Top
Image Alt

أحكام غسل الميت

  /  أحكام غسل الميت

أحكام غسل الميت

الحديث العاشر:

وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي سقط عن راحلته فمات: ((اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين)) متفق عليه.

هذا الحديث هو الحديث الأول في أحكام تغسيل الميت وتكفينه، وهو في الرجل الذي كان واقفًا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم بالحج، فسقط عن راحلته، فوطأته الراحلة أو رفسته، أو رمحته برجلها فمات، فقال صلى الله عليه وسلم: ((كفنوه في ثوبين))، وفي رواية قال: ((في ثوبيه، ولا تمسُّوه بطيب، ولا تُخمِّروا رأسه)) متفق عليه. وفي رواية أخرى: ((اغسلوه بماء وسدر، وكفّنوه في ثوبين، ولا تحنّطوه))، وفي رواية البخاري: ((فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا))، وهذه الرواية فيها: ((لا تمسُّوه طيبًا، ولا تُخمِّروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا)).

وهذا حديث عظيم جليل القدر احتوى على مسائل مهمة:

أولًا: الحديث دليل على وجوب غسل الميت، قال النووي: “الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية”، وقد ورد خلاف في ذلك عن المالكية حتى إن بعض المالكية كالقرطبي رجح في شرحه في (صحيح مسلم) أنه سنة، والجمهور على وجوبه، وقد رد ابن العربي على من لم يقل بذلك وقال: “قد توارد القول والعمل وغسل الطاهر المطهر، فكيف بمن سواه؟”.

تغسيل الميت واجب، ولم نقف على علة أو حكمة في ذلك، هل هو للطهارة أو للنظافة؟ فهم مختلفون في ذلك، ومنهم من يتوقف فيقول: العلة تعبدية. أي: هذا مما لا يعقل معناه، ومنهم من يقول: إن الموت حدث وطهارته بالغسل، والله تعالى أعلم.

لكن يجب تغسيل الميت بالسدر مع الماء؛ لأنه مادة تنظيف مع الماء كالصابون، بل هو أحسن من الصابون، وذلك بأن يوضع مع الماء ثم يغسل به الميت، أو يوضع في إناء مستقل حتى تظهر رغوته، ثم تؤخذ هذه الرغوة فينظف بها بدن الميت، وشعر رأسه، ولحيته. ويجوز بكل حال استعمال المنظفات الصناعية المعروفة والموجودة في زمننا هذا كالصابون ونحوه، فكل المواد التي تُنظّف يُستحبُّ أن تستعمل؛ لا سيما إذا كانت لها رائحة طيبة فإنه يستحب أن ينظف بهذه الرائحة الطيبة إلا أن يكون محرمًا، كما هو في هذا الحديث، وإذا أمكن السدر فهو أحسن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى به، فيُجعل في إناء حتى تظهر الرغوة، ثم تؤخذ هذه الرغوة فيغرق بها شعر رأسه، وشعر لحيته، ثم يفاض على جسده الماء والسدر.

قوله: ((بماء وسدر)) ظاهره أنه يخلط السدر بالماء في كل مرة من مرات الغسل، وهذا يشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير؛ لأن المضاف لا يتطهر به، وقال القرطبي: “يحتمل أن يجعل السدر في ماء، ثم يخضخض -كما قلنا- إلى أن تخرج رغوته، ثم يدلك به جسد الميت، ثم يصبّ عليه الماء القراح”.

والحديث دلَّ أيضًا على أمر ثانٍ، وهو وجوب تكفين الميت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((اغسلوه بماء وسدر، وكفّنوه)) وكفنه مقدم على سائر الحقوق المتعلقة بالتركة، فيكف الإنسان من ماله ويقدم ثمن الكفن والجهاز على سائر الحقوق، ومؤنة التجهيز كحفظ القبر، وحمله، وأجرة الغاسل إذا كان يغسل بأجرة، ونحو ذلك. كل ذلك ينبغي أن يكون من مال المتوفى قبل قسمة تركته، وهو مقدم على غيره من الحقوق، ولو كان في الحقوق ديون لغيره؛ فإن التكفين يُقدَّم لأنه صلى الله عليه وسلم أطلق فقال: ((وكفِّنوه في ثوبين))، ولم يسأل، ولم يستفصل، وترك الاستفصال في مثل هذا المقام ينزل منزلة العموم في المقال.

وقوله: ((في ثوبين))، أو في ثوبيه يُريد بذلك ثياب إحرامه في إزاره وردائه بأن يلفَّ فيهما، ثم إنه صلى الله عليه وسلم نهى عن تخميره، والتخمير تغطية الرأس لماذا؟ لأجل الإحرام فمن ليس بمحرم يحنّط أي: يطيب ويوضع الطيب في بدنه وأكفانه، ويُخمّر رأسه يعني: يُغطَّى. وأما قول من قال: إنه ينقطع حكم الإحرام بالموت، كما قالت الحنفية، وبعض المالكية؛ فخلاف ظاهر هذا الحديث، وأدلتهم -كما قال صاحب (سبل السلام)- ليست بناهضة على مخالفة ظاهر الحديث، فلا حاجة إلى سردها.

الخلاصة: أن قوله صلى الله عليه وسلم: ((كفّنوه في ثوبيه)) يدل على أنه لا يجوز أن يغطي رأسه، وإذا كان لا يغطي رأسه فهذا يدلُّ على أن حكم إحرامه باقٍ، ويشهد لهذا أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن أن يمسَّ بطيب، وكذا المحرم فهو منهيٌّ عن مسِّ الطيب، سواء أكان حيًّا أم كان ميتًا. علل المصطفى صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: ((فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا)) معناه أنه باقٍ على إحرامه، والإحرام لم ينقطع بالموت فيبقى محرمًا وهو ميت إلى أن يُبعث يوم القيامة على هذه الحالة، وهذا يدل على أن المحرم إذا مات لا تؤدَّى عنه المناسك، وهو أيضًا يدل على أن من شرع في عمل طاعة ثم حيل بينه وبين إتمامها بالموت أنه يُرجى له أن يكتب الله تعالى له أجره في الآخرة، وأن يكون من أهل ذلك العمل.

ولا يصلح أن يُكفَّن في ثياب مخيطة لنفس هذه العلة، ولنصه صلى الله عليه وسلم بأن يكون كفنه في ثوبيه، أو في ثوبين، وفي رواية عند النسائي أنه قال: ((في ثوبيه الذين أحرما فيهما)).

الحديث الحادي عشر:

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((لما أرادوا غسل النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: والله ما ندري نُجرّد رسول الله كما نُجرّد موتانا، أم لا)) الحديث رواه أحمد وأبو داود، تمامه عند أبي داود: ((فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم من أحد إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: اغسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه، فغسلوه وعليه قميصه، يصبُّون الماء فوق القميص، ويدلِّكونه بالقميص دون أيديهم))، فكانت عائشة رضي الله عنها تقول: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه))، وفي رواية لابن حبان: ((وكان الذي أجلسه في حجره علي بن أبي طالب -عليه السلام)).

وروى الحاكم قال: ((غسل النبيَّ صلى الله عليه وسلم علي رضي الله عنه وعلى يد علي خرقه فغسله، فأدخل يده تحت القميص فغسله والقميص عليه))، وهذه القصة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس كغيره من الموتى في هذا الحكم، أي: حكم تجريده عند وفاته صلى الله عليه وسلم فكان -كما تقدم من الروايات السابقة- الذي تولى تغسيله هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعه عمُّه العباس، والفضل بن العباس، وأسامة بن زيد، وقثم بن عباس، والذي باشر الغسل علي رضي الله عنه وأما البقية فإنهم يُعينونه يصبُّون عليه الماء، ويُقلِّبونه معه.

قالوا: ((والله، ما ندري، أنُجرِّد رسول الله)) يعني: أنجرده من ثيابه كما نجرد موتانا، أو نغسله في ثيابه؟ أشكل عليهم فدلَّ هذا على أن العادة عندهم أنهم يجردون الأموات من ثيابهم عند التغسيل، إلا أنهم أُشكل عليهم شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم 
لشرفه صلى الله عليه وسلم وهم هابوا أن يجرِّدوه، فبينما هم كذلك ألقى الله عليهم النوم فسمعوا مناديًا يقول: ((غسّلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثيابه، فغسَّلوه في ثيابه…)) إلى آخر هذه الرواية، فدلَّ هذا الحديث على أن الميت يُجرَّد عند التغسيل ولكن لا بد أن يوضع على عورته شيء يسترها، ثم يجرد بقية الجسم.

ويكون أيضًا التغسيل في موضع مستور في حجرة، أو مكان مفصول، ولا يحضر؛ أي: الغسل إلا من يغسل، أو يعين على التغسيل، فلا يترك ليطالعه الناس أو لينظروا إليه.

الحديث الثاني عشر:

وعن أم عطية قالت: ((دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نغسل ابنته فقال: اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك إن رأيتنَّ ذلك بماء وسدر، واجعلن في الأخيرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فلما فرغنا آذنَّاه فألقى إلينا حقوة؛ فقال: أشعرنها إيَّاه)) متفق عليه.

وفي رواية: ((ابدأن بميامينها، ومواضع الوضوء منها))، وفي لفظ للبخاري: ((فضفرنا شعرها ثلاثة قرون فألقيناه خلفها)).

أم عطية راوية هذا الحديث: تُخبر أن النبي -عليه الصلاة- دخل عليهنَّ وهنَّ يغسلنَ ابنته، ولم يقع في شيء من رواية البخاري تسمية هذه الابنة، والمشهور أنها ابنته زينب < زوج أبي العاص، كانت وفاتها في أول سنة ثمان، ووقع في رواية أنها أم كلثوم، ووقع في البخاري عن ابن سيرين لا أدري أيَّ بناته قال صلى الله عليه وسلم: ((اغسلنها ثلاثًا))، هذا دليل على أن المرأة يتولَّى تغسيلها النساء كما سيأتي -إن شاء الله.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا)) فيه: دليل على استحباب تكرار الغسلات، وأنه لا يكتفى بمرة واحدة، وهذا من باب الأفضلية، وإلا فالواجب مرة، ولكن الزائد عن المرة داخل في باب الأفضلية والنافلة، وأن هذه الغسلات يُستحبُّ أن تكوت وترًا ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، وتوقف العلماء عند السبع فهي أعلى حدّ إلا أنه قد يحتاج إلى الزيادة عن السبع، فإذا احتيج للزيادة عن سبع إذا لم يتنظف الميت، أو إذا خرج بعد الغسل ما يوجب إعادة الغسل؛ فإنه لا بأس عندئذٍ أن يُزاد في الغسل إلى فوق سبع لتقطع الغسلات على وتر؛ لأن الله تعالى وتر يحبّ الوتر، والنبي صلى الله عليه وسلم فوَّض الأمر إليهنَّ بحكم أنهنَّ صاحبات خبرة، وهنَّ أدرى بما يصلح للغسيلة، أي: للمتوفاة؛ فدلَّ هذا على أن غاسل الميت يُفوَّض إليه شأن التغسيل إذا كان ممن يحسنه، أما إذا كان لا يحسن فإنه لا ينبغي له أن يتولَّاه، ويبحث عن غيره، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((بماء وسدر))، وهذا كما سبق في حديث الذي وكصته دابته أو رفسته راحلته، قال: ((واجعلن في الأخيرة كافورًا)) أو ((شيئًا من كافور)) هذا في الغسلة الأخيرة، قوله: ((كافورًا)) أو ((شيئًا من كافور))، هذا شكٌّ من الراوي هل قال صلى الله عليه وسلم: ((اجعلنَ كافورًا)) أو ((شيئًا من كافور)) المعنى واحد، وهذا يدل على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتحرَّون في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يدقِّقون في أمر ما ينقلون عنه صلى الله عليه وسلم والكافور مادة بيضاء معروفة مطهِّرة ومنظفة فيها رائحة طيبة قال: ((واجعلن في الأخيرة كافورًا)) أو ((شيئًا من كافور)) والأول على كل حال محمول على الثاني؛ لأنه نكرة في سياق الإثبات، فيصدق بكل شيء منه.

قال: ((فلما فرغنَ -يعني: النسوة- من غسلها آذنَّاه)) يعني: أعلمناه؛ أي: النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال لهنَّ في بعض الروايات: ((إذا فرغتنَّ آذنَّني)) يعني: أعلمنني بأنكنَّ قد فرغتنَّ، ووقع في رواية البخاري: ((فلما فرغنَ)) عوضًا عن فرغنا بالألف، ((فألقى إلينا حقوه)) وفي لفظ آخر للبخاري: ((فأعطانا حقوه))، وهو بفتح المهملة ويجوز كسرها كما قلنا، وبعدها قاف ساكنة، والمراد إزاره صلى الله عليه وسلم المراد: أنه أعطاهنَّ إزاره صلى الله عليه وسلم، وأطلق على الإزار مجازًا؛ إذ معناه الحقيقي معقد الإزار، فهو من تسمية الحال باسم المحل، وقال: ((وأشعرنها إيَّاه))، أشعرنها يعني: اجعلنه شعارًا أي: الثوب الذي يلي جسدها، أو يلي جلدها مباشرة، وهذا منه صلى الله عليه وسلم وهو قوله: ((أشعرنها إيَّاه)) أي: اجعلنه مما يلي جلدها وجسمها، وذلك تبركًا به صلى الله عليه وسلم لما فيه مماسة جسم النبي صلى الله عليه وسلم والتبرك بما لامس جسده الشريف أمر مشروع مستحبٌّ، كما أنه تبرك بما انفصل من جسمه من شعر أو من ريق أو من عرق؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مبارك في ذلك كله.

وهذا الأمر خاص بالمصطفى صلى الله عليه وسلم فلا يُتبرَّك بغيره إلا إذا قام الدليل على جواز ذلك؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم لم يفعلوا هذا مع غيره صلى الله عليه وسلم لم يفعلوه مع أبي بكر وهو أفضل الأمة، ولا مع عمر، ولا مع الذين لهم سابقة قدم في الإسلام ولهم فضل عظيم، ودلَّ هذا على اختصاصه صلى الله عليه وسلم بالتبرك بجسده الشريف، وبما انفصل من جسده الشريف، أو لامس جسده الشريف، وهذا يذكر برواية ذلك الرجل الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج لابسًا بردة احتاج إليها فقال: ((أكسنيها يا رسول الله -وقد علم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يردُّ سائلًا- فدخل بيته فنزعها ثم خرج، فأعطاه إيَّاها. فقال له الصحابة: ما أحسنت، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أخذها محتاجًا إليها، فقال: أما والله إني لأرجو أن تكوني كفني؛ فكانت كفنه)) أي: يريد أن يتبرك بما مسَّ جسد النبي صلى الله عليه وسلم.

في هذا الحديث قال صلى الله عليه وسلم في رواية أي: للشيخين أيضًا عن أم عطية: ((ابدأنَ بميامينها، ومواضع الوضوء منها)) وفي لفظ للبخاري عن أم عطية: ((فضفرنا شعرها ثلاثة قرون، فألقيناه خلفها)).

قوله: ((ابدأنَ بميامينها، ومواضع الوضوء منها)) الميامن: المراد بها الأعضاء اليمنى فيبدأ بها قبل اليسرى؛ وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان يُعجبه التيمُّن في شأنه كله؛ في تنعّله، وترجّله، وطهوره، وشأنه كله، كذا أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قال: ((ومواضع الوضوء منها ليس بين الأمرين تنافٍ لإمكان البداية بمواضع الوضوء، وبالميامن معها))، وقيل: المراد ابدأن بميامينها في الغسلات التي لا وضوء فيها ومواضع الوضوء منها في الغسلة المتصلة بالوضوء. والحكمة في الأمر بالوضوء هو تجديد حال المؤمن وسمته في ظهور أثر الغرة والتحجيل، وظاهر أن يدخل في مواضع الوضوء المضمضة والاستنشاق.

وفي هذا دليل على أنه: يستحبّ أن يبدأ بميامن الميت قبل مياسره، وأنه يوضَّأ قبل غسلته الأخيرة، وذلك بأن يصبَّ الماء على فرجه من وراء حائل، ويُدخل يده من تحت الحائل فينجيه ويغسل فرجيه وينظفهما به، ثم يصبّ الماء عليهما حتى يتنظفا، ثم يوضيه ويغسل وجهه، ولا يدخل الماء على فمه أو إلى أنفه، وإنما يجعل خرقة مبلولة على أصبعه فيدخله، ويمسح به أسنانه، ثم يصبّ ماء آخر، فيدخل في منخريه، فيمسح داخل المنخرين من وراء هذه الخرقة، ويكفي هذا عن المضمضة والاستنشاق؛ لأنه لو دخل الماء إلى جوفه لأفسده، فيكتفى بالمسح بخرقة مبلولة، ثم يفاض الماء على رأسه، ثم على شقِّه الأيمن، ثم على شقِّه الأيسر ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا.

قالت أم عطية: ((فضفرنا شعرها ثلاثة قرون وجعلناه خلفها))، هذا يدلّ على أن شعر رأس الميت ينقض عند التغسيل، فإذا فرغ من غسله، أو من غسلها؛ فإنه يضفر يعني: يفتل ثلاثة ضفائر، أو جدائل، ثم يُسدل من ورائها؛ أي: من وراء جسمها، هذا هو المشروع في شعر المرأة، أو الرجل إذا كان له شعر.

وهذا الحديث العظيم يدل على: أن المرأة يتولَّى تغسيلها النساء ولا يغسّلها الرجال إلا أن يكون الرجل زوجًا، فإن له أن يغسل زوجته، كما سيأتي، وكذلك الرجل لا يغسله إلا الرجال ولا تغسله النساء، إلا أن تكون المرأة زوجة له؛ فللزوجة أن تغسّل زوجها كما يأتي، وأما الطفل الصغير الذي لم يبلغ فيجوز أن يغسله الرجال والنساء على حدٍّ سواء؛ لأن النساء غسَّلن إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه وهو صغير لا عورة له.

وهذا الحديث أيضًا أفاد كيفية تعليم التغسيل الذي يحتاج أن يوجّه بشأنه، فإنه صلى الله عليه وسلم علَّم النسوة كيف يغسلنَ؛ لأنها عبادة، فلا بد من معرفة كيفيتها وصفتها من صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم.

وفي الحديث دليل على تكرار الغسلات، واستحباب ذلك إلى سبع غسلات، ويكون ذلك بحسب نظر الغاسل، وأن الغسل ينبغي أن يقطع وترًا.

وأيضًا يدل الحديث على التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم المنفصلة عن جسده الشريف من ثياب، وشعر، وعرق، وريق. وفي الحديث دليل على استعمال الكافور، وكل طيب الريح مما يمكن أن يحفظ جسد الميت، وأن ينظَّفه، ويمنع تسرُّب الفساد، أو التحلل إليه.

error: النص محمي !!