Top
Image Alt

أحوال فاعل “نعم وبئس”

  /  أحوال فاعل “نعم وبئس”

أحوال فاعل “نعم وبئس”

إن فاعل نعم وبئس قد يكون ظاهرًا ومضمرًا، وإذا كان ظاهرًا فله حالات متعددة، وإذا كان مضمرًا فله أيضًا صورة خاصة منضبطة بشروط، وأبدأ بالفاعل الظاهر:

إذا جاء فاعل نعم وبئس اسمًا ظاهرًا فله حالات متعددة، أشهرها ثلاث:

الحالة الأولى: أن يكون معرفًا بال، سواء كانت للجنس أو للعهد. و الألف واللام الجنسية هي الداخلة على نكرة لإفادة العموم والشمول مع التعريف، ويغلب أن يصلح في مكانها كلمة كل، وأما العهد فقد يكون عهدًا ذكريًّا، أو يكون عهدًا ذهنيًّا؛ ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب}
[ص: 30] “نعم العبد” نعم: فعل ماض جامد دال على المدح، و”العبد” فاعل وجاء معرفًا بالألف واللام.

ومثال آخر قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 29]، “بئس الشراب” بئس: فعل ماض جامد دال على الذم، “الشراب” فاعل وقد جاء معرفًا بالألف واللام.

وقد تضمن القرآن الكريم أمثلة أخرى من ذلك قوله في سورة الأنفال: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِين * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِير * وَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير } [الأنفال: 38 -40] ففاعل “نعم” قوله تعالى: {الْمَوْلَى} معرف بالألف واللام، { وَنِعْمَ النَّصِير } فاعل “نعم” الأخرى “النصير”، والنصير معرف بالألف واللام.

ومن خارج القرآن، تستطيع أن تقول في المدح: نعم الوالد. وأن تكمل الأسلوب بالمخصوص، كما سيأتي، حيث إن أسلوب المدح بنعم، يتضمن الفعل والفاعل والمخصوص بالمدح؛ فتقول: نعم الوالد الشفيق، وكذلك بالنسبة لأسلوب الذم، تأتي بالفعل وهو بئس، وتأتي بفاعله ثم تستطيع أن تكمل الأسلوب بالمخصوص بالذم، فتقول: بئس الولد العاق. ومن الشعر تقول:

حياة على الضيم بئس الحياة

 
*ونعم الممات إذا لم نعز



إذا لم نعز؛ أي: إذا لم نكن أصحاب عزة وكرامة وهيبة، حياة على الضيم بئس الحياة، فالحياة فاعل بئس، وهو مقرون بالألف واللام. وكذلك الممات فاعل نعم وهو معرف بالألف واللام. وكذا قول الآخر:

خير أيام الفتى يوم نفع

*فاتبع الحق فنعم المتبع

فـ”المتبع” هو فاعل نعم، وقد سكن العين للقافية، وهو مرفوع في الأصل؛ لوقوعه فاعل نعم، وهو كما ترى مقرون بالألف واللام، هذه هي الحالة الأولى لفاعل نعم وبئس، حين يكون ظاهرًا، أما الحالة الثانية فهو أن يكون مضافًا إلى ما فيه الألف واللام.

الحالة الثانية: مضاف إلى ما فيه الألف واللام. ومن أمثلة ذلك إلى ما ورد في الآيتين التاسعة والعشرين والثلاثين من سورة النحل، حيث جاءت “نعم وبئس” في هاتين الآيتين، قال تعالى: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِين}. [النحل: 30] “ولنعم دار المتقين” حيث جاء فاعل نعم دار مضافًا إلى ما فيه الألف واللام ، وهو “المتقين”.

وقبل الآية التاسعة والعشرين جاء قوله تعالى: {فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} [النحل: 29] الضمير عائد على قوله تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون * فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِين} [النحل: 28- 29] وقوع فاعل بئس وهو مثوى مضاف إلى ما فيه الألف واللام وهو “المتكبرين” وهكذا تستطيع أن تصوغ أمثلة أخرى، وأن تلاحظ غيرها؛ فتقول مثلًا: نعم رجل الحرب فلان، أو بئس رجل الجبن والكذب مسيلمة، فـ”رجل الحرب” فاعل نعم ورجل مضاف إلى ما فيه الألف واللام ، وكذلك رجل الجبن رجل فاعل بئس وقد أضيف إلى ما فيه الألف واللام.

الحالة الثالثة: أن يضاف إلى ما أضيف إلى ما فيه الألف واللام ، أو بعبارة أخرى أن يكون معرفًا بالإضافة إلى مضاف لما قارن الألف واللام ، ومثاله قول أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم يمدح الرسول صلى الله عليه وسلم ويعاتب قريشًا، جاء في سياق المدح قوله:

فنعم ابن أخت القوم غير مكذب

*زهير حسام مفردًا من حمائل

المقصود بزهير هو زهير بن أبي أمية، وهو ابن أخت أبي طالب، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب بن هاشم، أخت أبي طالب، وعمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أحد الرجال الخمسة اتفقوا على نقض الصحيفة التي تعاهدت فيها قريش على مقاطعة بني هاشم، وعلقوها في الكعبة يريدون بذلك أن يلجئوا بني هاشم إلى حمل النبيصلى الله عليه وسلم على ترك الدعوة إلى الإسلام، والله يؤيد رسوله ويثبته؛ فيمدح أبو طالب زهيرًا فيقول:

فنعم ابن أخت القوم غير مكذب

*زهير حسام مفرد من حمائل

“الحسام” هو السيف سُمي بذلك لأنه يحسم الخلاف، ويقطع التشاحن مفردًا من حمائل الحمائل جمع حمالة، والحمالة هي علاقة السيف، ويقال لها: المحمل.

إن فاعل “نعم” هو” ابن أخت القوم” حيث أتى بفاعل نعم اسمًا، هو “ابن” مضافًا إلى اسم مضاف إلى مقترن بأل، حيث أضيف ابن إلى أخت، وأخت أضيفت إلى القوم، وهذا يشير إلى هذه الحالة الثالثة لفاعل نعم حينما يكون اسمًا ظاهرًا وأعرب البيت كاملًا كيف تقف على ما فيه من إعراب:

“نعم”: فعل ماض دال على إنشاء المدح مبني على الفتح، لا محل له من الإعراب. “ابن”: فاعل نعم مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو مضاف. و”أخت” مضاف إليه. و”أخت” مضاف و”القوم” مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، و”غير” حال من فاعل نعم، منصوب بالفتحة الظاهرة. و”غير” مضاف، و”مكذب” مضاف إليه، وجملة نعم من الفعل والفاعل في محل رفع خبر مقدم، أما المبتدأ المؤخر فهو “زهير” وسوف تعلم أن هذا المبتدأ يُسمى المخصوص بالمدح؛ ستعرف هذا إن شاء الله، فزهير مبتدأ مؤخر، ويجوز أن يكون خبر لمبتدأ محذوف وجوبًا تقديره: هو زهير، ويجوز أن يكون مبتدءًا خبره محذوف، وتقدير الكلام على هذا الممدوح زهير، كل هذه الأوجه الإعرابية جائزة في هذا المخصوص الذي سأفصل لك القول فيه إن شاء الله قريبًا. وأما “حسامًا” فهي حال من زهير منصوب بالفتحة الظاهرة، وقوله: “مفردًا” صفة لحسام. وقوله: “من حمائل” من حرف جر مبني على السكون لا محل له، و”حمائل” مجرور بمن، وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وكان عليه أن يجره بالفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف؛ لكونه على صيغة منتهى الجموع، ولكنه دفعته الضرورة إلى جره بالكسرة، والجار والمجرور متعلق بقوله مفردًا.

ومن الأمثلة أيضًا قولك: نعم قارئ كتب الأدب. فقارئ فاعل نعم، وقد جاز أن يكون هكذا؛ لأنه أضيف إلى ما أضيف إلى ما فيه أل، حيث أضيف إلى “كتب” وكتب أضيفت إلى الأدب، وكذلك تقول: بئس مهمل أمر اللغة. “مهمل” فاعل بئس، بدون أل، والذي سوغ وقوعه هكذا إضافته إلى ما أضيف إلى ما فيه الألف واللام حيث أضيف إلى أمر، وأمر مضاف إلى ما فيه الألف واللام وهي اللغة، وتلاحظ أن المخصوص في هذين المثالين غير موجود.

وأجاز بعض العلماء أن يكون فاعل نعم أو بئس مضافًا إلى ضمير ما فيه أل كقول الشاعر:

فنعم أخو الهيجا ونعم شبابها

*… … … … … …

“أخو الهيجا” أي: صاحب الهجاء، أخو الهيجاء كناية عن ملازمته الحرب وشدة مباشرتها، والهيجا ممدود اسم للحرب، وقصرت في البيت للوزن، ونعم شبابها، يروى: “ونعم شهابها” والشهاب الشعلة من النار الساطعة، ويتبين لك الشاهد من خلال إعراب هذا الشطر، “نعم أخو الهيجا” “نعم” فعل ماض لإنشاء المدح، و”أخو” فاعل مرفوع بالواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الستة. “الهيجا” مضاف إليه، قوله: “ونعم شبابها” الواو حرف عطف، و”نعم” فعل ماض لإنشاء المدح، و”شباب” فاعل و”الهاء” مضاف إليه، وقوله: “شبابها” هو موضع الشاهد حيث أضيف فاعل نعم إلى ضمير ما فيه الألف واللام؛ فالهاء في “شبابها” عائدة إلى “أخو الهيجا” والهيجا معرفة بالألف واللام.

وحكم بعض العلماء بأن ذلك قليل لا يعد حالة من الحالات، حيث إن الحالات الثلاثة السالفة الذكر هي المشهورة: أن يكون الفاعل معرفًا بأل، أو مضافًا ما فيه أل، أو مضافًا إلى ما أضيف فيه أل. أما أن يكون مضافًا إلى ضمير ما فيه أل فهذا يعد قليلًا مع أن الشطر نفسه تضمن الحالة الثانية حين قال: “فنعم أخو الهيجا”، أما القلة فقد حُكم عليها فيما عطف على ذلك من قوله: “ونعم شبابها”.

كذلك رأى العلماء حالة أخرى قليلة حينما يكون فاعل نعم أو بئس اسم موصول نحو قولك مثلًا: نعم الذي يصون لسانه عما لا يحسن. أو تقول مثلًا: بئس الذي يغتاب الناس؛ فوقوع فاعل نعم اسمًا موصولًا إنما يكون على غير الشهرة التي عرفتها في الحالات الثلاث السالفة الذكر.

وبعض العلماء أيضًا رأى حالة أخرى حيث يكون الفاعل، نكرة مضافة إلى نكرة، كقول كثير بن عبد الله:

فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم

*وصاحب الركب عثمان بن عفان

فـ”نعم” فعل ماض لإنشاء المدح، “صاحب” فاعل “قوم” مضاف إليه “لا سلاح لهم” لا نافية للجنس، “سلاح” اسم لـ لا مبني على الفتح في محل نصب، “لهم” جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا، و”صاحب” في قوله: وصاحب الركب عطف على فاعل نعم، وهو قوله: نعم صاحب قوم، و”الركب” مضاف إليه، و”عثمان” هو المخصوص بالمدح، و”الشاهد” نعم صاحب قوم، حيث ورد فاعل نعم اسمًا مذكرًا مضافًا إلى نكرة. وقد رأى العلماء أن هذه لا تمثل حالة رئيسة من حالات فاعل نعم، ولكن هذا ضرورة وإذا كانت هذه الحالة من قبيل الضرورة، حينما يكون الفاعل نكرة مضافة إلى نكرة؛ فإننا نرى أمثلة أخرى جاء الفاعل فيها نكرة مفردة أي نكرة غير مضافة، وأجاز بعضهم هذا، واستشهدوا بقول الشاعر:

وسلمى أكمل الثقلين حسنا

*وفي أثوابها قمر وريم

نياف القرط غراء الثنايا

*وريد للنساء ونعم نيم

القمر: هو القمر المعروف، والريم: هو ولد الظبية، والقرط: ما يعلق في شحمة الأذن من الحلي، ونياف القرط يريد أنها بعيدة، مهواة، ويكنى بذلك عن طول العنق، وقوله: “غراء الثنايا” الثنايا هي الأسنان التي هي في مقدم الفم، “وريد للنساء” الريد الترب، و”نيم” النيم النعمة التامة، ومن يؤتنس به، ونعم نيم.

وقوله: “نياف” خبر لمبتدأ محذوف هي ضمير يعود على سلمى، و”القرط” مضاف إليه، غراء معطوف على نياف، بعاطف مقدر، والثنايا مضاف إليه أي: مضاف إلى غراء، وريد الواو حرف عطف، وريد عطف على نياف. وللنساء متعلق بمحذوف صفة لريد، ونعم نيم، نعم فعل ماض لإنشاء المدح، و”نيم” فاعل نعم، والجملة من نعم وفاعلها في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير هي نعم نيم، والشاهد “نيم” حيث وقع فاعل نعم اسمًا منكرًا؛ لكن هذه أيضًا من الحالات غير المشهورة لفاعل نعم، حينما يكون اسمًا ظاهرًا.

وقد جاء ما ظاهره أن الفاعل علم أو مضاف إلى علم. ورصدوا أمثلة لهذه الحالة وهي حالة غير مشهورة، من ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((نعم عبد الله خالد بن الوليد))، فعبد الله علم، وكذلك قول سهل بن حنيف: شهدت صفين وبئست صفون، بئست صفون؛ فصفون علم، ومع ذلك لم يروا هذه الحالة مشهورة، حيث عبد الله ليس معرفًا بالألف واللام، ولا مضافًا إلى ما تعرف بهما، هكذا في رأيهم.

ورأوا أن ما جاء من الشعر على هذه الحالة غير المشهورة يعد ضرورة، من ذلك قول الشاعر:

بئس قوم الله قوم طرقوا

*فقروا جارهم لحمًا وحر

“طرقوا” من الطروق وهو إتيان الأهل ليلًا؛ “قروا” أي: أطعموا والحر لحمًا وحر، بفتح الواو وكسر الحاء الذي دبت عليه الوحرة بفتح الواو والحاء أيضًا، وهي دويبة صحراوية صغيرة حمراء؛ لها ذنب دقيق، وأصلها وحرا، وفي آخره راء فأسكنت الراء للضرورة، وإعراب البيت حتى تقف على الشاهد: “بئس” فعل ماض لإنشاء الذم، “قوم” فاعل، ولفظ الجلالة مضاف إليه، “قوم” هو المخصوص بالذم كما سيتضح لك، “طُرقوا” طُرق فعل ماض مبني للمجهول، وواو الجماعة نائب فاعل، الفاء في قوله: “فقروا” جارهم الفاء عاطفة، وقروا فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، وواو الجماعة فاعل، و”جار” مفعول به أول للفعل قرا، وهو مضاف والضمير مضاف إليه، لحمًا مفعول ثان وحر صفة للحم منصوب بالفتحة وسكن للوقف.

الشاهد: قوله: “بئس قوم الله” حيث ورد فيه فاعل بئس اسمًا مضافًا إلى علم، وهو لفظ الجلالة، ولقلة هذه الحالة حكم العلماء بضرورة هذا البيت.

error: النص محمي !!