Top
Image Alt

أحكام الوصية في السفر

  /  أحكام الوصية في السفر

أحكام الوصية في السفر

1. الوصية في السفر:

يقول تعالى: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِين * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِين * ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين} [المائدة: 106- 108].

في هذه الآيات المباركات ينادي الله سبحانه وتعالى المؤمنين؛ ليبين لهم أنهم إذا كانوا في سفر وحضر أحدَهم علاماتُ الموتِ وبوادرُه، ومعه من المال والمتاع ما يمكن أن يخشى عليه الضياع، فعليهم وعلى كل واحد منهم أن يكتب وصيته، وأن يُشهد عليها حتى تعودَ الحقوق إلى أصحابها، وهذه الوصية فيها بيان لما ترك من متاع، وما عليه من حقوق، وما له عند الآخرين.

وهذه الوصية إذا تمت، يُشهد عليها رجلين عدلين من المسلمين، فإن كان في بلد ليس فيها أحد من المسلمين فليشهد أيضًا رجلين -وإن كانا غيرَ مسلمين- فإذا ما عاد هذان اللذان حملا متاع الرجل وماله، ووصيته إلى آخره، وتبين أن هذين اللذين حملا هذه الوصية لم يكونا عدلين، هكذا شك ورثة هذا الإنسان الذي مات، فماذا يصنعون؟

يطلبون من هذين الشاهدين أن يقفا بعد صلاة العصر، أو بعد أية صلاة في المسجد يقسمان بالله سبحانه وتعالى أنهما ما خانَا، ولا بدّلَا، وأنهما أديَا الأمانة كاملة لهؤلاء الورثة.

فإن تبين بعد هذا الحلف في هذا المكان، وفي هذا الوقت أنهما لم يكونا صادقين فيما قالَا، فعلى هؤلاء الورثة أن ينتدبا رجلين يقفان أيضًا؛ ليشهدا بأن هذين قد كذبا فيما قالا، وعليهما أن يردا ما أخذا، وهذا ليس ظلمًا منهم لهذين الشاهدين، إنما هذا ليعرف هذان أنهما مهما أخفيا من هذه التركة فإن هناك من سيشهد شهادة أخرى بعد شهادتهما الأولى من ورثة هذا المتوفى، وفي ذلك فضيحة لهذين الشاهدين.

وهذا الذي شرعه الله سبحانه وتعالى يدعو الجميع إلى التزام عهد الله سبحانه وتعالى والقيام بواجب الأمانة، ذلك أدنى وأقرب وأولى، وأفضل أن يأتوا بالشهادة على وجهها، أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم.

ثم يوجه الله سبحانه وتعالى أمرَه للجميع بأن يتقوه، وأن يسمعوا لما وجّههم به، وأن يفهموا بأن الله سبحانه وتعالى لا يهدي من خرج عن دينه، وانحرف عن طريقه، وطمع وأعماه طمعه عن الطريق الصحيح، فقال: {وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين}.

وبعد أن عرفنا معنى الآية على وجه الإجمال، نعود إلى معرفة سبب نزول هذه الآيات: من ذلك ما ذكره العلامة ابن كثير بقوله: روى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن تميم الداري في هذه الآية: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} قال: برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما وقدم عليهما مولًى لأبي سهم، يُقال له: بُدَيل بن أبي مريم بتجارة، ومعه جام من فضة، أي: إناء من فضة، يريد به الملك، وهو أعظم تجارته، فمرض فأوصى إليهما، وأمرهما أن يبلِّغا ما ترك أهلَه، أي: أن يوصّلا ما ترك من متاع لورثته، قال تميم: فلما مات أخذنا الجام فبعناه بألف درهم، واقتسمنا الثمن أنا وعدي، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه، فقلنا: ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره، قال تميم: فلما أسلمتُ بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، تأثمت من ذلك -أي: أحسست بالإثم- فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، ودفعت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا عليه، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوه بما يُحكم به على أهل دينه فحلف، فنزلت: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} الآيات، فقام عمرو بن العاص، ورجل آخر منهم فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء.

2. ماذا يفعل ورثة الميت إن شكّوا في الشاهدين؟

فإذا تم هذا وأخذ أهل الميت تركته بما كان قد شك فيه، ووثقوا من الشاهدين واكتفوا بهذا القدر فقد انتهت القضية ووصل الحق إلى أصحابه، لكن ما العمل إذا لم يكتفِ الورثة بهذا، وبدأت الريبة أيضًا تتلاعب بهم وبعقولهم، وتبين لهما أن الرجلين اللذين دُفع إليهما بهذه الأموال لم يكونا أمينين، فماذا يصنعون؟

يقول ربنا: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِين} [المائدة: 107].

ومعنى قوله: {فَإِنْ عُثِرَ} أي: اطلع، يقال: عثر الرجل على الشيء عثورًا إذا اطلع عليه، ويقال: عثرت منه على خيانة أي: اطلعت.

{فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ} الأوليان تثنية “الأولى” بمعنى: أقرب، والمراد بقوله: الأوليان أي: الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما بأحوال الميت.

يبقى أن نعرف معنى قوله: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ} فلماذا وصفهما بهذا الوصف؟

معنى قوله: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا}: فإن اطلع بعد تحليف الشاهدين الوصيين من جهة الميت على أنهما استحقا إثمًا أي: فعل ما يوجب الإثم من خيانة أو كتمان أو ما يشبههما، فآخران يقومان مقامهما، أي: فرجلان آخران يقومان مقام اللذين اطُّلع على خيانتهما، أي: يقفان موقفهما في الحبس بعد الصلاة والحلف، ويكون هذان الرجلان الآخران من الذين استحق عليهم الأوليان.

يقول الإمام القرطبي: أي: من الذين استحق عليهما الإيصاء، واختاره ابن العربي، وأيضًا فإن التفسير عليه؛ لأن المعنى عند أهل التفسير: من الذين استحقت عليهم الوصية.

وقال بعض العلماء: قوله: {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ} أي: من ورثة الميت، الذين استحق من بينهم الأوليان أي: الأقربان إلى الميت، الوارثان له، الأحقان بالشهادة، أي: اليمين. فقوله: الأوليان فاعل، أي: استحقا، أي: استحق الأوليان هذه الوصية، وهذا المال، وقرئ: “استُحقا” بالبناء للمفعول، أي: من الذين استحق عليهما الإثم، أي: جُني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته، فعليه فقوله: “الأوليان” بدل من الضمير في “يقومان”، أو من “آخران”.

فالمعنى إذًا أصبح واضحًا من أن الشاهدين اللذين تبين للورثة أنهما كتما وخانا، ولم يؤديا الأمانة، ماذا يصنعون؟ يأتي رجلان من ورثة الميت، من أقرب الناس إليه، يقفان مثل هذا الموقف الذي وقف فيه هذان الشاهدان.

بمعنى: أن يتخير الإمام المكان المناسب في المسجد، وأن يكون ذلك بعد أداء صلاة العصر؛ ليشهدا ويقولا أيضًا بأن هذين الرجلين قد كذبا، وأنهما لم يؤديا الوصية على وجهها الصحيح، وأن شهادتنا أحق من شهادتهما، وأننا لا نعتدي عليهما بالاتهام بالخيانة دون سبب ودون مبرر؛ لأننا إن فعلنا ذلك نكون إذًا من الظالمين، والله عز وجل سوف ينتقم من الظالمين.

{فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا} يقول الإمام الألوسي: قوله: {فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ} معطوف على “يقومان” في قوله: {فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا} والسببية ظاهرة، وقوله: {لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا} هذا جواب القسم، والمراد بالشهادة هنا عند الكثيرين اليمين، كما في قوله: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} [النور: 6] وصيغة التفضيل أحق إنما هي لإمكان قبول يمينهما في الجملة، باعتبار صدقهما في ادعاء تملكهما لما ظهر في أيديهما.

{وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِين *  ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} الله  سبحانه وتعالى في هذه الآية يبين أن هذا الذي شرعه إنما شرعه؛ ليؤدي هؤلاء الشهود الأمانة على وجهها الصحيح، ذلك أدنى أي: ذلك أقرب وأولى وأفضل لأن يأتوا بالشهادة على وجهها، وهما هذان الشاهدان اللذان كُلِّفا بحمل الأمانة وبتوصيلها إلى ورثة الميت حين يعلمان ويدركان أنهما إن خانا فسوف يُفتضح أمرهما، وأنهما إن حصلت الريبة فيهما فسوف يعرض أمرهما على إمام المسلمين، وسوف يأتي بهما ليوقفهما ليستحلفهما بالأيمان المغلّظة في أشرف الأوقات، وأشرف الأماكن، وأنهما إن خانا في هذا الجانب أيضًا فحلفا كاذبين، ولم يؤديا للورثة حقهما، فإن هؤلاء الورثة سوف يأتون ليختاروا منهم رجلين يقفان أيضًا هذا الموقف ليحلفا بالله بأنهما لم يحصلا على حقهما، وأنهما يعلمان تمام العلم أن الرجل الذي مات كان معه كذا ومعه كذا ومعه كذا، وأن هذين الشاهدين لم يؤديا الأمانة، وأنهما كذبا فيما حلفا فيه.

حين يعلم من يشهد بأن هذا سيحدث، فسوف يؤدي الشهادة على وجهها الصحيح، أو يخاف أن ترد أيمان بعد أيمانهم -كما ذكرنا- أي: يأتي هؤلاء الورثة ليختاروا منهم رجلين يحلفان؛ ليردا على هذين الشاهدين ما حلفا من أيمان.

وعلى هذا لا بد للجميع أن يكونوا على تقوى الله سبحانه وتعالى فقال: {وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين} [المائدة: 108] وهو ختام له دلالته ومعناه ومغزاه في هذا المقام، في أن الله سبحانه وتعالى لا يهدي القوم الفاسقين؛ لا يوفقهم ولا يرشدهم، وإنما يبقيهم في ضلالهم يعمهون، حتى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فهو سبحانه وتعالى كأنه يصف من خان، ومن اتهم، ومن ظلم، ومن تحمل الإثم، بأنه فاسق خارج على دين الله، وما جاء به هذا الدين من دعوة للوفاء وأداء الأمانة وأداء الحقوق لأصحابها، والله لا يهدي القوم الفاسقين.

وتأمل مجيء هذا الأمر مطلقًا، {وَاتَّقُوا اللّهَ} أي: في كل ما يجب أن يكون فيه التقوى، ومن ذلك ما جاء من أداء الحقوق لأصحابها، {وَاسْمَعُواْ} أيضًا جاءت هكذا مطلقة، أي: واسمعوا كل ما يجب أن يسمع مما فيه مصلحتكم وسعادتكم، فعلى المؤمن أن يكون متقيًا لله، سامعًا لله ولرسوله، منفذًا لما يسمع.

ثم هذا الختام: {وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين} وفيه من التحذير والتخويف والترهيب ما فيه، فنسأل الله السلامة والعافية.

3. حكمة التشريع الإسلامي في هذه الوصية:

يبقى لنا بعد أن عرضنا لهذه الآية وشرحناها -بفضل الله وتوفيقه- أن نقف عند بعض ما أخذه العلماء منها من أحكام:

من ذلك الحث على الوصية وتأكيد أمرها، وعدم التهاون فيها بسبب السفر أو غيره، فإن الوصية تعني: أن الحق يكون واضحًا، ويمنع التنازع والاختلاف، وليست الوصية مجرد وصية ببعض المال للفقراء والمساكين، فهذا نوع من أنواع الوصية، وإنما الوصية أوسع من ذلك وأكبر؛ لأنها تعني: أن يكتب الإنسان كل ما له وما عليه؛ ليمنع التنازع بعد وفاته فيما يلزمه من حقوق وفيما له من حقوق عند الآخرين، وأيضًا يوصي فيما يوصي بجزء من ماله في مصارف الخير، وفي نفع المسلمين.

فهذا أمر يجب أن يلتفت إليه الناس؛ ولذلك جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال: ((ما حق امرئ مسلم له شيء (أي شيء) يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده)) يقول ابن عمر: ما مرّت علي ليلة منذ سمعت رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال ذلك، إلا وعندي وصيتي.

الأمر الثاني: من يوصي يجب ألا يكتب وصيته بينه وبين نفسه، وإنما الواجب عليه أن يُشهدَ على وصيته سواء كان ذلك في حضر أو في سفر؛ لأن عدم الإشهاد عليها كثيرًا ما يؤدي إلى التنازع، وإلى الشك في صحتها، لكنها إذا كانت وصية موثقة، عليها شهودها، تصبح وصية لا خلاف فيها، وهي سوف تنفّذ بعد وفاته.

error: النص محمي !!