Top
Image Alt

أدلة اعتبار العرف شرعًا، وشروط العمل به

  /  أدلة اعتبار العرف شرعًا، وشروط العمل به

أدلة اعتبار العرف شرعًا، وشروط العمل به

الأدلة على اعتبار العرف في الشرع كثيرة؛ منها آيات كثيرة في القرآن الكريم ارتبط الحكم الشرعي فيها بالعرف الصالح، كما في تقدير النفقة للمرأة المطلقة ونفقة المرضع في مثل قوله تعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنّ وَكِسْوَتُهُنّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233]، وقوله: {وَلِلْمُطَلّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتّقِينَ} [البقرة: 241]، فالمعروف هو المحكم في تحديد النفقة والمتعة للمرأة المطلقة في ضوء حال الزوج يسارًا وإعسارًا، وفي ضوء أيضًا مستوى الأسعار غلاءً ورخصًا؛ ولذلك قال الله عز وجل مثلًا: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمّآ آتَاهُ اللّهُ} [الطلاق: 7], حيث أرجع التشريع الحكيم تقدير النفقة -نفقة المرضع- إلى العرف غنًى وفقرًا.

قال ابن العربي عند بيان أحكام هذه الآية: تقدير الإنفاق قد بيّنّا ليس له تقدير شرعي؛ وإنما أحاله الله سبحانه على العادة، وهي دليل أصولي بنى الله عليه الأحكام وربط به الحلال والحرام، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف))، فكأن السنة المطهرة أيضًا فيها نصوص أخرى تؤكّد هذا التوجيه القرآني بخصوص العرف.

إذًا: قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند زوج أبي سفيان: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)), أحال فيه صلى الله عليه وسلم في نفقة الزوج والولد على العرف؛ ولذلك قال الحافظ ابن حجر: فيه اعتماد على العرف في الأمور التي لا تحديد فيها من قبل الشارع، والحديث الذي رُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه: “ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن”، سواء كان حديثًا مرفوعًا أم كان أثرًا من كلام ابن مسعود؛ فهو على أيّة حال يلتقي مع كثير من النصوص، التي تدل على جواز القول بالاستحسان والرضا به.

ومن أدلتهم كذلك: أن العرف العام يتضمن الإجماع، فالإجماع خاص بأهل الاجتهاد، والعرف يدخل فيه أهل الاجتهاد وغيرهم، ويكون الفرق بين العرف والإجماع من ناحية أن العرف يتحقق بأغلب الناس, والإجماع لا يتحقق إلا باتفاق جميع المجتهدين، كما أن الإجماع قاصر على المجتهدين فقط أو على أهل الحل والعقد، أما العرف فيكون منهم ومن العامة أيضًا, وأخيرًا فإن حجية العرف قاصرة على من تعارفوا عليه، أما الإجماع فيكون حجة على الناس جميعًا إذا تحقق.

ومن جهة أخرى قالوا: إن نزع الناس عن أعرافهم وعاداتهم فيه حرج عظيم، والحرج منتفٍ في الشريعة؛ للأدلة الدالة على ذلك مثل قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، ومعارضة المتعارف عليه دون ضرورة مخالفته لنص أو حكم مُجمع عليه, فيه تضييق على الناس وإحراجهم.

وأخيرًا قالوا: إن الشريعة أتت بإلغاء بعض الأعراف الفاسدة، وأتتْ بأعراف جديدة تتضمن مصالح، وأبقت على أعراف فيها خير وتيسير على الناس، لا سيما في أبواب المعاملات من بيع ورهان وإجارة وسلم وإحياء الموات، وغير ذلك؛ بل إن الفقهاء اعتمدوا على العرف في مسائل كثيرة في العبادات والعقوبات وأحكام الأسرة مثل: الأفعال المنافية للصلاة، وقوت البلد في الزكاة، والأموال الربوية كيلًا أو وزنًا، وأقل سن البلوغ، وقدر الحيض والنفاس، وحرز المال المسروق، والدية على العاقلة، وضمان المتلفات، ونحو هذا كثير جدًّا مما لاحظه التشريع الإسلامي في ربط الأحكام العرفية بعادات الناس وأعرافهم -كما رأينا.

لذلك يقول الشيخ عبد الرحمن تاج في أدلة اعتباره, بعد أن بين معنى العرف وأقسامه: لقد رعاه من قديم فقهاء الإسلام وحكموا بمقتضاه، ووضعوا لذلك كلمات جرت مجرى المبادئ العامة والقواعد الكلية، وذكروا منها قولهم: العادة محكمة، والثابت بالعرف كالثابت بالنص، ثم قال: ومن أجل اعتبار العرف أجاز الفقهاء الأقدمون الاستصناع على خلاف ما تقضي به القواعد العامة، التي لا تجيز بيع المعدوم لما رأوا ذلك جاريًا في العادة، وغير مفضٍ في الغالب إلى النزاع بين المتعاقدين، وأجازوا لذلك أيضًا دخول الحمام والشرب من السقاء نظير ثمن معلوم مع جهالة المبيع، وتفاوت الناس فيما يستهلكونه من الماء كالشرب والاستحمام، ومن أجل مراعاة العرف نجد كثيرًا من متأخري الفقهاء يخالفون أئمتهم المتقدمين في بعض ما حكموا فيه من فروع؛ فيفتون بجواز الاستئجار على تعليم القرآن، وعلى الإمامة والأذان؛ على خلاف ما كان يراه المتقدمون من أن هذه طاعات وعبادات, لا يجوز الاستئجار عليها كسائر الطاعات والعبادات.

رأى المتأخرون أن الزمن قد تأخر وأصبح للناس عرف حادث، ونظام للدولة جديد انقطع به ما كان مخصصًا لمعلمي القرآن، وللأئمة وغيرهم من العطاء في بيت المال، فإذا لم يجز هذا النظام الحديث؛ لتعطلت هذه الشئون الدينية العظيمة بسبب شغل من هم أهل لها لضروب الكسب، وما تتطلبه المعيشة، ومن ذلك قطع المتأخرين بمنع النساء من الخروج لصلاة الجماعة في المساجد، على خلاف ما كان معهودًا في صدر الإسلام لمَّا رأوا من فساد الزمان، وتبدل العادات الصالحة بعادات أخرى فاسدة، فهذا كله وما شاكله قضاء باعتبار العرف والعادة، وإرشاد إلى وجوب مداراتهما بأحكام الشريعة.

وقد نبَّه القرافي إلى وجوب مراعاة العرف في الفتيا والحكم، وأورد جملة من ألفاظ الطلاق كقول الرجل لامرأته: خلية، برية، بتة, حبلك على غاربك، وعرض لاختلاف العلماء فيما يقع بها من الطلاق، وذكر كذلك لفظ حرام الذي كان لا يزال معروفًا في التطليق في عهده، واشتهر في أصل إزالة العصمة، وقال: إنه يجب الحكم فيه بطلقة واحدة، ولا يصح الحكم فيه بوقوع الثلاثة إلا إذا كان عرف أهل البلد قد جرى بذلك، ثم قال: وإياك أن تقول: إنا لا نفهم من الطلاق الثلاث؛ لأن مالكًا رحمه الله قاله, أو لأنه مستور في كتب الفقه؛ لأن ذلك غلط, بل لا بد أن يكون ذلك الفهم حاصلًا لك من جهة الاستعمال والعادة، كما يحصل لسائر العوام، وقال أيضًا: إذا تقرر ذلك فيجب علينا أمور:

الأول: أن نعتقد أن مالكًا, أو غيره من العلماء إنما أفتى في هذه الألفاظ بهذه الأحكام؛ لأن زمانهم كان فيه عوائد اقتضت نقل هذه الألفاظ والمعاني التي أفتوا بها فيها.

الثاني: أنا إذا وجدنا زماننا عليًّا عن ذلك, وجب علينا ألا نفتي بتلك الأحكام في هذه الألفاظ؛ لأن انتقال العوائد يوجب انتقال الأحكام، كما نقول في النقود وفي غيرها، فإنا نفتي في زمان معين بأن المشتري تلزمه سكة معينة من النقود عند الإطلاق، أي: عملة معينة من النقود عند الإطلاق؛ لأن تلك السكة هي التي جرت العادة بالمعاملة بها في ذلك الزمان، فإذا وجدنا بلدًا آخر وزمانًا آخر يقع التعامل فيه بغير تلك السكة, أي: العملة؛ تغيرت الفتيا إلى السكة الثانية، وحرمت الفتيا بالأولى لأجل تغير العادة، وكذلك القول في نفقات الزوجات والذرية والأقارب، وقبض الصداق عند الدخول أو قبله أو بعده، يُفتى في ذلك لكل أهل بلد بما تجري به عاداتهم، ومن أفتى بغير ذلك كان خارقًا للإجماع، فإن الفتيا بغير مستند مجمع على تحريمها، وإجماع المسلمين على أنه إذا تغيَّرت العادة تغير الحكم، وحرمت الفتيا بحكم الأول؛ وعلى هذا يجب على المفتي في ألفاظ الطلاق، وما ماثلها مما يختلف فيه عرف الناس وعاداتهم أن يكون عليمًا بعرف بلد المستفتي، أو يسأل عنه إن جهله, ولا يصح تحكيم عرف بلد المفتي نفسه، ومثله الحاكم في جميع ذلك.

هذا, ويشهد لاعتبار العرف فوق ما تقدم ما صح من الآثار والسنن، ومن ذلك: ما أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود موقوفًا من قوله: “ما رآه المسلمون حسنًا, فهو عند الله حسن”، وأيضًا حديث هند الذي سبق ذكره، وسواء أكان هذا قضاء أم فتيا؛ فقد أباح لها الرسول صلى الله عليه وسلم أن تأخذ من مال زوجها، ولو لم يأذن لها ما جرى العرف بمثله، وما ألفه الناس في هذا الباب، ويقول المفسرون في قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199]: إن معناه: الأمر بما هو معروف للناس, مما لا يردّه الشرع الحكيم.

أما بخصوص شروط العمل بالعرف، فلكي يحصل العرف لبناء الحكم الشرعي ذكر الفقهاء مجموعة من الشروط، نذكر منها ما يلي:

1- ألا يصادم العرف نصًّا شرعيًّا من الكتاب أو السنة، فلو تعارفت بعض طبقات المجتمع على تقدم الخمور مثلًا في حفل الزواج؛ لم يلزم ذلك الزوج، ولم يجز أن يفعله؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وكذلك لو تعارفوا على تبرج المرأة وتكشّفها أمام الناس، أو على التعامل الربوي، أو تعاطي القمار أو الرشوة، أو غير هذا مما يندرج تحت الأعراف أو العادات المخالفة لنصوص الشريعة، وقواعدها العامة.

2- أن يكون العرف مطردًا أو غالبًا، فإن اختلفت العادات أو تغير العرف في أمر ما مثلًا، وكان الذين يفعلونه أقل أو مساوين لمن لا يفعلونه -فلا يلزم.

3- أن يكون سابقًا أو مقارنًا لزمن التعاقد أو للواقعة، فإن كان قبلها ثم زال لم يلزم، وكذلك لو لم يتكون العرف إلا بعدها، ومن ثم قالوا: إن عرف الواقف يُفسره زمنه لا زمن غيره.

4- ألا يعارضه تصريح بخلافه؛ لأن النص مقدمٌ على السكوت، فالمعروف كالمشروط ما لم يتفق العاقدان مثلًا على خلافه، فيعمل حينئذ بالاتفاق ولا يعمل بالعرف. وهناك شروط أخرى، أو تفصيلات أخرى لهذه الشروط كما في الموسوعة الفقهية الكويتية، وغير ذلك من المصادر.

error: النص محمي !!