Top
Image Alt

أحكام العِدد، أو حقوق المرأة المعتدة وواجباتها

  /  أحكام العِدد، أو حقوق المرأة المعتدة وواجباتها

أحكام العِدد، أو حقوق المرأة المعتدة وواجباتها

يتعلق بالمعتدة الأحكام الآتية:

أولًا: تحريم الخطبة:

فلا يجوز للأجنبي خطبة المعتدة صراحة، سواء أكانت مطلقة، أو متوفى عنها زوجها؛ لأن المطلقة طلاقًا رجعيًّا في حكم الزوجة فلا يجوز خطبتها، ولبقاء بعض آثار الزواج في المطلقة ثلاثًا، أو بائنًا، أو متوفى عنها زوجها، ولا يجوز أيضًا التعريض بالخطبة في عدة الطلاق، ويجوز في عدة الوفاة؛ لقول الحق -سبحانه: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} [البقرة: 235]، إلى أن قال: {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا} [البقرة: 235]،  ولأنه في عدة الطلاق لا يجوز للمعتدة الخروج من منزلها أصلًا ليلًا ولا نهارًا، ويجوز للمتوفى عنها عند الحنفية الخروج نهارًا ولأن إثارة العداوة بالتعريض لزوجها الأول يتصور في المطلقة لا المتوفى عنها زوجها.

ثانيًا: تحريم الزواج:

فلا يجوز للأجنبي بالإجماع نكاح المرأة المعتدة؛ لقول الحق سبحانه وتعالى : {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235]، أي: لا تعقدوا عقد النكاح حتى تنقضي العدة التي كتبها الله -تعالى- على المعتدة، ولبقاء الزوجية في الطلاق الرجعي وبعض آثار الزواج في الطلاق الثلاثي والبائن، وإذا تزوجت فالنكاح باطل؛ لأنها ممنوعة من الزواج لحق الزوج الأول؛ فكان نكاحًا باطلًا كما لو تزوجت وهي في نكاحه، ويجب أن يفرق بينه وبينها، ويجوز لصاحب العدة أن يتزوج المعتدة؛ لأن الإلزام بالعدة إنما شرع مراعاة لحق الزوج؛ فلا يجوز أن يمنع حقه، فالعدة لحفظ مائه وصيانة نسبه، ولا يصان ماؤه عن بعضه، ولا يحفظ نسبه عنه، فإذا انقضت العدة جاز لأي شخص أن يتزوجها.

ثالثًا: حرمة الخروج من البيت:

للفقهاء آراء متقاربة في مسألة خروج المعتدة من البيت؛ فالحنفية فرقوا بين المطلقة والمتوفى عنها؛ فقالوا: يحرم على المطلقة البالغة العاقلة الحرة المسلمة المعتدة من زواج صحيح الخروج ليلًا ونهارًا؛ سواء أكان الطلاق بائنًا، أو ثلاثًا، أو رجعيًّا؛ لقول الحق سبحانه وتعالى  في الطلاق الرجعي: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1]،  وذلك بأن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها، ويرى الإمام أبو حنيفة أن الفاحشة هي نفس الخروج، وقوله -تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ} [الطلاق: 6]،  والأمر بالإسكان نهي عن الإخراج والخروج، وأما في الطلاق الثلاثي، أو البائن فلعموم النهي عن الخروج، ومساس الحاجة إلى الحفاظ على الأنساب وعدم اختلاط المياه.

وأما المتوفى عنها فلا تخرج ليلًا، ولا بأس أن تخرج نهارًا في حوائجها؛ لأنها تحتاج إلى الخروج بالنهار لاكتساب ما تنفقه؛ لأنه لا نفقة لها من الزوج المتوفى، بل نفقتها عليها، فتحتاج إلى الخروج لتحصيل النفقة، ولا تخرج بالليل لعدم الحاجة إلى الخروج بالليل، بخلاف المطلقة فإن نفقتها على الزوج فلا تحتاج إلى الخروج، وليس للمعتدة من طلاق ثلاث، أو بائن، أو رجعي أن تخرج من منزلها الذي تعتد فيه إلى سفر ولو إلى حج فريضة إذا كانت معتدة من نكاح صحيح، ولا يجوز للزوج أن يسافر بها؛ لقوله -تعالى: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ}، والمذهب أن للزوج ضرب المرأة المفارقة على الخروج من منزله بلا إذن، إلا إن احتاجت إلى الاستفتاء في حادثة ولم يرض الزوج أن يستفتي لها، وهو غير عالم.

ويجوز للمعتدة من نكاح فاسد أن تخرج؛ لأن أحكام العدة مرتبة على أحكام النكاح الصحيح، ويجوز أيضًا للصغيرة والمجنونة أن تخرج من منزلها إذا لم يكن في الفرقة رجعة؛ سواء أذن الزوج لها، أو لم يأذن؛ إذ إن حق الله في العدة لا يجب على الصغير والمجنون، ولأنه لا ولد من الصغيرة فلم يبق للزوج حق، ولكن يجوز للزوج منع المجنونة من الخروج؛ حفاظًا على مائه وتحصينه من الاختلاط، وإن كانت الفرقة رجعية فلا يجوز للصغيرة الخروج بغير إذن الزوج؛ لأنها زوجته، هذا كله في حال الاختيار، أما في حال الضرورة فلكل معتدة الخروج، فإن اضطرت إلى الخروج من بيتها بأن خافت سقوط منزلها، أو خافت على متاعها، أو لا تجد أجرة البيت الذي تستأجره في عدة الوفاة؛ فلا بأس عندئذ أن تخرج، وتنتقل المعتدة المطلقة في البادية مع أهل الكلأ في محفة، أو خيمة مع زوجها إن تضررت في المكان الذي طلقها فيه، وإن لم تتضرر فلا تنتقل من مكانها.

وأجاز المالكية والحنابلة للمعتدة الخروج للضرورة، أو عذر بأن خافت هدمًا، أو غرقًا، أو عدوًّا، أو لصوصًا، أو غلاء كرائها أو نحوه، كما قرر الحنفية، وأجازوا أيضًا للمعتدة مطلقًا الخروج في حوائجها نهارًا سواء أكانت مطلقة، أو متوفى عنها؛ لما روي عن جابر، قال: طُلقت خالتي ثلاثًا، فخرجت تجذ نخلها، فلقيها رجل فنهاها، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((اخرجي فجذي نخلك لعلك أن تتصدقي منه، أو تفعلي خيرًا))، والحديث رواه النسائي، وأبو داود، وروى مجاهد، قال: “استشهد رجال يوم أحد، فجاء نساؤهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلن: يا رسول الله، نستوحش بالليل أفنبيت عند إحدانا، فإذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تحدثن عند إحداكن حتى إذا أردتن النوم فلتقم كل واحدة إلى بيتها)).

وليس للمعتدة المبيت في غير بيتها، ولا الخروج ليلًا إلا للضرورة ولا تبيت في دارها؛ لأن الليلة مظنة الفساد بخلاف النهار؛ فإنه مظنة قضاء الحوائج والمعاش وشراء ما يحتاج إليه، وإن وجب عليها حق لا يمكن استيفاؤه إلا بها كاليمين، أو الحد، وكانت ذات خدر -أي: ستر- بعث إليها الحاكم من يستوفي الحق منها في منزلها، وإن كانت برزة -هي الظاهرة غير المستترة- جاز إحضارها لاستيفائه، فإذا فرغت رجعت إلى منزلها.

ولم يجز الشافعية للمعتدة مطلقًا سواء أكانت رجعية، أو مبتوتة، أو متوفى عنها زوجها الخروج من موضع العدة إلا لعذر؛ لقول الحق سبحانه وتعالى : {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}، عن فريعة بنت مالك قالت: “قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني في داري وحشة أفأنتقل إلى دار أهلي فأعتد عندهم؟ فقال: ((امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله))، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا”.

ورأى الشافعية والحنابلة أن منزل البدوية وبيتها من شعر كمنزل حضرية في لزوم الموضع الذي مات زوجها وهي فيه، فلو ارتحل في أثنائها كل الحي انتقلت معهم للضرورة، وإن ارتحل بعض الحي بقيت مع الباقين إن كان فيهم قوة، لكن لو ارتحل أهلها لها أن ترحل معهم؛ لأن مفارقة الأهل عسرة موحشة.

رابعًا: السكنى في بيت الزوجية والنفقة:

هذا حق للمرأة واجب على الزوج، أما سكنى المعتدة -أي معتدة في بيت الزوجية- فواجبة؛ لقول الله -تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1]،  والبيت المضاف للمرأة هو البيت الذي تسكنه عند الفرقة؛ سواء أكانت مطلقة، أو متوفى عنها، لكن قال الحنفية: يجوز بقاء المطلقة رجعيًّا مع الزوج في دار واحدة، وله إن قصد مراجعتها أن يستمتع بها بعد الطلاق؛ لأن الطلاق الرجعي لا يُحرم عندهم على الراجح المطلقة على من طلقها، ويكون استمتاعه بها رجعة، وله حينئذ إذا قصد مراجعتها أن يدخل عليها بلا إذنها.

أما في الطلاق البائن، أو الثلاث؛ فلا بد من ساتر حاجز بين الرجل والمطلقة، فإن كان المسكن متسعًا استقلت المرأة بحجرة فيه، ولا يجوز للمطلق أن ينظر إليها، ولا أن يقيم معها في تلك الحجرة، وإن كان المسكن ضيقًا ليس فيه إلا حجرة واحدة وجب على الرجل المطلق أن يخرج من المسكن، وتبقى المطلقة فيه حتى تنقضي العدة؛ لأن بقاء المرأة في منزل الزوجية الذي كانت تسكن فيه وقت الطلاق واجب شرعًا، ولئلا تقع الخلوة بالأجنبية، ولا عبرة بالعرف القائم الآن من خروج المطلقة من بيت الزوجية؛ فهو عرف مصادم للنص القرآني السابق: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ}.

ولكن يعد ضيق المنزل وفسق الزوج عذرًا يجيز في رأي الحنفية للمطلقة، أو المتوفى عنها الخروج من البيت، وتعيين الموضع الذي تنتقل إليه في عدة الطلاق إلى الزوج، أما في عدة الوفاة فإن التعيين يكون إليها؛ لأنها هي صاحبة الرأي المطلق في أمر السكنى حتى إن أجرة المنزل إن كان بأجرة تكون عليها، وكذلك يعد إيذاؤها الجيران عذرًا عند الحنابلة يبيح انتقالها لدار أخرى.

ولا تخرج المعتدة إلى صحن الدار التي فيها منازل الأجانب عنها؛ لأنه كالخروج إلى الشارع، فإن لم يكن في الدار منازل للأجانب بل بيوت، أو غرف جاز لها الخروج إلى صحن الدار، ولا تصير به خارجة عن الدار، ولها أن تبيت في أية غرفة شاءت منها.

وذكر الشافعية: أن الرجل إذا عاشر المعتدة كزوج بخلوة ولو بدخول دار هي فيها، ونوم ولو في الليل فقط، وأكل ونحو ذلك بلا وطء لها في عدة أقراء، أو أشهر؛ فالأصح أنها إن كانت بائنة انقضت عدتها بما ذكر؛ لأن مخالطتها محرمة ووطؤها زنا لا حرمة له، ولا أثر للحرام في الحكم الشرعي كالمزني بها لا يترتب على الزنا حكم شرعي من أحكام الزواج، وأما إن كانت رجعية فلا تنقضي عدتها؛ لأن الشبهة قائمة؛ لأن العدة لبراءة الرحم وهي مشغولة، لكن لا يضر دخول دار هي فيها بلا خلوة.

error: النص محمي !!