Top
Image Alt

أخلاق القاضي وآدابه في نفسه

  /  أخلاق القاضي وآدابه في نفسه

أخلاق القاضي وآدابه في نفسه

القاضي بشر من البشر؛ لكنه ليس إنسانًا عاديًّا، بل هو الحاكم بين الناس، ولفظ الحاكم عندما كان يُطلق ينصرف -بادئ ذي بدء- إلى القاضي، فهذا القاضي له في نفسه آداب ينبغي أن يلتزم بها أولًا.

وأول ما ينبغي أن يلتزم به: أن يُعالج باطنه ونيته وتوجهه، فيجتهد في صلاح حاله، ويحمل نفسه على الالتزام بأدب الشرع فيما بينه وبين الله، ويحمل نفسه على المروءة وعلوّ الهمة، ويتوقى ما يشينه في دينه ومروءته وعقله، فإنه لأهلٌ أن ينظر إليه ويقتدى به، وليس يسعه في ذلك ما يسع غيره؛ لأنه ليس إنسانًا عاديًّا من جملة الناس، وإنما هو إنسان متميز، محطّ أنظار الناس وموضع نظرهم، والاقتداء منهم به.

ولا ينبغي له بعد توليه هذا المنصب -منصب القضاء- أن تفتر همته في الحصول على النصيب الأوفر من الإخلاص, بمعنى: أن عليه أن يزداد إخلاصه بعد أن يتولَّى هذا المنصب؛ سواء كان هذا المنصب هو الذي سعى إليه، أو أن المنصب هو الذي سعى إلى القاضي، أي: سواء هو الذي طلب أن يكون قاضيًا، أو طُلب ليكون قاضيًا، فابتلي بهذا المنصب… في كل الأحوال ينبغي ألا يزيده هذا المنصب إلا إخلاصًا لله, وتواضعًا له.

فإنه بعد أن يتولَّى هذا المنصب, قد يحمله على الاستهانة بأهميته أن ييأس من استصلاح مجتمعه، واستبعاد ما يرجو من علاج أمر أهله -أهل هذا المجتمع- لما يرى فيه من عموم الفساد، أي: قد توسوس له نفسه أنه لا فائدة من محاولة إصلاح مجتمعه، فإن الفساد قد عمَّ، لكن هو عليه ألا ييأس من ذلك، وأن يستمر، ويزداد إخلاصًا في عمله، ومحاولة لإصلاح ما فسد في مجتمعه من خلال هذا المنصب المهمِّ جدًّا، وهو منصب القضاء؛ فإن القضاء إذا صلح صلحت أمور كثيرة في الأمة, بل صلحت كل أمور الأمة.

فإذا لم يسع القاضي في ذلك -أي: في استصلاح أهل عصره- فقد أسلم نفسه، واستسلم وألقى بيده إلى التهلكة.

كما أن عليه ألا يجعل حظَّه من الولاية بيت القضاء، كما يحدث من بعض القضاة من المباهاة بالرياسة وإنفاذ الأمر، والانغماس في الترف, والتنعم بالمطاعم والمساكن والمراكب والمناكح؛ لأنه إذا شُغل بهذا وانغمس فيه؛ فسد حاله -والعياذ بالله- بل يسير في حياته وتطلعاته إلى ما كان يسير عليه قبل أن يتولى هذا المنصب؛ فعليه أن يستمر في إخلاصه وفي رغبته في إصلاح ما فسد في مجتمعه، وأن يكون متوسطًا، كما هو حال عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67].

إذا كان ما سبق في الأمور الباطنة، فما يأتي هو ما ينبغي أن يكون عليه مظهر القاضي:

فعليه أن يبذل قُصارى جهده، ويجتهد في أن يكون جميل الهيئة, ظاهر الأُبَّهة، وقور المشية والجلسة، حسن المنطق والصمت، أي: يحاول أن يكون بقدر المستطاع مظهره مطابقًا لمخبره، فيلتزم حسن المنطق مع التفكير والنطق والصمت أيضًا، ويحترز أو يمتنع في كلامه عن الفضول، أي: ما لا فائدة فيه من الكلام؛ من المزاح والنكات، وما إلى ذلك مما يضيّع هيبة القاضي، فيلتزم بما فيه حاجة من كلامه، وإلا صمت؛ انطلاقًا من قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر, فليقل خيرًا أو ليصمت)).

كما أوصى العلماء القاضي بألا يستعمل الإشارة بيده عند التكلم؛ لأن استعمال الإشارة بيده هو شأن المتكلفين، وأن يكون ضحكه تبسمًا كما كان النبي صلى الله عليه وسلم , وأن يكون تفكيره في التدبر، تدبر القضايا التي تعرض عليه، وتدبر أحوال الناس أيضًا. كما أنه ينبغي أن يكون دائمًا حسن الزي، وليلبس ما يليق به من الثياب، وليلزم من السمت الحسن والسكينة والوقار، والبعد عما يشينه؛ حتى تميل الهمم إليه، ويكبر في نفوس الخصوم الجرأة عليه، وهذا كله من غير كبر يظهره ولا إعجاب يستشعره، أي: يكون إنسانًا متواضعًا، لكن مع الوقار والسكينة؛ بحيث إن الخصوم لا يطمعون فيه، ولا يستهترون به، ولا يتجرءون عليه؛ فيكون عاليًا وقريبًا في نفس الوقت، كما قال الشاعر -كأنه يمدح القاضي المثالي-:

دانٍ على أيدي العفاة وبعيد

*عن كل ندٍّ في الندى وضريب

كالبدر أفرط في العلو وضوءه

*إلى العصبة السارين جدّ قريب

أي: يكون بعيد الهمة؛ لكن مع التواضع وعدم العجب والفخر في نفسه والكبر، فإن الكبر ليس من أخلاق العلماء.

ويلزمه أيضًا ألا يقبل الهدية حتى وإن كافأ عليها أضعافها، إلا من خواص قرابته؛ لأن الهدية تُطفئ نور الحكمة، وهي ذريعة الرشوة، أي: في البداية تكون الأمور هدية، ثم تتحول إلى رشوة؛ ولذلك بعض الناس يُحاولون الوصول إلى ذلك، فيُزيّنون للقضاة ولغيرهم فيقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم قَبِل الهدية.

وللردّ عليهم نقول: إنها كانت للنبي صلى الله عليه وسلم هدية؛ تقربًا إلى الله سبحانه وتعالى ، وكانت عبادة؛ لأن الدافع لها هو حبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما الهدايا إلى غيره، خصوصًا القضاة ومن يشبههم من السلاطين، وجباة الأموال، وعمال الدولة فليست هدية؛ إنما هي رشوة أو ذريعة إلى رشوة.

فالقاضي لا يقبل الهدية من أحد، إلا من خواص قرابته, أي: من الأقارب جدًّا كابنه، أو أبيه، أو من المقربين إليه من أهله وذوي رحمه، وقال بعض الفقهاء في هذا الصدد: ينبغي ألا يقبل الهدية إلا من الصديق الذي كانت بينه وبين القاضي مجاملات قبل تولِّي هذا المنصب، ولا مصلحة لهذا القريب، ولا خصومة بينه وبين أحد؛ حتى لا يكون توليه للمنصب سببًا لانقطاعه عن أصدقائه الأخيار، وأصحابه الأبرار.

فإذا كان الأمر كذلك, يرى بعض فقهاء المالكية أن له أن يقبلها وأن يثيب عليها، وقال بعضهم: يقبلها من الصديق الذي لا خصومة له ويكافئه عليها؛ لكن لم يختلف العلماء في كراهية الهدية إلى السلطان، وإلى القضاة، والعمال، أي: موظفي الدولة، وجباة الأموال، أي: مأموري الضرائب، فهؤلاء كره العلماء لهم أن يقبلوا الهدية، وكرهوا أيضًا تقديم الهدية إليهم.

كما يلزمه في ذلك ألا يحضر الولائم إلا وليمة العرس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن وليمة العرس: ((إذا دعاك أخوك فأجبه))، فيحضر وليمة العرس، ويستحب ألا يأكل من طعامها شيئًا. وقال بعض فقهاء المالكية: يحضر ويقبل الولائم العامة، لا الخاصة, أي: الولائم والدعوات التي توجَّه إلى جمهور الناس، أو جمهور أهل البلد، أو المنطقة، فله أن يقبل ذلك؛ لكن إذا كانت الدعوة من أجله خصيصًا، أو شعر بذلك؛ فعليه أن يرفضها تمامًا؛ لأنها في هذه الحالة لن تكون إلا ذريعة لأمر يُراد انزلاق القاضي إليه.

كما أن عليه أن يكون عفيفًا مكتفيًا بما عنده، ويتنزَّه عن طلب الحوائج من غيره؛ من معونة، أو دابة، أو سيارة، أو عارية، أو يشارك في بعض الأعمال التجارية كالقراض، فإن هذه الأمور كلها تُقلِّل من هيبته، وتؤثر على قضائه، وقد تكون سُبُلًا لوصول بعض أصحاب الأغراض إليه.

كما أن العلماء كرهوا للقاضي البيع والابتياع, أي: لا يبيع شيئًا ولا يشتري شيئًا لنفسه، وإذا اشترى شيئًا لا يردُّه، أو باع شيئًا لا يستردّه؛ بل أوصوا أن يكون للقاضي وكيلٌ في ذلك يقوم نيابة عنه بشراء ما يحتاج إليه القاضي، على أن يكون هذا الوكيل غير معروف للناس حتى لا يُجامله الناس؛ لأنه وكيل للقاضي، فكأنهم في الواقع إنما يُجاملون القاضي.

لكن له حضور الجنازات؛ لأن حضور الجنازات حق من حقوق الميت المسلم، فيحضر الجنازات ويمشي فيها، ويعود المرضى في بيوتهم أو في أماكن تمريضهم كالعيادات، والمستشفيات، وما إلى ذلك، ويزور أقاربه من ذوي الأرحام, فلا بأس بذلك كله.

إذًا: القاضي له آداب في نفسه -أي: آداب باطنة بينه وبين الله- قد لا يطلع عليها أحد كالإخلاص، وتوجيه النية للإصلاح، وله آداب في ذاته؛ في شكله، في ملابسه، في زيّه، في معاملاته…. هذه كلها بعض الآداب, التي ينبغي أن يتأدَّب بها القاضي في نفسه.

error: النص محمي !!