Top
Image Alt

أحكام الكفالة بالمال أو بالنفس

  /  أحكام الكفالة بالمال أو بالنفس

أحكام الكفالة بالمال أو بالنفس

المكفول به هو محل الكفالة، أو محل الكفالة هو الشيء المكفول به، أو الأمر الذي كُفل، وهذا هو المال أو النفس، والمال أو النفس المكفولة قد يكون عينًا وقد يكون فعلًا.

وعند الحنفية هذا الأمر المكفول به, أو الذي كفل لا بد أن يكون له شروط:

الشرط الأول: أن يكون المكفول به دينًا على الأصيل، أي: مضمونًا على الأصيل، سواء كان دينًا، أو عينًا، أو نفسًا، فهذا الكلام عند الحنفية بمعنى: أن الكفيل لا يضمن الدين الذي على المدين إلا كان مضمونًا على الأصيل؛ لأن هناك قاعدة تقول: التزام الكفيل تابع لالتزام الأصيل، وما دام الأصيل وهو المدين الأصلي ملتزمًا بدين, فيكون التزام الكفيل تابعًا لهذا، فما دام مضمونًا على الأصيل فيكون مضمونًا على الكفيل، هذا بالنسبة للدين.

أما بالنسبة للعين، فالعين نوعان: عين أمانة، وعين مضمونة؛ إما بنفسها أو بغيرها، والعين التي تعتبر أمانة مثل الوديعة، ومال الشركة، ومال المضاربة هذه لا تصح الكفالة بها؛ لأنها غير مضمونة من الأصل؛ لأننا قلنا في الشرط: أن يكون المكفول به مضمونًا على الأصيل، وما دامت الوديعة ليست مضمونة على المودع؛ لأنها أمانة لا تضمن بالكفالة، المضمونة بنفسها كالعين المغصوبة، والعين المغصوبة لا يأتي شخص يقول: أكفل العين المغصوبة؛ لأن هذه لا تجوز كفالتها؛ لأن الغاصب ضامن لها وملزم بإرجاعها لصاحبها.

والعين المضمونة بغيرها أيضًا لا تجوز كفالتها؛ لأن هناك عينًا مضمونة بغيرها كالمبيع مثلًا قبل قبضه, فإنه مضمون بالثمن، بمعنى: أنه لا تجوز كفالة هذا المبيع قبل قبضه؛ لأن الثمن ضامن له، فلو قال شخص لمشترٍ شيئًا لم يقبض هذا الشيء من البائع، ولم يدفع له الثمن: أضمن لك هذه العين المبيعة، هذا الضمان أو هذا الكفالة غير جائزة؛ لأن هذه العين مضمونة بشيء آخر، وهو أن المشتري يقول: إن ثمنه لم أسلمه للبائع، وبذلك يكون الثمن ضامنًا له، فإذا هلك المبيع في يد البائع قبل قبضه فلا يجب على البائع شيء، ولكن يسقط الثمن عن المشتري، وبذلك بالنسبة للشيء المرهون يعتبر أيضًا مضمونًا بالدين، فهذه الأشياء لا تجوز كفالتها.

الشرط الأول من شروط المكفول به: أن يكون مضمونًا على الأصيل، فإذا لم يكن مضمونًا على الأصيل فلا تجوز كفالته؛ لأن التزام الكفيل تابع لالتزام الأصيل، وضربنا الأمثلة لذلك.

وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز الكفالة بالنفس إذا كانت بسبب المال، ومنهم أئمة المذاهب الأربعة, حيث قالوا: الكفالة بالنفس جائزة بشرط أن تستند إلى مال، واستدلوا بقول الله تعالى: {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ} [يوسف: 66], هذا كلام سيدنا يعقوب لإخوة يوسف عليه السلام وكفالة النفس هذه شرطها يعقوب على أولاده ألا يسلمهم أخاهم الذي طلبه يوسف, إلا إذا تكفلوا بإعادته لأبيه {لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ}.

واستدلوا أيضًا بقوله صلى الله عليه وسلم: ((الزعيم غارم))، فقالوا: هذا النص يشمل الكفالة عامة بالمال وبالنفس، ((الزعيم غارم)) أي: غارم إحضار المال إذا لم يدفع المدين الأصلي, أو غارم إحضار النفس المطالبة بالدين. هذا بالنسبة للشرط الأول.

الشرط الثاني من شروط المكفول به: أن يكون مقدور الاستيفاء على الكفيل، هذا في الأموال عند جمهور العلماء؛ ولذلك قلنا: إن الكفالة بالنفس هي كفالة بفعل هو تسليم نفس، أي: يسلم النفس المطالبة بالدين أو الملتزمة أصلًا بمال لآخر؛ ولذلك لو كانت الكفالة في غير المال من الحقوق البدنية كالحدود والقصاص فلا تجوز الكفالة بها، والكفالة بالنفس لا تجوز إذا كانت في غير مقبول، أو لا يجوز الاستيفاء منها، ومثال ذلك الحدود؛ لأن العقوبة لا تجري فيها النيابة، فكل حق لا يمكن استيفاؤه من الكفيل لا تصح الكفالة به كالحدود، فلا يأتي شخص يقول: أنا كفيل بالحد الذي على فلان، فإذا لم تقيموا عليه الحد فأقيموه عليّ، هذه أمور شخصية لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا كفالة في حد)).

أما الكفالة في نفس من عليه الحد فهذا جائز، أي: إذا قال شخص: أنا أتكفل بإحضار، أو طلب هذا الشخص المحدود إذا لم يحضر في الموعد المتفق على إقامة الحد عليه, فهذا جائز، كما يجوز إحضار النفس للدائن لاستيفاء الحق منها، هذه كفالة جائزة، كما تجوز الكفالة أيضًا إذا كانت الكفالة غرامة المسروق، والحدود لا تجوز الكفالة بها فلا تقطع يد الكفيل، أي: لا يجوز الكفيل أن يقول: اقطعوا يدي مكان يدي السارق, هذه الكفالة لا تجوز إذا لم تقطع يده، لكن يجوز أن يكفل غرامة المسروق، يقول: أنا أكفل الغرامة التي قررت على السارق، أو أنا أكفل الدية الواجبة إذا عفوتم عن القصاص، فهذه أمور مالية تجوز.

فالشرط: أن يكون المكفول به مقدور الاستيفاء، فإذا لم يمكن مقدور الاستيفاء فلا تجوز الكفالة.

الشرط الثالث من شروط المكفول به: أن يكون الدين لازمًا، ومعنى الدين اللازم هو الذي لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء منه، وهذا الشرط خاص بالكفالة بالمال، أي: إذا لم يكن الدين لازمًا، أو لم يجب بعد فقد اختلف فيه الفقهاء، ومثال ذلك: نفقة الزوجة قبل لزومها أو وجوبها، بمعنى: أن يأتي شخص لشخص متزوج، ويقول لزوجته: إذا لم يدفع لك زوجك النفقة؛ أنا أتكفل بنفقته لمدة عام، فكفالتها في هذه اللحظة لم تجب, أي: لم تلزم؛ لأنها لا تلزم وتصير دينًا على الزوج إلا بعد القضاء بها، بمعنى أنه مضت مدة لم يدفع، أو قضى بها القاضي، أو بالتراضي بينهما بأن لها عند زوجها كذا, فيقول هنا الكفيل: أنا أدفع، أما قبل ذلك فلا يجوز ضمانها؛ لأن الدين هنا لم يجب بعد، بل قد يكون مصيره إلى اللزوم، أو كما يسميه الفقهاء الدين الذي يئول إلى اللزوم، أو الآيل إلى اللزوم.

وهنا وقع خلاف بين الفقهاء إذا كان عقد الكفالة قبل وجوب الدين, بين مجيز ومانع, فنفقة الزوجة قبل لزومها كما ضربنا المثال، والجعالة قبل لزومها، كما لو قال شخص لآخر: إن حفرت لي البئر سأدفع لك كذا، فقال شخص: وأنا أكفل ما قال به الذي يريد الحفر، فهذا المبلغ اختلف فيه الفقهاء، فيصح لشخص أن يضمن هذا القائل، وبعضهم قال: لا يجوز؛ لأن هذا لم يصل إلى اللزوم بعد، فهناك خلاف بين جبهتين من العلماء بعضهم قال: يجوز كفالة الدين الآيل إلى اللزوم، وبعضهم قال: لا يجوز كفالة الدين إذا لم يصر بعد لازمًا، سواء كان في المثال المتعلق بالجعالة، أو المتعلق بنفقة الزوجة.

error: النص محمي !!