعي، ومنهم من جعله الجديد الصحيح، والله أعلم.

القول الثاني: أنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس، وإن كانت مفروضًا لها؛ لقوله تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمّ طَلّقْتُمُوهُنّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسّوهُنّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنّ مِنْ عِدّةٍ تَعْتَدّونَهَا فَمَتّعُوهُنّ وَسَرّحُوهُنّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب:49]. عن سعيد بن المسيب قال: نسخت هذه الآية التي في “الأحزاب” الآية التي في “البقرة”.

وقد روى البخاري في (صحيحه) عن سهل بن سعد، وأبي أسيد: أنهما قالا: ((تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شرحبيل فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين)).

القول الثالث: أن المتعة إنما تجب للمطلقة، إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها، فإن كان قد دخل بها؛ وجب لها مهر مثلها إذا كانت مفوضة، وإن كان قد فرض لها وطلقها قبل الدخول؛ وجب لها عليه شطره؛ فإن دخل بها استقر الجميع، وكان ذلك عوضًا لها عن المتعة وإنما المصابة التي لم يفرض لها، ولم يدخل بها؛ هذه الآية الكريمة  دلت على وجوب متعتها، وهذا قول ابن عمر ومجاهد.

المسألة الثانية: عند الأئمة الثلاثة: أنه يحب جميع الصداق إذا خلا بها الزوج وإن لم يدخل بها، وهو مذهب الشافعي في القديم، وبه حكم الخلفاء الراشدون.

3. المحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى 

أ. الآثار: 

عن ابن عباس: أنه صلى الغداة في مسجد البصرة، فقنت قبل الركوع وقال: هذه الصلاة الوسطى التي ذكرها الله في كتابه فقال: {حَافِظُواْ عَلَى الصّلَوَاتِ والصّلاَةِ الْوُسْطَىَ وَقُومُواْ للّهِ قَانِتِينَ}.

عن أبي العالية قال: صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة صلاة الغداة، فقلت لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانبي: ما الصلاة الوسطى؟ قال: هذه الصلاة.

وأخرج أحمد، وأبو داود عن زيد بن ثابت، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، فنزلت: {حَافِظُواْ عَلَى الصّلَوَاتِ والصّلاَةِ الْوُسْطَىَ وَقُومُواْ للّهِ قَانِتِينَ} وقال: إن قبلها صلاتين، وبعدها صلاتين. وله طرق عن زيد، وروي عنه مرفوعًا.

وممن روى عنه أنها الظهر: ابن عمر، وأبو سعيد، وعائشة على اختلاف عنهم، وهو قول عروة بن الزبير، وعبد الله بن شداد بن الهاد.

وعن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي أيوب، وعبد الله بن عمرو وسمرة بن جندب، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وحفصة، وأم حبيبة، وأم سلمة، وعن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة على الصحيح عنهم وبه قال عبيدة، وإبراهيم النخعي، ورزين بن حبيش، وسعيد بن جبير وابن سيرين، والحسن، وقتادة، والضحاك، والكلبي، ومقاتل، وعبيد بن مريم، وغيرهم: أنها العصر.

أخرج أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: ((شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا، ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ -بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ-)). 

قال ابن كثير: وحديث يوم الأحزاب، وشغل المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن أداء الصلاة العصر يومئذ. مرويٌّ عن جماعة من الصحابة يطول ذكرهم، وإنما المقصود رواية من نص منهم في روايته: أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. ورواه مسلم أيضًا من حديث ابن مسعود، والبراء بن عازب رضي الله عنهما.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن زر، قال: قلت لعبيدة: سل عليًّا عن الصلاة الوسطى، فسأله فقال: كنا نراها الفجر أو الصبح حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب: ((شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا، ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ -بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ-)).

وأخرج أحمد والترمذي عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وسماها لنا أنها هي صلاة العصر)). وقال الترمذي: حسن صحيح.  

وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((الصلاة الوسطى صلاة العصر)).  

وأخرج ابن جرير عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((الصلاة الوسطى صلاة العصر)).  قال ابن كثير: إسناده لا بأس به. 

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن زيد بن أرقم، قال: “كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في الحاجة في الصلاة حتى نزلت هذه الآية {وَقُومُواْ للّهِ قَانِتِينَ} فأمرنا بالسكوت”.

وأخرج مالك والبخاري ومسلم عن نافع: “أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها، ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالًا على أقدامهم، أو ركبانًا مستقبلي القبلة، أو غير مستقبليها”، قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم .

ولمسلم في لفظ: “فإن كان خوف أشد من ذلك، فصلِّ راكبًا أو قائمًا تومى إيماءً”.

وأخرج أحمد وأبو داود عن عبد الله بن أنيس الجهني لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان الهذلي ليقتله، وكان نحو عرفة أو عرفات، فلما واجهه حانت صلاة العصر، قال: “فخشيت أن تفوتني فجعلت أصلي وأنا أومى إيماءً” الحديث بطوله.  قال ابن كثير: إسناده جيد. 

عن ابن عباس، قال: في هذه الآية يصلي الراكب على دابته، والراجل على رجليه.  وعن الحسن ومجاهد، ومكحول، والسدي، والحكم، ومالك والأوزاعي، والثوري، والحسن بن صالح، نحو ذلك، وزاد: ويومىء برأسه أينما توجه.

عن جابر بن عبد الله، قال: إذا كانت المسايفة فليومىء برأسه حيث كان وجهه، فذلك قوله: {فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً}.

ب. أقوال المفسرين:

ثم يأمر تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها. وخص تعالى من بينها بمزيد التأكيد الصلاة الوسطى.

وقد اختلف السلف والخلف فيها، أيُّ صلاةٍ هي؟ فقيل: إنها الصبح.

وهو الذي نصَّ عليه الشافعي -رحمه الله- محتجًّا بقوله تعالى: {وَقُومُواْ للّهِ قَانِتِينَ} والقنوت عنده في صلاة الصبح.

ومنهم من قال: هي وسطى؛ باعتبار أنها لا تقصر، وهي بين صلاتين رباعيتن مقصورتين -وترد المغرب- وقيل: لأنها بين صلاتي ليل جهريتين، وصلاتي نهار سريتين. وقيل: إنها صلاة الظهر، وهو رواية عن أبي حنيفة. وقيل: إنها صلاة العصر.

قال الترمذي والبغوي- رحمهما الله-: وهو قول أكثر علماء الصحابة وغيرهم، وقال القاضي الماوردي: هو قول جمهور التابعين، وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر، وقال أبو محمد بن عطية في (تفسيره): وهو قول جمهور الناس، وقال الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي في كتابه المسمى بـ (كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى): وقد نصر فيه أنها العصر.

وهو مذهب أحمد بن حنبل، قال القاضي الماوردي، والشافعي، قال ابن المنذر: وهو الصحيح عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد واختاره ابن حبيب المالكي رحمهم الله. قال ابن كثير بعد أن ساق الأحاديث المرفوعة في ذلك: فهذه نصوص في المسألة، لا تحتمل شيئًا، ويؤكد ذلك الأمر بالمحافظة عليها، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ)). 

ووجه هذا القول بعضهم: بأنها وسطى في العدد بين الرباعية والثنائية، وبأنها وتر المفروضات، وبما جاء فيها من الفضيلة، والله أعلم.

وقوله تعالى: {وَقُومُواْ للّهِ قَانِتِينَ} أي: خاشعين ذليلين مستكينين بين يديه، وهذا الأمر مستلْزِمٌ ترك الكلام في الصلاة لمنافاته إياها؛ ولهذا لما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الرد على ابن مسعود حين سلم عليه وهو في الصلاة اعتذر إليه بذلك، وقال: إن في الصلاة لشغلًا.

وقوله: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلّمَكُم مّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ}، لما أمر تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات والقيام بحدودها، وشدد الأمر بتأكيدها ذكر الحال الذي يشتغل الشخص فيها عن أدائها على الوجه الأكمل، وهي حال القتال والتحام الحرب، فقال: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} أي: فصلوا على أيِّ حالٍ كان رجالًا أو ركبانًا، يعني: مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها. وهذا من رخص الله التي رخص لعباده ووضعه الإصر والأغلال عنهم.

وقوله: {فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ} أي: أقيموا صلاتكم كما أمرتكم فأتموا ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها وخشوعها وهجودها، {كَمَا عَلّمَكُم مّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} أي: مثل ما أنعم عليكم، وهداكم للإيمان وعلمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، فقابلوه بالشكروالذكر، كقوله بعد ذلك صلاة الخوف: {فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ إِنّ الصّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مّوْقُوتاً} [النساء:103].

error: النص محمي !!