Top
Image Alt

أحكام لحوم: ذوات الحافر الإنسية، والحيوانات المأمور بقتلها في الحرم، والتي تعافها النفوس، والمنهي عن قتلها، والحيوانات البحرية، وحكم الخمر والنبيذ

  /  أحكام لحوم: ذوات الحافر الإنسية، والحيوانات المأمور بقتلها في الحرم، والتي تعافها النفوس، والمنهي عن قتلها، والحيوانات البحرية، وحكم الخمر والنبيذ

أحكام لحوم: ذوات الحافر الإنسية، والحيوانات المأمور بقتلها في الحرم، والتي تعافها النفوس، والمنهي عن قتلها، والحيوانات البحرية، وحكم الخمر والنبيذ

المسألة الثانية: ذوات الحافر الإنسية:

يقول ابن رشد –رحمه الله-: وأما المسألة الثانية وهي اختلافهم في ذوات الحافر الإنسي -يعني: الخيل، والبغال، والحمير حكم أكلها- فإن جمهور العلماء على تحريم لحوم الحمر الإنسية، إلا ما روي عن ابن عباس وعائشة أنهما كانا يبيحانها، وعن مالك أنه كان يكرهها، ورواية ثانية مثل قول الجمهور. وكذلك الجمهور على تحريم البغال. وقوم كرهوها ولم يحرموها، وهو مروي عن مالك.

وأما الخيل: فذهب مالك، وأبو حنيفة، وجماعة إلى أنها محرمة. وذهب الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد وجماعة إلى إباحتها.

يقول ابن رشد: والسبب في اختلافهم في الحمر الإنسية: معارضة الآية المذكورة وهي قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ} [النحل: من الآية: 8] للأحاديث الثابتة في ذلك، من حديث جابر، وغيره، قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر -أي: يوم غزوة خيبر- عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل)) والحديث متفق عليه. فمن جمع بين الآية وهذا الحديث حمل النهي على الكراهة، ومن رأى النسخ قال بتحريم الحمر، أو قال بالزيادة التي تفيد حكمًا دون أن يوجب نسخًا، وقد احتج منَ لم يرَ تحريمها بما روي عن أبي إسحاق الشيباني، عن ابن أبي أوفى قال: ((أصبنا حمرًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر وطبخناها، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أكفئوا القدور بما فيها)) متفقه عليه. قال ابن إسحاق: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: إنما نهى عنها لأنها كانت تأكل الجلة، أي: النجاسة. فحمل النهي على الكراهة لا على التحريم.

وأما اختلافهم في البغال فسببه معارضة دليل الخطاب في قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8] وقوله مع ذلك في الأنعام: {لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُون} [غافر: 79] للآية الحاصرة للمحرمات؛ لأنه يدل مفهوم الخطاب فيها: أن المباح في البغال إنما هو الركوب، مع قياس البغل أيضًا على الحمار، ففي الأنعام قال الله تعالى: {لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُون} أما في الخيل والبغال والحمير فقال: {لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8] فيكون المباح إنما هو الركوب. وأما سبب اختلافهم في الخيل فمعارضة دليل الخطاب في هذه الآية لحديث جابر، وحديث جابر: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل)) والآية هنا تقول: {لِتَرْكَبُوهَا} دون ذكر للأكل؛ فتكون الآية معارضة لحديث جابر، ومعارضة قياس الفرس على البغل والحمار له، لكن إباحة لحم الخيل نص في حديث جابر: ((وأذن في لحوم الخيل)) فلا ينبغي أن يعارض بقياس، ولا بدليل خطاب.

هذا الذي قاله ابن رشد -رحمه الله- في المسألة الثانية من المحرمات لعينها المختلف فيها، وقد عرفنا منها أقوال الفقهاء في كل من الخيل والبغال والحمير. أما البغال والحمير: فمحل ترجيح عند جمهور العلماء في تحريم لحومها، وأما الخيل: فالعكس صحيح؛ فالجمهور على حل لحومها.

المسألة الثالثة: لحوم الحيوان المأمور بقتله

يقول ابن رشد: وأما المسألة الثالثة وهي: اختلافهم في الحيوان المأمور بقتله في الحرم، وهي الخمس المنصوص عليها: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور، فإن قومًا فهموا من الأمر بالقتل لها مع النهي عن قتل البهائم المباحة الأكل أن العلة في ذلك هي كونها محرمة، وهو مذهب الشافعي، وقوم فهموا من ذلك معنى التعدي، لا معنى التحريم، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وجمهور أصحابهم.

المسألة الرابعة: لحوم الحيوانات التي تعافها النفوس:

يقول ابن رشد -رحمه الله-: وأما الجنس الرابع وهو الذي تستخبثه النفوس: كالحشرات، والضفادع، والسرطانات، والسلحفاة، وما في معناها؛ فإن الشافعي حرمها ومعه الإمام أحمد. وأباحها غيره: كمالك فإنه يبيح ما عدا الأربعة المذكورة في الآية، ومنهم من كرهها فقط كأبي حنيفة. والذي نرجحه هو تحريمها؛ عملًا بأن الطيب ما استطيبته العرب، والخبيث ما استخبثته العرب؛ استنادًا لقوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [الأعراف: 157].

ثم قال ابن رشد: وسبب اختلافهم -أي: في هذه الحشرات التي تستخبثها النفوس بين مبيحٍ لها ومحرم-: اختلافهم في مفهوم ما ينطلق عليه اسم الخبائث، في قوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} فمن رأى أنها المحرمات بنص الشرع؛ لم يحرم من ذلك ما تستخبثه النفوس، مما لم يرد فيه نص، يعني: يكون التحريم قاصرًا على ما ورد به النص، ومن رأى أن الخبائث هي ما تستخبثه النفوس قال: هي محرمة.

وهذا الذي يشير إليه ابن قدامة -رحمه الله- بقوله: وما استخبثته العرب؛ فهو محرم، بقول الله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ}والذين تعتبر استطابتهم واستخباثهم؛ هم أهل الحجاز، من أهل الأمصار؛ لأنهم الذين نزل عليهم الكتاب، وخوطبوا به وبالسنة؛ فرجع في مطلق ألفاظهما إلى عرفهم، دون غيرهم، ولم يعتبر أهل البوادي؛ لأنهم للضرورة والمجاعة يأكلون ما وجدوا، ولهذا سأل بعضهم عما يأكلون فقال: ما دب ودرج إلا أم حبين، فقال: لتهنى أم حبين العافية. وما وجد في أمصار المسلمين، مما لا يعرفه أهل الحجاز رد إلى أقرب ما يشبهه في الحجاز؛ فإن لم يشبه شيء منها، فهو مباح؛ لدخوله في عموم قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((وما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه)).

وقال الخطيب الشربيني -رحمه الله- عن الضفدع، والحية، والسرطان، ونحوها: وقيل: إن أكل مثله في البر؛ حل أكله ميتًا، وإلا بأن لم يأكل مثله في البر، فلا؛ ككلبٍ وحمار، وما يعيش في برٍّ وبحرٍ؛ كضفدع وكنيته، وهو من الحيوان الذي لا عظم له -الضفدع- وسرطان: ويسمى: عقرب الماء، وكنيته أبو بحر. وحية: ويطلق على الذكر والأنثى، ودخلت الهاء للوحدة، لأنه واحد من جنسه.

قال عن كل ذلك: حرام للسمية في الحية والعقرب، وللاستخباث في غيرهما. ولأن التمساح يتقوى بنابه، وقضيته تحريم القرش، ويقال له: اللخم، وفي تحريم النسناس وجهان؛ أوجههما -كما جرى عليه ابن المقري- التحريم، وهو على خلقة الناس، قاله القاضي أبو الطيب، وهو جنس من الخلق يثب على رجلٍ واحدة، له عين واحدة، يخرج من الماء ويتكلم، ومتى ظفر بالإنسان قتله، ويوجد في جزر الصين ينقر كما ينقر الطير، وفي (المحكم): أنه سبع من أخبث السباع.

المسألة الخامسة: أكل الحيوان المنهي عن قتله:

يقول ابن رشد -رحمه الله-: وأما ما حكاه أبو حامد الغزالي عن الشافعي في تحريمه الحيوان المنهي عن قتله كالخطاف والنحل فهو زعم، فإني لست أدري أين وقعت الآثار الواردة في ذلك ولعلها في غير الكتب المشهورة عندنا.

وقال ابن قدامة عن هذه الحشرات، أو الحيوانات المنهي عن قتلها: ويحرم الخطاف والخشاف والخفاش -وهو الوطواط- قال أحمد: ومَن يأكل الخشاف. وسئل عن الخطاف فقال: لا أدري. وقال النخعي: كل الطير حلال إلا الخفاش، ثم علق على ذلك بقوله: وإنما حرمت هذه؛ لأنها مستخبثة، لا تستطيبها العرب ولا تأكلها، كذلك تحرم الزنابير واليعاسيب والنحل وأشباهها؛ لأنها مستخبثة غير مستطابة.

حكم أكل الحيوانات البحرية:

يقول ابن رشد –رحمه الله-: وأما الحيوان البحري؛ فإن العلماء أجمعوا على تحليل ما لم يكن منه موافقًا بالاسم لحيوانٍ في البر محرم. فقال مالك: لا بأس بأكل جميع حيوان البحر. وعليه الشافعي إلا أنه كره خنزير الماء، وقال: أنتم تسمونه خنزيرًا، فهو يشبه حيوانًا بريًّا محرمًا. وبه قال ابن أبي ليلى والأوزاعي ومجاهد وجمهور العلماء. إلا أن منهم مَن يشترط في غير السمك التذكية -أي: الذبح- وهو رأي الإمام أحمد، وقال الليث ابن سعد: أما إنسان الماء وخنزير الماء، فلا يؤكلان على شيء من الحالات. وقال أبو حنيفة: لا يؤكل من البحر إلا السمك، وما كان من جنسه.

ثم يقول: وسبب اختلافهم هو: هل يتناول لغة أو شرعًا اسم الخنزير والإنسان خنزير الماء وإنسانه؟ وعلى هذا يجب أن يتطرق الكلام إلى كل حيوان في البحر مشارك بالاسم في اللغة، أو في العرف لحيوان محرم في البر؛ مثل الكلب عند مَن يرى تحريمه، فهناك أيضًا الكلب البري، والكلب البحر.

وقد علق ابن رشد على هذه القضية بقوله: والنظر في هذه المسألة يرجع إلى أمرين؛ أحدهما: هل هذه الأسماء لغوية؛ خنزير إنسان الماء كلب البحر؟ والثاني: هل للاسم المشترك عموم؛ فيعم هذا وذاك أم ليس له عموم؟ فإن إنسان الماء وخنزيره يقالان مع خنزير البر وإنسانه باشتراك الاسم، فمن سلم أن هذه الأسماء لغوية، ورأى أن للاسم المشترك عمومًا أن يشملها: لزمه أن يقول بتحريمها، فكما أنها محرمة في البر؛ تكون محرمة في البحر؛ لأن المشترك في التسمية له عموم فيكون كذلك في الحكم. ومن لم ير ذلك، لم ير تحريمها؛ ولذلك توقف مالك في القطع بالتحريم، وقال: أنتم تسمونه خنزيرًا، قال ابن رشد: فهذه حال الحيوان المحرم الأكل في الشرع، والحيوان المباح الأكل.

كتاب الأشربة:

حكم الخمر والأنبذة:

نذكر بعض التعريفات وبعض الأحكام التي قدمها كل من: ابن قدامة، والخطيب الشربيني، في مقدمة هذا الكتاب، وقد جمعها ابن رشد مع الأطعمة، وجعلهما كتابًا واحدًا -كتاب الأطعمة والأشربة- أما ابن قدامة فقد خصها بكتاب وكذلك فعل الخطيب الشربيني.

قال الخطيب الشربيني: الأشربة: جمع شراب بمعنى: مشروب، والشريب: المولع بالشراب، والشرب: الجماعة يشربون الخمر يسمون شربًا، وشربه -أي: الخمر- من كبائر المحرمات، بل هي أم الكبائر كما قال عمر وعثمان رضي الله عنهما والأصل في تحريمها -أي: الخمر- قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} [المائدة: 90] وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33] ومن أكبر الفواحش الخمر عند الأكثرين، واستشهد له بقول الشاعر:

شربت الإثم حتى ضل عقلي

*كذاك الإثم يذهب بالعقول

وتضافرت الأحاديث على تحريمها: روى أبو داود: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وآكل ثمنها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه)). وقال صلى الله عليه وسلم: ((من شربها في الدنيا ولم يتب حرمها الله عليه في الآخرة)) لأنها في الآخرة من متاع الجنة: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} [محمد: 15] وعن خمر الآخرة يقول الله تعالى: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُون} [الصافات: 47] أي: خمر الآخرة، وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) وانعقد الإجماع على تحريمها، ولا التفات إلى قول من حكي عنه إباحتها.

وقال ابن قدامة -رحمه الله- في صدر كتاب الأشربة: الخمر محرم بالكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب: فقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ} الآية. وأما السنة: فقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل مسكر خمر وكل خمر حرام)) وحديث ابن عمر: ((لعن الله الخمر وشاربها…)) إلى آخره. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأخبار تبلغ بمجموعها رتبة التواتر، وأجمعت الأمة على تحريمها، وإنما حكي عن قدامة بن مظعون وعمرو بن معدي كرب هي حلال؛ لقول الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ} [المائدة: 93] فبين لهم علماء الصحابة معنى هذه الآية، وتحريم الخمر، وأقاموا عليهم الحد لشربهم إياها؛ فرجعوا إلى ذلك؛ فانعقد الإجماع على تحريمها؛ فمن استحلها الآن فقد كذب النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قد علم ضرورة من جهة النقل تحريمه؛ فيكفر بذلك ويستتاب فإن تاب وإلا قتل.

اختلاف العلماء في الفرق بين الأنبذة والخمر وحكم كل منهما:

قال ابن رشد -رحمه الله-: وأما النبات الذي هو غذاء فكله حلال إلا الخمر، وسائر الأنبذة المتخذة من العصارات التي تتخمر، ومن العسل نفسه، ثم بين حكم الخمر فقال: أما الخمر؛ فإنهم اتفقوا على تحريم قليلها وكثيرها -يعني بالخمر: التي هي من عصير العنب- وأما الأنبذة -أي: العصائر الأخرى- فإنهم اختلفوا في القليل منها الذي لا يسكر. وأجمعوا على المسكر منها حرام، فقال جمهور فقهاء الحجاز، وجمهور المحدثين، ومنهم الإمام أحمد: قليل الأنبذة وكثيرها المسكرة، حرام. وقال العراقيون -والمقصود بهم: إبراهيم النخعي من التابعين، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، وشريك وابن شبرمة، وأبو حنيفة، وسائر فقهاء الكوفيين، وأكثر علماء البصريين-: إن المحرم من سائر الأنبذة المسكرة هو السكر نفسه، لا الأنبذة. ومعنى ذلك أن القليل منها لأنه لا يسكر يكون مباحًا، أما الكثير الذي يسكر فهو محرم؛ لوقوع السكر به.

ثم يقول -رحمه الله-: وسبب اختلافهم: تعارض الآثار والأقيسة في هذا الباب؛ فللحجازيين في تثبيت مذهبهم -أي: تحريم القليل والكثير من الأنبذة- طريقتان:

الطريقة الأولى: الآثار الواردة في ذلك، يعني: الاستدلال بالآثار الواردة.

والطريقة الثانية: تسمية الأنبذة بأجمعها خمرًا.

فمن أشهر الآثار التي تمسك بها أهل الحجاز، ما رواه مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة أنها قالت: ((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع -البتع: نوع من العسل- وعن نبيذ العسل؛ فقال: كل شراب أسكر فهو حرام)) خرجه البخاري ومسلم وأصحاب السنن، وقال يحيى بن معين: هذا أصح حديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم المسكر. هذا أثر يدل على تحريم نبيذ العسل والبتع؛ لما فيه من الإسكار. ومنها أيضًا ما خرجه مسلم وأصحاب السنن، عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كل مسكر خمر وكل خمرٍ حرام)) فهذان حديثان صحيحان؛ أما الأول: فاتفق الكل عليه، وأما الثاني: فانفرد بتصحيحه مسلم، وخرج الترمذي وحسنه، وأبو داود والنسائي، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)) وهو نص في موضع الخلاف.

وأما الاستدلال الثاني: وهو أن الأنبذة كلها تسمى خمرًا. فلهم في ذلك طريقتان: إحداهما: من جهة إثبات الأسماء بطريق الاشتقاق، والثاني: من جهة السماع والنقل. فأما التي من جهة الاشتقاق؛ فإنهم قالوا: إنه معلوم عند أهل اللغة، أن الخمر إنما سميت خمرًا؛ لمخامرتها العقل؛ لأنها تستره، وتغطي حركته، وفهمه وتفكيره؛ فوجب لذلك أن ينطلق اسم الخمر لغة على كل ما خامر العقل، وهذه الطريقة من إثبات الأسماء فيها اختلاف بين الأصوليين، وهي غير مرضية عند الخراسانيين، وأما الطريقة الثانية: التي من جهة السماع والنقل؛ فإنهم قالوا: إنه وإن لم يسلم لنا أن الأنبذة تسمى في اللغة خمرًا؛ فإنها تسمى خمرًا شرعًا؛ لما جاء في حديث ابن عمر المتقدم، وبما روي أيضًا عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة)) وما روي أيضًا عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن من العنب خمرًا، وإن من العسل خمرًا، ومن الزبيب خمرًا، ومن الحنطة خمرًا، وأنا أنهاكم عن كل مسكر)) فهذه هي عمدة الحجازيين في تحريم الأنبذة.

وأما الكوفيون فإنهم تمسكوا لمذهبهم بظاهر قوله تعالى: {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 67] وبآثارٍ رووها في هذا الباب وبالقياس المعنوي.

إذن لهم ثلاثة أدلة: دليل من القرآن، ودليل من الآثار، ودليل من القياس، أما احتجاجهم بالآية: فإنهم قالوا: السكر والمسكر ولو كان محرم العين؛ لما سماه الله رزقًا حسنًا: {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 67] يعني: كلا الأمرين مأخوذان من ثمرات النخيل والأعناب، نأخذ منهما المسكر، ونأخذ منهما الرزق الحسن والطعام الطيب. فلو كان عصير النخيل، أو العنب محرمًا قليله؛ ما سماه الله تعالى رزقًا حسنًا.

وأما الآثار التي اعتمدوها في هذا الباب فمن أشهرها عندهم حديث أبي عون الثقفي، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((حرمت الخمر لعينها، والسكر من غيرها)) والحديث رواه النسائي موقفًا، وقالوا: هذا نص لا يحتمل التأويل، ولكن أهل الحجاز ضعفوه؛ لأن بعض رواته روى: ((والمسكر من غيرها)) مكان ((والسكر)).

ومنها حديث شريك، عن سماك بن حرب، بإسناده عن أبي بردة بن نيار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني كنت نهيتكم عن الشراب في الأوعية، فاشربوا فيما بدا لكم ولا تسكروا)) أي: أن الشرب سواء كان قليلًا أو كثيرًا فيما بدا لكم، الممنوع هو السكر، ولا تسكروا. ورووا عن ابن مسعود أنه قال: ((شهدت تحريم النبيذ، كما شهدت، ثم شهدت تحليله فحفظت ونسيتم)). ورووا أيضًا عن أبي موسى قال: ((بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ومعاذ إلى اليمن، فقلنا: يا رسول الله، إن بها شرابين يصنعان من البر –أي: القمح والشعير- أحدهما يقال له: المزر -وهو نبيذ الذرة- والآخر يقال له: البتع -وهو العسل- فما نشرب؟ فقال صلى الله عليه وسلم: اشربا ولا تسكرا)) خرجه الطحاوي أيضًا، والجماعة إلا الترمذي… إلى غير ذلك من الآثار التي ذكروها في هذا الباب.

ثم قال ابن رشد: وأما احتجاجهم من جهة النظر؛ فإنهم قالوا: قد نص القرآن أن علة التحريم في الخمر؛ إنما هي الصد عن ذكر الله، ووقوع العداوة والبغضاء، كما قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُون} [المائدة: 91] وهذه العلة توجد في القدر المسكر لا في ما دون ذلك؛ فوجب أن يكون ذلك القدر المسكر هو الحرام، أما غير المسكر: فليس حرامًا، إلا ما انعقد عليه الإجماع من تحريم قليل الخمر وكثيرها، ففرقوا بين الأنبذة وبين الخمر؛ فالخمر قليلها وكثيرها حرام بالإجماع، أما الأنبذة: فقليلها وكثيرها حلال ما لم تسكر؛ فإن أسكرت كان ذلك القدر المسكر هو الحرام. قالوا: وهذا النوع من القياس يلحق بالنص وهو القياس الذي ينبه الشرع على العلة فيه، وقال المتأخرون من أهل النظر: حجة الحجازيين من طريق السمع أقوى، وحجة العراقيين من طريق القياس أظهر. وإذا كان هذا كما قالوا.

 الترجيح بين الأثر والقياس، وكيفية الجمع بينهما:

يقول ابن رشد رحمه الله-: وإذا كان هذا كما قالوا: فيرجع الخلاف إلى اختلافهم في تغليب الأثر على القياس، أو تغليب القياس إلى الأثر إذا تعارضا. فمن العلماء من غلب الأثر على القياس، ومنهم من غلب القياس على الأثر، وهي مسألة مختلف فيها، لكن الحق أن الأثر إذا كان نصًّا ثابتًا فالواجب أن يغلب على القياس، وأما إذا كان ظاهر اللفظ محتملًا للتأويل؛ فهنا يتردد النظر، هل يجمع بينهما بأن يتأول اللفظ، أو يغلب ظاهر اللفظ على مقتضى القياس؟ ذلك مختلف بحسب قوة لفظ من الألفاظ الظاهرة، وقوة قياس من القياسات التي تقابلها، ولا يدرك الفرق بينهما إلا بالذوق العقلي، كما يدرك الموزون من الكلام من غير الموزون -أي: الشعر- وربما كان الذوقان على التساوي، ولذلك كثر الاختلاف في هذا النوع، حتى قال كثير من الناس: كل مجتهدٍ مصيب.

ثم قال رحمه الله: والذي يظهر لي -والله أعلم- أن قوله صلى الله عليه وسلم: ((كل مسكرٍ حرام)) وإن كان يحتمل أن يراد به القدر المسكر كما قال العراقيون لا الجنس المسكر؛ فإن ظهوره في تعليق التحريم بالجنس أغلب على الظن من تعليقه بالقدر، لمكان معارضة ذلك القياس له على ما تأوله الكوفيون؛ فإنه لا يبعد أن يحرم الشارع قليل المسكر وكثيره؛ سدًّا للذريعة وتغليظًا، مع أن الضرر إنما يوجد في الكثير. وقد ثبت من حال الشرع بالإجماع أنه اعتبر في الخمر الجنس؛ القليل والكثير، دون القدر الواجب الذي يسكر؛ فوجب كل ما وجدت فيه علة الخمر أن يلحق بالخمر، كما قال الحجازيون والمحدثون، وأن يكون على من زعم وجود الفرق إقامة الدليل على ذلك. هذا إن لم يسلموا لنا صحة قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)) وهو نص؛ فإنهم وإن سلموه لم يجدوا عنه انفكاكًا؛ فإنه نص في موضع الخلاف، ولا يصح أن تعارض النصوص بالمقاييس مهما كانت، ما دامت النصوص ثابتة وصحيحة. وأيضًا فإن الشرع قد أخبر أن في الخمر مضرة ومنفعة، في قوله تعالى: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219] وكان القياس إذا قصد الجمع بين انتفاء المضرة ووجود المنفعة: أن يحرم كثيرها، ويحلل قليلها. فلما غلب الشرع حكم المضرة على المنفعة في الخمر ومنع القليل منها والكثير وجب أن يكون الأمر كذلك في كل ما يوجد فيه علة تحريم الخمر، أي: في كل ما يخامر العقل ويغطيه ويستره، إلا أن يثبت في ذلك فارق شرعي، وقد اتفق العلماء على أن الانتباذ -أي: عصر الفواكه والثمرات، أو وضع الثمرات في الماء لتعطي شرابًا- حلال ما لم تحدث فيه الشدة المطربة الخمرية -أي: الإسكار- لقوله صلى الله عليه وسلم: ((فانتبذوا، وكل مسكر حرام)) أي: انتبذوا ولا تصلوا إلى الإسكار، ولما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم: “أنه كان ينتبذ، وأنه كان يريقه في اليوم الثاني أو الثالث” أي: إذا تغير.

error: النص محمي !!