Top
Image Alt

أخذ الميثاق على بني إسرائيل بوجوب عبادة الله وحده، ووجوب الإحسان إلى الوالدين والقربى، والقيام بالتكاليف الشرعية

  /  أخذ الميثاق على بني إسرائيل بوجوب عبادة الله وحده، ووجوب الإحسان إلى الوالدين والقربى، والقيام بالتكاليف الشرعية

أخذ الميثاق على بني إسرائيل بوجوب عبادة الله وحده، ووجوب الإحسان إلى الوالدين والقربى، والقيام بالتكاليف الشرعية

أولًا: أخذُ الميثاقِ على بَني إسرائيلَ، بوجُوبِ عبادَةِ اللَّهَ وَحْدَهُ دونَ سِواهُ:

الآثار: عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ}، قال: “أي: ميثاقكم”.

وعن أبي العالية، في قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ}، قال: “أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له، وأن لا يعبدوا غيره”.

وعن قتادة، في قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ}، قال: “ميثاق أخَذه الله على بني إسرائيل، فاسمعوا على ما أخذ ميثاق القوم: {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}”.

أقوال المفسِّرين:

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ}: شروع في تعداد بعض آخر من قبائح أسلاف اليهود، ممّا ينادي باستبعاد إيمان أخلافهم، وقيل: إنه نوع آخر مِن النِّعم التي خصّهم الله تعالى بها؛ وذلك لأن التكليف بهذه الأشياء، موصِل إلى أعظم النِّعم؛ وهي الجنة، والموصِل إلى النِّعمة نِعمة.

فيُذكِّر -تبارك وتعالى- بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر، وأخذه ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولّوا عن ذلك كلّه، وأعرضوا قصدًا وعمدًا، وهم يعرفونه ويذكرونه.

قوله تعالى: {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاّ اللّهَ}، قال الزمخشري: “خبر بمعنى: الطلب؛ وهو آكد”.

وقيل: كان أصله: “أن لا تعبدوا إلا الله”، كما قرأها مَن قرأها مِن السلف، فحُذفت: “أن”، فارتفع.

ثانيًا: وجوبُ الإحسانِ إلى الوالدينِ، وذي القُرْبَى، واليتَامَى، والمَساكينِ، والقيامِ بالتكاليفِ الشرعيةِ:

الآثار: عن قتادة، في قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ}، قال: “ميثاق أخَذه الله على بني إسرائيل، فاسمعوا على ما أخذ ميثاق القوم: {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}”.

وعن ابن عباس، في قوله: {وَقُولُواْ لِلنّاسِ حُسْناً}، قال: “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ أمرهم أن يأمروا بلا إله إلا الله مَن لمْ يقُلها”.

وعن علي بن أبي طالب، في قوله: {وَقُولُواْ لِلنّاسِ حُسْناً}، قال: “يعني: الناس كلّهم”.

وعن عطاء، وأبي جعفر، في قوله: {وَقُولُواْ لِلنّاسِ حُسْناً}، قالا: “للناس كلّهم”.

وعن أسد بن وداعة: “أنه كان يخرج من منزله، فلا يلقى يهوديًّا ولا نصرانيًّا إلا سلّم عليه، فقيل له: ما شأنك؟ تُسلم على اليهودي والنصراني؟! فقال: إن الله يقول: {وَقُولُواْ لِلنّاسِ حُسْناً}، وهو:السلام”.

قال ابن كثير -بعد أن وصف هذا القول بالغرابة-: “وقد ثبتت السنة، أنهم لا يُبْدَءون بالسلام -والله أعلم”.

قلت: وهو كما قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا يُبدأ أهل الكتاب بالسلام، وقال: ((وإذا لقيتموهم في طريق، فاضطرّوهم إلى أضيَقه))؛ وما ذلك إلا إظهارًا لإذلالهم، كما قال تعالى: {حَتّىَ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29].

وعن ابن عباس، في قوله: {ثُمّ تَوَلّيْتُمْ}، “أي: تركتم ذلك كلّه”.

أقوال المفسِّرين:

قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمّةٍ رّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطّاغُوتَ}؛ وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله تبارك وتعالى، أن يُعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حقّ المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك: حقّ الوالديْن؛ ولهذا يقرن الله تعالى كثيرًا بين حقّه وحقّ الوالدين، كما قال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيّ الْمَصِيرُ}، وقال تعالى: {وَقَضَىَ رَبّكَ أَلاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}، إلى أن قال: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَىَ حَقّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السّبِيلِ}.

وفي الصحيحين، عن ابن مسعود: قلت: ((يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أيّ؟ قال: برّ الوالدين، قلت: ثم أيّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله)).

ولهذا جاء في الحديث الصحيح: أنّ رجلًا قال: ((يا رسول الله، مَن أَبَرُّ؟ قال: أمّك، قال: ثم من؟ قال: أمّك، قال: ثم من؟ قال: أباك، ثم أدناك أدناك)).

قال: {وَالْيَتَامَىَ}: وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء.

{وَالْمَسَاكِينِ}: الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم.

وقد دلّت الآية، على الحث على برّ الوالدين وإكرامهما، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة؛ وناهيك احتفالًا بهما أن الله -عز اسمه- قرن ذلك بعبادته.

وقد جاء هذا الترتيب؛ اعتناء بالأوكد فالأوكد؛ فبدأ {وَبِالْوَالِدَيْنِ} إذ لا يخفى تقدّمهما على كلّ أحد في الإحسان إليهما، ثم بـ{وَبِذِي الْقُرْبَىَ} لأنّ صلة الأرحام مؤكّدة، ولمشاركة الوالدين في القرابة وكونهما منشأ لها؛ وقد ورد في الأثر: “إن الله تعالى خاطب الرّحِم، فقال: أنتِ الرحم، وأنا الرحمن، أصِلُ مَن وصَلكِ، وأقْطعُ مَن قطَعَك”، ثم بـ{وَالْيَتَامَىَ} لأنهم لا قدرة لهم تامة على الاكتساب؛ وقد جاء: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتيْن))، وأشار صلى الله عليه وسلم إلى السبابة والوسطى.

وتأخّرت درجة {وَالْمَسَاكِينِ}؛ لأن المسكين يُمكنه أن يتعهّد نفسه بالاستخدام، ويصلح معيشته مهما أمكن، بخلاف اليتيم، فإنه لِصغره لا يُنتفع به، ويحتاج إلى من ينفعُه.

وأُفرد {وَبِذِي الْقُرْبَىَ} -كما في (البحر)- لأنه أُريد به الجنس، ولأن إضافته إلى المصدر يندرج فيه كل ذي قرابة؛ وكأن فيه إشارة إلى أنّ ذوي القربى وإن كثروا، كشيء واحد لا ينبغي أن يُضجر من الإحسان إليهم.

وقوله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنّاسِ حُسْناً}، قرأ بعضهم: {حُسْناً} ، أي: قولًا حسَنًا. وقرأ آخرون: “حسنى”، مثل: فُعْلَى، وأنكرها على الأخفش، جماعة، وقالوا: لا يُستعمل ذلك إلا بالألف واللام، مثل: الكُبْرَى، والحُسْنى، والعظمى، وعزوْه إلى سيبويه، نقله القرطبي.

أي: كلِّموهم طيّبًا، وَلينُوا لهم جانبًا، ويدخل في ذلك: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بالمعروف، كما قال الحسن البصري، في قوله: {وَقُولُواْ لِلنّاسِ حُسْناً}: “فالحُسن من القول: يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويحلم، ويعفو، ويصفح، ويقول للناس حُسنًا كما قال الله، وهو كلّ خلُق حسَن رضِيَه الله”.

{وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ}، أراد –سبحانه- بهما: ما فُرض عليهم في ملّتهم، لأنه حكاية لما وقع في زمان موسى عليه السلام. وكانت زكاة أموالهم كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قربانًا تهبط إليها نار فتحملها، وكان ذلك علامة القبول، وما لا تفعل النار به كذلك كان غير متقبَّل.

{ثُمّ تَوَلّيْتُمْ}، أي: أعرضتم عن الميثاق ورفضتموه، و{ثُمّ} للاستبعاد، أو لحقيقة التراخي؛ فيكون توبيخًا لهم بالارتداد بعد الانقياد مدة مديدة، وهو أشنع من العصيان من الأول. {وَأَنْتُمْ مّعْرِضُونَ}: جملة معترضة، أي: وأنتم قوم عادتُكم الإعراض والتولي عن المواثيق. ويُؤخذ كونه عادتهم مِن الاسمية الدالة على الثبوت، وقيل: حال مؤكِّدة، والتولِّي والإعراض شيء واحد، وفرّق بعضهم بين التولّي والإعراض؛ بأنّ الأول قد يكون لحاجة تدعو إلى الانصراف مع ثبوت العقد، والإعراض هو: الانصراف عن الشيء بالقلب. 

error: النص محمي !!