Top
Image Alt

أحكام النفقة الزوجية

  /  أحكام النفقة الزوجية

أحكام النفقة الزوجية

هناك أحكام متنوعة لنفقة الزوجية؛ أهمها ما يلي:

أولًا: حكم الامتناع عن الإنفاق:

إذا امتنع الزوج عن الإنفاق على زوجته بعدما فرضه على نفسه، أو بعد فرض القاضي؛ ففيه تفصيل عند الحنفية:

  • إن كان الزّوج موسرًا وله مال ظاهر باع القاضي من ماله جبرًا عليه، وأعطى الثمن لزوجته للنفقة، وإن لم يكن له مال ظاهر وكان موسرًا حبسه القاضي إذا طلبت الزوجة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته))، ويظل محبوسًا حتى يدفع النفقة، فإن لم يدفع وثبت للقاضي عجزه عن الإنفاق ترك إلى الميسرة؛ لقول الله -تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280].
  • وأما إذا كان الزوج معسرًا فلا يحبس؛ لأنه ليس ظالمًا بامتناعه عن الإنفاق، ولأنه لا فائدة من حبسه.

الحكم الثاني: إعسار الزوج بالنفقة:

للفقهاء آراء في إعسار الزوج بالنفقة؛ قال الجمهور غير المالكية: لا تسقط النفقة المفروضة على الزوج بإعساره، بل تصبح دينًا عليه إلى وقت اليسار؛ لقول الله -تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}، وحينئذ يأذن القاضي -في رأي الحنفية- للزوجة بالاستدانة وإن أبى الزوج، وفائدة الإذن بالاستدانة أن يتمكن الدائن من أخذ دينه من الزوج، أو الزوجة، وأن النفقة المستدانة لا تسقط بموت أحد الزوجين، ويجب إقراض الزوجة على من تجب عليه نفقتها، فإن امتنع فللقاضي أن يحكم بحبسه بعد إنذاره، ولا يفرق عند الحنفية بين الزوجين بسبب الإعسار على نحو ما شرحنا في السابق في موجبات الخيار في النكاح؛ لأن النفقة تصير دينًا بفرض القاضي فيستوفى في المستقبل، ويتحمل أدنى الضررين لدفع الأعلى منهما.

أما عند الشافعية، والحنابلة؛ فللزوجة أن تفسخ الزواج إذا أعسر الزوج بنفقة المعسر كلها، أو بعضها، ولا تفسخ إذا أعسر بما زاد عن نفقة المعسر؛ لأن الزيادة تسقط بإعساره، ودليلهم على جواز الفسخ حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرجل الذي لا يجد ما ينفق على امرأته: ((يفرق بينهما))، وحديث أبي هريرة أيضًا عند النسائي الذي ورد فيه: ((وابدأ بمن تعول))، فقيل: من أعول يا رسول الله؟ قال: ((امرأتك تقول: أطعمني وإلا فارقني))، ولأنه عجز عن الإمساك بالمعروف فينوب القاضي منابه في التفريق كما في الجب والعنة، بل أولى؛ لأن الحاجة إلى النفقة أولى، فإنه إذا ثبت للزوجة الفسخ بالعجز عن الوطء والضرر فيه أقل فلأن يثبت بالعجز عن النفقة والضرر فيه أكثر أولى.

وقال المالكية: تسقط النفقة عن الزوج بالإعسار مدة إعساره، أي: لا تلزمه ولا تكون دينًا عليه؛ فلا ترجع عليه الزوجة إذا أيسر؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا ما آتاها، والمعسر عاجز عن الإنفاق، وتكون متبرعة بما تنفقه على نفسها في زمن الإعسار، فإن أيسر وجبت عليه النفقة.

ثالثًا: نفقة زوجة الغائب:

الغائب هو من تعذر إحضاره إلى المحكمة لسؤاله عن دعوى النفقة؛ سواء أكان بعيدًا أو قريبًا، وقد اختلف الفقهاء في كيفية إيجاب النفقة عليه؛ فذهب الجمهور إلى وجوب النفقة عليه عن الماضي، ولو لم يفرضها حاكم، وتكون دينًا في ذمته، وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا بإيجاب الحاكم.

واستدل الجمهور بما روي أن عمر رضي الله عنه كتب في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن ينفقوا، أو يطلقوا، وهذا إجبار على الطلاق عند الامتناع عن الإنفاق، ولأن الإنفاق عليها من ماله يتعذر فكان لها الخيار كحال الإعسار، بل هذا أولى بالفسخ؛ فإنه إذا جاز الفسخ على المعذور فعلى غيره أولى، ولأن في الصبر ضرر أمكنه إزالته بالفسخ فوجب إزالته.

واستدل أبو حنيفة بأن نفقة الزوجة تجب يومًا فيومًا فتسقط بتأخيرها إذا لم يفرضها حاكم كنفقة الأقارب، ولأن نفقة الماضي قد استغني عنها بمضي وقتها فتسقط كنفقة الأقارب، ورأي الحنفية أنه لا يقضى بنفقة في مال شخص غائب إلا لزوجة الغائب وأولاده الصغار ووالديه، أما غيرهم من المحارم فلا يقضى بنفقتهم فيه.

واتفق الفقهاء على أنه إذا أنفقت المرأة على نفسها من مال زوجها الغائب، ثم بان أنه قد مات قبل إنفاقها حسب عليها ما أنفقته من ميراثها؛ سواء أنفقته بنفسها، أو بأمر الحاكم.

رابعًا: متى تعتبر النفقة دينًا على الزوج؟

عرفنا أن نفقة الزوجية تجب باتفاق الفقهاء من حين العقد مع تمكين الزوجة من نفسها، واشترط المالكية لوجوب النفقة قبل الدخول دعوة المرأة، أو وليها المجبر الزوج إلى الدخول، ولكنهم اختلفوا في وقت اعتبار النفقة دينًا في ذمة الزوج، وفي مدة قوة هذا الدين على رأيين:

فقال الحنفية: لا تصير النفقة دينًا في ذمة الزوج إلا بالقضاء أو التراضي، وحجتهم في ذلك أن نفقة الزوجية هي صلة، أي: عطاء من غير عوض من وجه، وعوض من وجه آخر؛ أما كونها صلة فلأن منافع الاحتباس تعود على الزوجين جميعًا لا على الزوج وحده، وأما كونها عوضًا؛ فلأنها جزاء احتباس الزوجة لحق زوجها؛ فنظرًا لشبهها بالصلة تسقط بمضي المدة من غير قضاء ولا تراض من الزوجين كنفقة الأقارب، ولشبهها بالعوض تصير دينًا بالقضاء بها، أو التراضي عليها.

وقال الجمهور: إنها تصير دينًا قويًّا بمجرد وجوبها وامتناع الزوج عن أدائها إلى زوجته، وحجتهم في ذلك أن النفقة عوض وليست صلة كما قال الحنفية، وقد أوجبها الشارع بمقتضى العقد في مقابل احتباس الزوجة لشئون الزوجية، وإن كانت عوضًا محضًا فهي دين كسائر الديون، تجب من وقت استحقاقها ككل عضو، أو أجرة.

خامسًا: نفقة المعتدة:

لقد سبق وأن بينا نفقة المعتدة عند حديثنا عن العدة، وما يجب للمعتدة على زوجها.

سادسًا: تعجيل النفقة:

إذا عجل الزوج نفقة زوجته، ثم طرأ ما يوجب سقوط النفقة كنشوز الزوجة، أو موت أحد الزوجين فليس للزوج، أو لورثته في رأي أبي حنيفة وأبي يوسف أن يسترد شيئًا منها؛ لأن النفقة صلة، أو هبة والزوجية من موانع الرجوع في الهبة، وقال محمد بن الحسن وباقي الأئمة: للزوج أن يسترد نفقة المدة الباقية، فإن كانت قائمة أخذها، وإن كانت مستهلكة أخذ مثلها إن كانت مثلية، أو قيمتها إن كانت قيمية.

سابعًا: الإبراء من النفقة:

الإبراء إما أن يكون عن نفقة ماضية، أو مستقبلة؛ فإن كان عن نفقة ماضية صح إبراء الزوجة عند الحنفية إن كانت النفقة مفروضًا بقضاء القاضي، أو بتراضي الزوجين؛ لأنها صارت دينًا ثابتًا في ذمة الزوج، والإبراء يكون مما هو ثابت في الذمة، ولا يصح الإبراء عن نفقة غير مفروضة بقضاء القاضي، أو بالتراضي بين الزوجين.

وقال الجمهور: يصح الإبراء عنها؛ لأنها تصير دينًا في ذمة الزوج بمجرد الامتناع عن الإنفاق؛ سواء أكانت مقررة بالقضاء، أو بالتراضي، أو غير مقررة.

أما الإبراء عن نفقة مستقبلة فلا يصح بالاتفاق؛ لأن النفقة لم تجب بعد فلم تقبل الإبراء، لكن أجاز الحنفية الإبراء عن نفقة مستقبلة في حالتين:

الأولى: الإبراء عن مدة بدأت بالفعل؛ كنفقة شهر بدأ وسنة دخلت، لا عن أكثر من سنة ولا عن سنة لم تدخل لتحقق وجوبها؛ إذ يجب تنجيزها أول المدة.

الثانية: الإبراء من نفقة العدة في مقابل الخلع، أو الطلاق؛ لأن الإبراء عن النفقة في نظير عوض وهو ملك الزوجة نفسها، ولا يصح الإبراء في غير الخلع والطلاق؛ لأنه إسقاط للشيء قبل وجوبه.

ثامنًا: المقاصة بدين النفقة:

إذا كان للزوج دين على زوجته لثمن مبيع، أو قرض؛ فهل يسقط بالمقاصة مع دين النفقة؟

خلاف بين الفقهاء في ذلك: فيرى الحنفية أنه إذا كان دين النفقة قويًّا، وهو الذي يفرضه الحاكم، أو تقرر بين الزوجين بالتراضي؛ جاز لأحد الزوجين أن يطلب المقاصة، وليس للآخر الامتناع من المقاصة؛ لتساوي الدينين في القوة، وأما إذا لم يكن دين النفقة مستدانًا بأمر القاضي، أو برضى الزوج فإنه يكون دينًا ضعيفًا، وتصح المقاصة به إذا طلبها الزوج؛ لأن دينه أقوى من دين الزوجة، وليس للزوجة الامتناع من المقاصة، ولا تمكن المقاصة بطلب الزوج حينئذ إلا إذا رضي الزوج بها؛ لأن دينها أضعف من دينه.

ويرى الجمهور: أن دين النفقة دين صحيح لا يسقط إلا بالأداء، أو بالإبراء؛ سواء فرضه القاضي، أو استدين بالتراضي، أو لا فتصح المقاصة به مطلقًا؛ لتساوي الدينين في القوة، ولكن قرر المالكية والحنابلة أن الزوجة إذا كانت فقيرة وطلب الزوج المقاصة لا يُجاب إلى طلبه إلا إذا رضيت بها ومنعًا للضرر بها؛ لأن إحياء النفس مقدم على الوفاء بالدين.

تاسعًا: الكفالة بالنفقة:

لا تصح الكفالة بالنفقة في رأي الحنفية قبل القضاء بها، أو التراضي عليها، وتصح الكفالة بالنفقة في رأي الجمهور؛ لأنها تجب للزوجة من تاريخ العقد بشرط التمكين، وتعتبر دينًا صحيحًا في ذمة الزوج من غير توقف على قضاء القاضي، أو التراضي فيما بينهما.

الكفالة بالنفقة بسبب السفر:

المفتى به عند الحنفية وهو رأي أبي يوسف في جواز أخذ المرأة كفيلًا بالنفقة إذا أراد الزوج السفر، وتُعطى كفيلًا بنفقة شهر إذا لم تعلم المرأة مدة الغيبة؛ لأن إعطاء كفيل أقل الواجب، فإن علمت أنه سيغيب أكثر من شهر فتُعطى كفيلًا بقدر المدة التي يتوقع غيابه فيها، وقال المالكية: تعطى الزوجة كفيلًا بالنفقة في مدة غياب زوجها ليدفع لها النفقة حسب المعتاد يوميًّا، أو شهريًّا.

كفالة النفقة الماضية والمستقبلة:

أجاز الحنابلة ضمان النفقة الماضية والمستقبلة، واكتفى الشافعية بتجويز ضمان النفقة الماضية ولم يجوزوا ضمان النفقة المستقبلة؛ لأنه ضمان ما لم يجب بناء على أن المذهب الجديد للشافعي هو القول بأن النفقة تجب بالتمكين لا بالعقد وهو الصحيح؛ لأنها لو وجبت بالعقد لملكت الزوجة المطالبة بها كالمهر والعقد يوجب المهر ولا يوجب عوضين مختلفين، ولأن النفقة مجهولة والعقد لا يوجب مالًا مجهولًا.

عاشرًا: الصلح عن النفقة:

قال الحنفية: قد يكون الصلح عن النفقة تقديرًا للنفقة كالصلح على مبلغ مالي قبل تقدير النفقة بالقضاء، أو الرضا، أو بعده، وحينئذ تجوز الزيادة عليه، أو النقصان منه بسبب الغلاء، أو الرخص، فلو قال الزوج: لا أطيق ذلك فهو لازم له ولا التفات لقوله بكل حال؛ لأنه ألزمه باختياره، إلا إذا تغير سعر الطعام وعلم القاضي أن ما دون المبلغ المصالح عليه يكفيها، فحينئذ يفرض لها كفايتها.

وقد يكون الصلح معاوضة؛ كالصلح على متاع، أو عقار إن كان بعد تقدير النفقة بالقضاء، أو الرضا، وحينئذ لا تجوز الزيادة ولا النقصان ولو قبل التقدير المذكور.

error: النص محمي !!