Top
Image Alt

أحوال الدعوة في الأقطار الإسلامية، وكيف تكون الدعوة على الوجه الأمثل

  /  أحوال الدعوة في الأقطار الإسلامية، وكيف تكون الدعوة على الوجه الأمثل

أحوال الدعوة في الأقطار الإسلامية، وكيف تكون الدعوة على الوجه الأمثل

أحوال الدعوة في الأقطار الإسلامية:

المسلمون اليوم أحوج الناس إلى اكتشاف حقيقة الإسلام مرة أخرى بعدما عمَّ الجهل بالإسلام، وتحوّل عند البعض إلى ثقافة فكرية لا تأثير لها في واقع الحياة، وامتلأ نشاط المسلمين بنظم وأنشطة غير إسلامية، لدرجة أنّ من ينظر إلى أحوال الناس يتخيّل نفسه في مجتمع لا إسلامَ فيه، فالنساء في الطريق عاريات مائلات مميلات، والخلاعة والمجون سمة الشباب، ودور اللهو والعبث تستقبل روادها ليل نهار، والإعلام بصوره جميعًا خلط بين الجد والهزل، وصوتُ الباطل فيه أعلى من الحق في كثير من الأحيان، والمؤسسات الدينية تعمل بلا خطة منتظمة، وبعيدًا عن هدف مقصود، والدعوة في جملتها تحتاج لتخطيط وتنظيم وإشراف، ولا بد من مضاعفة الجهد، وتنشيط العمل على كل من يريد العمل لله بصدق وإخلاص.

كيف تتم الدعوة على الوجه الأمثل بين المسلمين:

بعد تفهُّم طبائع الناس وحقيقة الدعوة، كان على الوسائل أن تقوم بدورها في الإبلاغ على وجه يضمن نجاحها في الغالب، وهذا الضمان ضرورة عرّفها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وهو يأمره بقوله: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى} [الأعلى: 9] وبقوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68] وهكذا عرّف الله رسوله أن يتخذ المناسبة الحسنة، فيذكّر حين يغلب على ظنّه أن الذكرى ستنفع، ويترك القوم حينما يلقاهم يعبثون بآيات الله؛ لأنهم لا يسمعون ساعتئذٍ، وسيُعرِضون عن الدعوة إذا عرضت عليهم، ومن الأساليب ذاتها نعرف كيف نعرض الدعوة في حسن وجمال.

وعرضها الحسن يتطلب شقين: شقًّا يتعلق بالدعوة، وشقًّا يتعلق بالناس، أمّا الشق الذي يتعلق بالناس فهو يتكون من نقاط، تلاحظه الأساليب فيما يلي:

أولًا: تقدير الإنسان:

حيث أعطى الله للإنسان كثيرًا من النعم، وسخر له الكون كله، ورزقه العقل ليفهم الأمور ويتدبرها، فلما جاءت الدعوة لم تنقص الإنسان شيئًا، بل أعلنت محافظتها على كثير من المسائل الفطرية؛ إذ بينت أنه لا إكراه في الدين.

ثانيًا: ملاحظة التنوع البشري:

وتلاحظ الوسائل تنوع الناس أمام الأدلة، وقد رأينا كيف أنّ العلماء أجمعوا على أنّ من الناس من تكفيه الأدلة الخطابية، ومنهم من تكفيه الأدلة البرهانية اليقينية، ومنهم المجادل اللدود، ومن هنا أتت الأساليب مراعيةً هذا التنوع، فجاءت المواعظ الحسنة، والحكمة، والجدل بالحسنى؛ لتتناسب مع كافة الطوائف.

ثالثًا: التنوع الغريزي:

من المعلوم أن الجبلّة البشرية تنطوي على مجموعة من الصفات، لا يمكن إزالتها بالكلية، وقد لاحظ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الجبلة في الناس، فلم يحاول هدمها، وإنما ترقّى بها، فهو في المال يعطي رجالًا لا لحاجاتهم، وإنما لشدة حبهم للمال، ويبين ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله: ((إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، مخافة أن يكبه الله في النار)) وفي الفخر يعطيه لأبي سفيان يوم فتح مكة ويقول: ((مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن)).

أما الشق المتعلق بالدعوة، فهو يتمثل في النقاط التالية:

1. تقدير الدعوة:

تبدأ الأساليب في مناقشة عقائد الناس، مبينة فسادها من واقع فكر الناس أنفسهم، وقد رأينا كيف جادل سيدنا إبراهيم عليه السلام الناس في ألوهية الأصنام والكواكب والأشخاص، وكيف بينت القصة ضلال الكافرين والمشركين.

2. تجزئة الدعوة:

وتدعو الناس على مهل، وتجزئ للناس دعوتها، فلا تقدمها لهم جملةً حتى لا تثقل عليهم، وتلاحظ استعداد الناس للجزء الذي تقدمه لهم، ومن هنا استمرّ النبي صلى الله عليه وسلم يدعو مدة طويلة إلى التوحيد وهو في مكة، ولم يتنقل إلى غير التوحيد؛ لأنه أراد أن يلمس أسس الدعوة، ويعرضه لهؤلاء المشركين، فمكث صلى الله عليه وسلم يدعو بالتوحيد حتى شُرعت الصلاة قبيل الهجرة، ويلاحظ أنّ الدعوة كانت تقدّم الأهم على المهم، ولذلك قدّمت التوحيد وإثبات الرسالة على سائر تعاليمها؛ لأنهما الأصل.

3. تَكرار الدعوة:

ومن خلال الأساليب يظهر التكرار واضحًا للدعوة، لما في التكرار من فائدة، فهو يشعر بالأهمية، ويحرك العقل والوجدان.

4. بيان الغاية من الدعوة:

تحديد أي شيء هو مقدمة نجاحه، وبيان فائدته أقوى دليل على خلوده، ولقد اهتمت الأساليب بادئ ذي بدئ ببيان أهداف الدعوة، فعرّفت أن الإيمان بالدعوة يحقق في الدنيا النجاة من الضرر، والتمكين في الأرض، والنصر والفوز، ويحقق في الآخرة السعادة والأمان، بل إن سائر تعاليم الدعوة هادفة إلى حفظ الضرورات الخمسة، التي تحقق سعادة الدنيا والآخرة.

5. الدليل المناسب:

وتحقق الأساليب بأدلتها فائدة عظيمة؛ ذلك أنها تلاحظ نوعية المدعوين، ومدى تقدمهم، وتأتي لهم بالأدلة المناسبة، فمثلًا: تكون الأدلة بالمحسوسات أحيانًا، وبالمعنويات أحيانًا أخرى، وبهما معًا أحيانًا أخرى، وذلك يحقق لها الوصول إلى أفهام الناس أجمعين.

error: النص محمي !!