Top
Image Alt

أخبار الآحاد المحتفّة بالقرائن

  /  أخبار الآحاد المحتفّة بالقرائن

أخبار الآحاد المحتفّة بالقرائن

سبق أن ذكرنا أن الأحاديث الصحيحة ليست في درجة واحدة من الصّحّة، بل هي في درجات متفاوتة، وذلك إنما يرجع إلى مدى تمكّن الحديث الصحيح من شروط الصّحّة، ومن أخبار الآحاد الصحيحة التي تميّزت بما جعلها متميزة على غيرها من الأحاديث الصحيحة التي لم يتوفّر لها ما توفّر لهذه الأنواع ما يأتي:

أنواع خبر الآحاد المحتفّ بالقرائن:

أولًا: ما أخرجه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما، مما لم يبلغ حدّ التواتر، فإنه احتفّت به قرائن منها:

  • جلالة الإمام البخاري، والإمام مسلم في الحديث وعلومه.
  • تقدّم الإمام البخاري والإمام مسلم في تمييز الحديث الصحيح من غير الصحيح على غيرهما من الأئمة.
  • تلقي علماء المسلمين لـ”صحيح الإمام البخاري”، و”صحيح الإمام مسلم” بالقبول. وهذا التلقّي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرّد كثرة الطرق القاصرة عن درجة التواتر.

ثانيًا: الحديث المشهور إذا كانت له طُرُقٌ متباينة سالمة من ضعف الرواة والعلل.

ثالثًا: الحديث المسلسل بالأئمة الحُفَّاظ المتقنين؛ حيث لا يكون غريبًا، كحديث يرويه الإمام البخاري، ويشاركه فيه غيره عن الإمام أحمد بن حنبل، ويشاركُ الإمام أحمد في رواية ذلك الحديث غيره عن الإمام الشافعي، ويُشارك الإمام الشافعي في رواية ذلك الحديث غيرُه عن الإمام مالك، ويُشارك الإمام مالك في رواية ذلك الحديث غيرُه عن الإمام نافع، ويشارك الإمام نافع في رواية ذلك الحديث غيرُه عن ابن عمر، ويشارك ابن عمر في رواية ذلك الحديث غيرُه عن النبي  صلى الله عليه وسلم .

ملحوظة مهمَّة:

سبق أن ذكرنا أن أحاديث الصحيحين للإمامين البخاري ومسلم من أنواع الخبر المحتفّ بالقرائن، ولكن هل كل الأحاديث التي أخرجها الإمام البخاري والإمام مسلم في صحيحيهما تدخل في هذا الباب؟ ليست كل أحاديث الصحيحين تُفيد ما يُفيده الخبر المحتفّ بالقرائن، فيستثنى من أحاديث الصحيحين نوعين من الأحاديث.

النوع الأول: الأحاديث المنتَقَدَة عليهما؛ فلقد انتقد بعض العلماء أحاديث في الصحيحين، وبغض النظر عن كون هذه الانتقادات في محلّها أم لا فإن هذه الأحاديث المنتقدة عليهما لا تدخل في هذا الباب؛ لأن من وجوه قوّة أحاديث الصحيحين وتقديمهما على غيرهما عند التعارض تلقّي علماء المسلمين للصحيحين بالقبول، وهذه الأحاديث التي انْتُقِدَتْ عليهما من بعض الحفّاظ لم تحظَ بهذا التلقّي، ولأن ما سَلِمَ من النقد أقوى مما انتقد، ولو لم تكن هذه الانتقادات في محلّها.

النوع الثاني: الأحاديث التي وقع التناقض بين مدلوليها، ولم يمكن الترجيح بينها؛ لاستحالة أن يُفيد المتناقضان العلمَ بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر.

فهذان النوعان من أحاديث الصحيحين لا يدخلان في باب الخبر المحتفّ بالقرائن.

ما الذي يُفيده الخبر المحتفّ بالقرائن؟

اختلف العلماء حول الذي يُفيده خبر الآحاد المحتفّ بالقرائن، هل يفيد العلم النظري؟ أم يفيد الظن الراجح؟

وهذا خلاف لفظي أو شكلي، لا تترتّب عليه أدنى فائدة، وذلك لأن خبر الآحاد الذي توفّرت فيه شروط القبول يجب العمل به، بغض النظر عن كونه يُفيد العلم أو الظّنّ الراجح.

فلقد تواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لا حجّة لقول أحد من البشر مع قوله أو عمله- أنه صلى الله عليه وسلم عمل بخبر الواحد، كما تواتر ذلك أيضًا عن الصحابة والتابعين، ومن جاء بعدهم أنهم عملوا بخبر الواحد في وقائع لا تكاد تُحصى.

فالعمل بخبر الواحد من المعلوم من الدين بالضرورة، فلا يجوز لمسلم أن يردّ خبر الواحد؛ لأنه خبر آحاد بحال من الأحوال، وإذا كان الأئمة من الصحابة وغيرهم قد ردّوا بعض أخبار الآحاد أو توقّفوا في بعضها- فإنما ردّوها ولم يعملوا بها أو توقّفوا فيها، لا لأنها أخبار آحاد؛ بل لأسباب أخرى، كما سبق. والله أعلم.

error: النص محمي !!