Top
Image Alt

أحوال قطع الطريق

  /  أحوال قطع الطريق

أحوال قطع الطريق

لا شك أن هناك أحوالًا متباينةً لقاطع الطريق، تتفاوت فيها الجنايات المقترفة من حيث النوع والدرجة، أو من حيث الحجم، والتفاوت في حجم الجنايات ودرجاتها، لا شك أنه يقتضي تفاوتًا في مستوى العقوبة المفروضة على قاطع الطريق؛ لذلك كان من الأهمية بمكان معرفة أحوال قاطع الطريق؛ حتى نتمكن من عقوبة كل جريمة أو كل جناية، فهناك تفاوت في الجرائم وتفاوت في الجنايات يترتب عليها تفاوت في العقوبة.

ولبيان ذلك نقول:

هذه الأحوال، يمكن أن نذكرها في خمسة أحوال:

الحال الأول: أن تكون الجناية من القاطع بالقتل وأخذ المال، أي: تنحصر الجناية من القاطع في القتل وأخذ المال، وعلى ذلك فلو قطع الطريق، ثم قَتل وأخذ المال، فللعلماء في ذلك تفصيل؛ حيث ذهب فقهاء الشافعية، والإمام أبي حنيفة: إلى أن للإمام الخيار في ذلك، فإن شاء قطع يده ورجله، ثم قتله وصلبه، وإن شاء لم يقطعه، وقتله وصلبه فقط، وعند الصاحبين: يقتل ولا يقطع، هذا في حق القاطع الذي قتل وأخذ المال.

الرأي الأول: يرى أن الأمر للإمام، وأن الإمام له الخيار، إن شاء قطع يده ورجله، ثم قتله وصلبه، وإن شاء لم يقطعه، وقتله وصلبه.

أما المالكية، فإن القاطع في هذه الحال منوط أمره -أي: يرجع أمره- إلى اجتهاد الإمام، ومشورة الفقهاء بما تقتضيه المصلحة وذب الفساد، وليس ذلك تبعًا لهوًى، بل على الاجتهاد على سبيل الذب عن كرامة المسلمين وحرماتهم، وعلى هذا فإن الإمام مُخوَّل بقتل المحارب وإن لم يقتل ولم يأخذ المال، طالما أن هذا أمر مرجعه إلى الإمام يقضي بما فيه المصلحة.

أما الحنابلة، فقد قالوا: بقتله في ظاهر المذهب، ولا ينبغي أن يسقط الحد عن المحارب بالعفو عنه؛ لأن الحدود لا تسقط بالعفو.

هذا فيما يتعلق بالحال الأول، الذي يتمثل في القتل وأخذ المال.

الحال الثاني: ويتمثل في أن تكون الجناية بالقتل من غير أخذ المال، أي: القتل فقط، دون أخذ المال، وجزاؤه هنا القتل من غير صلب، وهو ما ذهب إليه الجمهور، ووجه ذلك: أن جناية المحارب بالقتل وحده، هي دون جنايته بالقتل مع أخذ المال، لا شك أن جرمه بالقتل فقط، أقل من جرمه بالقتل وأخذ المال، ومن ثم فوجب أن تكون العقوبة هنا أخفَّ، وهي القتل من غير صلب.

أما فقهاء المالكية، فهم يختلفون عن الجمهور في مقتضيات الحرابة من حيث درجة الحد على قاطع الطريق؛ ولذلك فهم دائمًا وأبدًا يعتبرون الإمام مخولًا باجتهاد ما يراه مناسبًا من عقاب رادع، حتى ولو كان ذلك بقتله وقطعه، أو بقتله وصلبه، أو بقتله من غير صلب، ما دام يراد بذلك مصلحة المسلمين.

الحال الثالث: أن تكون الجناية بأخذ المال من غير قتل، والعقوبة هنا أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، وهو معنى قوله تعالى: { مِنْ خِلَافٍ } [المائدة: 33] والقصد من القطع: { مِنْ خِلَافٍ} ما فيه من رفق بالمقطوع، فلو قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، لَمَا استطاع أن يمشي أو يقف، وفي ذلك من العنت والشدة ما فيه، وفوق ذلك فإن الجاني بأخذ المال عليه إعادة ما أخذ إلى صاحبه؛ لأنه بجنايته يكون ضامنًا، وللمالكية أيضًا رأي آخر في هذه الحال الثالثة، حيث يقولون: أن الإمام مخير بين قتله، أو صلبه، أو قطعه، أو نفيه.

الحال الرابع: أن تكون الجناية بمجرد التخويف ونشر الذعر في طريق المسلمين من غير قتل ولا أخذ لمال، وهنا تكون عقوبة المحاربين النفي من الأرض؛ امتثالًا لقول الله تعالى: { أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33]، وبذلك فجزاؤهم النفي من الأرض، وهو أن يشردوا عن الأمصار والبُلدان، فلا يُترَكون يأوون إلى بلد ما، وقيل: ينفَى المحارب من بلد إلى بلد آخر كالزاني غير المحصن.

لكن الفقهاء لهم في النفي من الأرض كلام، حيث هناك من يرى: أن النفي يقصد به أن يشرَّدوا عن الأمصار والبلدان، بحيث لا يترك في بلد بعينه، بينما هناك من يرى: أن النفي الوارد في الآية يتحقق بنفيه من بلده إلى بلد آخر، كما هو الشأن في حق الزاني غير المحصن.

ومع ذلك، وأن هذه العقوبة واردة في قول الله تعالى: { أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ}، فقد قال فقهاء الحنفية، والشافعية: إن جزاءه التعزير والحبس، وذلك يقرره السلطان حسب ما يرى؛ وذلك لأن القاطع قد تعرض للدخول في معصية عظيمة، فوجب تعزيره كالذي تعرض للسرقة بالنقب قبل أن يسرق، أو الذي يتعرض للزنا بالتقبيل دون أن يقع منه الزنا، فإنه يعزر.

الحال الخامس: التوبة من المحاربين قبل الاقتدار عليهم:

وهنا نقول: فإن تاب هؤلاء قبل أن يقدِرَ عليهم السلطان، فقد سقطت عنهم حقوق الله -تبارك وتعالى- وبقيت في ذمتهم حقوقُ الآدميين من الأنفس بالقصاص، ومن الأموال بتضمينها واستردادها، ومن الجراح بالقصاص إن أمكن، أو الأروش عند عدم الإمكان، وذلك إن أصر أصحاب الحقوق على أخذها، إما إن عفوا فقد سقطت عنهم، هذا مع العلم بأن حقوق الله هي القتل، والصلب، والقطعُ من خلاف، والنفي، فإنها جميعها تسقط عند التوبة قبل الاقتدار عليهم؛ وذلك بقول الله تعالى: { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، أما إن تابوا بعد اقتدار السلطان عليهم، فلم يسقط عنهم شيء من الحدود المفروضة؛ لظاهر قول الله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ}، وذلك ما اتفقت عليه كلمة الفقهاء بلا خلاف من أحد.

ووجه هذا: أن التوبة من المحارب قبل الاقتدار عليه تَحمل دلالةً ظاهرةً على صدقه وإخلاصه، لكنها إن كانت بعد الاقتدار عليه فإنه يحتمَل بذلك أن تكون هذه التوبة غير صادقة، بل جاءت اصطناعًا وعلى سبيل التقية من إقامة الحد.

error: النص محمي !!