Top
Image Alt

أدلة الإيمان بالرسل، وتعريف المعجزة والحكمة من ظهورها

  /  أدلة الإيمان بالرسل، وتعريف المعجزة والحكمة من ظهورها

أدلة الإيمان بالرسل، وتعريف المعجزة والحكمة من ظهورها

1-الأدلة من القرآن الكريم على وجوب الإيمان بالرسل -عليهم السلام-:

لمّا كان الإيمان بأنبياء الله تعالى ورسله ركنًا من أركان الإيمان الستة، التي لا يصحّ إيمان أحدٍ من الناس حتى يُؤمن بها، ويقرّ بها جميعًا -فإننا وَجَدْنَا القرآن الكريم قد اهتمّ ببيانِ هذا الأمر الواجب أتمّ بيان, ومن الآيات الكريمات التي تُبيّن وجوبَ الإيمان بالأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- ما يلي:

الآية الأولى: قول الله -تبارك وتعالى-: {قُولُوَاْ آمَنّا بِاللّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىَ وَعِيسَىَ وَمَا أُوتِيَ النّبِيّونَ مِن رّبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136].

قال الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية:

“أرشد الله تعالى عباده المؤمنين, إلى الإيمان بما أُنزل إليهم بواسطة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم مفصلًا، وما أُنزل على الأنبياء المتقدّمين مجملًا، ونصّ على أعيان من الرّسل وأجمل ذكر بقيّة الأنبياء، وألّا يفرّقوا بين أحد منهم، بل يُؤمنوا بهم كلهم، ولا يكونوا كمن قال الله فيهم: {وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (150) أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً} الآية [النساء: 150، 151].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل الله)).

وقال ابن أبي حاتم, عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((آمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل، وليسعكم القرآن))”. انتهى كلامه.

وقال البيضاوي -رحمه الله- في تفسيره:

” {قُولُوَاْ آمَنّا بِاللّهِ} الخطاب للمؤمنين؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ}. {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا} القرآن, قدّم ذكره لأنه أول بالإضافة إلينا، أو سبب للإيمان بغيره. {وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ} الصحف، وهي وإن نزلت إلى إبراهيم، لكنهم لما كانوا متعبّدين بتفاصيلها، داخلين تحت أحكامها؛ فهي أيضًا منزلة إليهم، كما أن القرآن منزّل إلينا. {وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىَ وَعِيسَىَ} التوراة والإنجيل أفردهما بالذكر بحكم أبلغ؛ لأن أمرهما بالإضافة إلى موسى وعيسى مغايرٌ لما سبق، والنزاع وقع فيهما. {وَمَا أُوتِيَ النّبِيّونَ} جملة المذكورين منهم وغير المذكورين. {مِن رّبّهِمْ} منزَّلًا عليهم من ربهم. {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ} كاليهود فنؤمن ببعض ونكفر ببعض، و”أحد” لوقوعه في سياق النفي عام, فساغ أن يضاف إليه “بين”. {وَنَحْنُ لَهُ} أي: لله, {مُسْلِمُونَ}: مذعنون، مخلصون” انتهى كلامه.

الآية الثانية: قول الله -تبارك وتعالى: {آمَنَ الرّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رّبّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].

قال الإمام ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تفسير هذه الآية:

“فقوله تعالى: {آمَنَ الرّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رّبّهِ} إخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. قال ابن جرير: حدثنا بشر: قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد عن قتادة قال: ذُكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمّا نزلت عليه هذه الآية: ((ويحق له أن يؤمن)).

وقد روى الحاكم في مستدركه قال: حدثنا أبو النضر الفقيه، قال: حدثنا معاذ بن نجدة القرشي، قال: حدثنا خلاد بن يحيى، قال: حدثنا أبو عقيل, عن يحيى بن أبي كثير, عن أنس بن مالك قال: لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم {آمَنَ الرّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رّبّهِ} قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((حق له أن يؤمن))، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.

وقوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ}: عطف على “الرسول”، ثم أخبر عن الجميع فقال: {كُلّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رّسُلِهِ}, فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد, فرد صمد، لا إله غيره ولا رب سواه، ويصدقون بجميع الأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض؛ بل الجميع عندهم صادقون بارّون راشدون مهديون، هادون إلى سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله، حتى نُسخ الجميع بشرع محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين, الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين، وقوله: {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} أي: سمعنا قولك يا ربنا، وفهمنا، وقمنا به، وامتثلنا العمل بمقتضاه” انتهى كلامه.

الآية الثالثة: قوله تعالى: {إِنّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (150) أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً} [النساء: 150، 151].

يقول الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: “يتوعّد -تبارك وتعالى- الكافرين به وبرسله من اليهود والنصارى؛ حيث فرّقوا بين الله ورسله في الإيمان، فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض بمجرد التشهي والعادة وما ألفوا عليه آباءهم, لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإنه لا سبيل لهم إلى ذلك، بل بمجرد الهوى والعصبية.

فاليهود -عليهم لعائن الله- آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمدًا -عليهما الصلاة والسلام- والنصارى آمنوا بالأنبياء, وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد صلى الله عليه وسلم, والسامرة لا يؤمنون بنبي بعد يوشع خليفة موسى بن عمران، والمجوس يقال: إنهم كانوا يؤمنون بنبيّ لهم يقال له: زرادشت، ثم كفروا بشرعه، فرفع من بين أظهرهم، والله أعلم.

والمقصود: أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء؛ فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض. فمن ردّ نبوّته للحسد والعصبية، أو التشهّي؛ تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًّا, إنما هو عن غرض وهوى وعصبية؛ ولهذا قال تعالى: {إِنّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ}, فوسمهم بأنهم كفّار بالله ورسله {وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ} أي: في الإيمان {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} أي: طريقًا ومسلكًا، ثم أخبر تعالى عنهم فقال: {أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً} أي: كفرهم محقّق لا محالة بمن ادّعوا الإيمان به؛ لأنه ليس شرعيًّا, إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله لآمنوا بنظيره، وبمن هو أوضح دليلًا وأقوى برهانًا منه، لو نظروا حق النظر في نبوّته” انتهى كلامه.

2- الأدلة من السنة المطهرة على وجوب الإيمان بالرسل -عليهم السلام-:

وكما ثبت وجوب الإيمان بالرسل -عليهم الصلاة والسلام- في القرآن الكريم، فإن وجوب الإيمان بالرسل -عليهم الصلاة والسلام- ثابت أيضًا في السنة المطهرة؛ لأن الإيمان بالرسل ركنٌ من أركان الإيمان الستة، وهي:

الأول: الإيمان بالله تعالى.

الثاني: الإيمان بالملائكة الكرام, عليهم السلام.

الثالث: الإيمان بالكتب السماوية المنزلة.

الرابع: الإيمان بالرسل والأنبياء، عليهم الصلاة والسلام.

الخامس: الإيمان باليوم الآخر.

السادس: الإيمان بالقدر؛ خيرِه وشرّه.

فمن تلك الأحاديث ما يلي:

الحديث الأول: حديث الإيمان المشهور المعروف بحديث جبريل عليه السلام, الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال: ((بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم, إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفّيه على فخذيه…)) وفيه: أن جبريل عليه السلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، فقال: ((الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلًا))، ثم سأله عن الإيمان، فقال: ((الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره))، ثم سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان، فقال: ((الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))، ثم سأله عن الساعة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما المسئول عنها بأعلم من السائل))، ثم سأله عن أماراتها فأجاب صلى الله عليه وسلم: ((أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحُفَاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان))، ثم لبث مليًّا فقال صلى الله عليه وسلم لعمر: ((أتدري من الرجل؟)) فقال عمر رضي الله عنه: الله ورسوله أعلم, فقال: ((هذا جبريل, أتاكم يعلمكم دينكم)). أخرجه الإمام مسلم.

والشاهد من هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتُؤمن بالقدر خيره وشره))؛ ففيه إثبات وجوب الإيمان برسل الله تعالى، بل هو ركن من أركان الإيمان الستة كما رأينا في هذا الحديث الصحيح، ونجد أن ترتيب الإيمان بالرسل -عليهم السلام- بالنسبة لبقية أركان الإيمان هو المرتبة الرابعة, أي: بعد الإيمان بالله تعالى، وبالملائكة، وبالكتب.

الحديث الثاني: ما رواه الإمامان البخاري ومسلم -رحمهما الله تعالى- في صحيحيهما، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن عمر انطلق مع النبي صلى الله عليه وسلم في رهطٍ قِبَل ابن صيّاد, حتى وجدوه يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة -والأطم هو: الشاخص من البنيان القديم-وقد قارب ابن صياد الحلم، فلم يشعر حتى ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده، ثم قال لابن صياد: ((تشهد أني رسول الله؟))، فقال ابن صياد: أشهد أنك رسول الأميين. فقال ابن صياد للنبي صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني رسول الله؟ فرفض وقال: ((آمنت بالله ورسله))، فقال له: (( ماذا ترى؟)) قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((خُلط عليك الأمر))، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني قد خَبَأتُ لك خبيئًا))، فقال ابن صياد: هو الدُّخُّ -أي: الدخان- فقال: ((اخسأ، فلن تعدو قدرك))، فقال عمر رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن يَكُنْهُ فلن تسلّط عليه، وإن لم يَكُنْه فلا خير لك في قتله))، وهذا لفظ البخاري.

والشاهد من هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم جوابًا لسؤال ابن صياد: ((آمنت بالله ورسله))، فدخل في ذلك جميع الأنبياء والمرسلين, من غير تفريق بين الإيمان ببعضهم وعدم الإيمان بالبعض الآخر، وابن صياد هذا الوارد في الحديث قصته ذكرها الإمام مسلم -رحمه الله- في صحيحه.

وذكر أهل العلم أن ابن صياد هذا كان صبيًّا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قارب البلوغ، وكان يأتي بخوارق وتظهر على يديه أمور خارقة وتنبؤات، فكان من العلماء من اعتبره المسيح الدجال المنتظر، ومن العلماء من قال: إنه ليس هو المسيح، وقصته هذه تدلّ على أن من العلماء من توقّف فيه.

الحديث الثالث:

من الأحاديث التي تصرّح أيضًا بوجوب الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم -والإيمان به يُوجب الإيمان ببقية إخوانه من المرسلين عليهم السلام- قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم, إلا بحق الإسلام, وحسابهم على الله)) رواه البخاري ومسلم.

فثبت من جملة هذه الأحاديث وجوب الإيمان بأنبياء الله تعالى ورسله, عليهم الصلاة والسلام.

وبهذا نختم بأن الإيمان بالأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- ثابت ثبوتًا قطعيًّا، بدلالة آيات الكتاب العزيز، وأحاديث النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأن هذه الآيات وهذه الأحاديث لم تفرّق بين نبي ونبي؛ لأن الإيمان ببعض الأنبياء والكفر ببعضهم هو كفر بالذي زُعم الإيمان به. وهذا الهدى الذي وفّق الله له أمة محمد صلى الله عليه وسلم, كانت قد خالفت فيه الأمتان اليهودية والنصرانية؛ حيث كانوا يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض.

3. المعجزات: تعريفها، الحكمة من ظهورها:

أ. تعريف المعجزة:

المعجزة لغة من: عجز عن الشيء عَجْزًا -من باب ضرب- وعَجَزَانًا: ضعف عنه، فالمعجزة اسم فاعل مأخوذ من العجز الذي هو زوال القدرة عن الإتيان بالشيء, من عمل أو رأيٍ أو تدبيرٍ. ويطلق على المعجزة أيضًا: الآية، وهي في اللغة: العلامة الدالة على الشيء، وتجمع على: آيٍ، وآيات.

والمراد بها هنا: ما يجريه الله تعالى على أيدي رسله وأنبيائه من أمورٍ خارقةٍ للسننِ الكونية المعتادة, ولا قدرة للبشر على الإتيان بمثلها؛ كتحويل العصا إلى أفعى تتحرك وتسعى، فتكون هذه الآية الخارقة للسنة الكونية المعتادة دليلًا غيرَ قابلٍ للنقدِ والإبطال؛ يدل على صدقهم فيما جاءوا به.

والمراد بآيات الأنبياء ومعجزاتهم أمر واحد؛ فلا فرق بين الآية والمعجزة.

وأما المراد بالمعجزة في الاصطلاح؛ فهي: الأمر الخارق للعادة، المَقْرُونُ بالتحدي, السالم من المعارضة.

وقد عَرَّفَ الجرجاني -رَحِمَهُ اللهُ- المعجزة بقوله:

“المعجزة: أمرٌ خارقٌ للعادة، داعٍ إلى الخير والسعادة، مقرونٌ بدعوى النبوة؛ قُصِدَ به إظهار صدق من ادعى أنه رسول من الله” انتهى كلامه.

ب. الحكمة من ظهور معجزات وآيات الرسل:

لم يرسل الله تعالى رسولًا إلا وأيّده بآيات تبين صدقه في ادعائه مرسلًا من عند الله تعالى، وقد وقف كثيرٌ من أعداء الرسل في وجه الأنبياء مطالبين الرسل -عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ- بمعجزاتٍ وآياتٍ وبيناتٍ, تؤكد صدقهم في ادعاء الرسالة والوحي من الله تعالى، ولم يسلم رسولٌ من الرسل من معارضٍ يرد دعوته، وينكر نبوته، ويطالبه بآيةٍ حسيةٍ تخالف المعتاد وتخرق العادة؛ لكي يتأكد عند المعاندين صدقه، ويظهر للناس أمره، وأنه مؤيدٌ من الله تعالى، وأن الوحي يتلقاه من السماء، ويلقيه إليه الملك المقرب من رب العالمين.

يقول الدكتور عمر الأشقر في كتابه (الرسل والرسالات):

“الأنبياء الذين ابتعثهم الله إلى عباده, يقولون للناس: نحن مرسلون من عند الله، وعليكم أن تصدقونا فيما نخبركم به، كما يجب عليكم أن تطيعونا بفعل ما نأمركم به وترك ما ننهاكم عنه.

وقد أخبر الله في سورة الشعراء أن نوحًا خاطب قومه قائلًا: {أَلاَ تَتّقُونَ (106) إِنّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 106- 108]. وبهذا القول نفسه خاطب رسل الله؛ هودٌ وصالحٌ ولوطٌ وشعيبٌ أقوامَهُم, بل هي مقالة ودعوة كل رسول لقومه.

فإذا كان الأمر كذلك, فلا بد أن يقيم الله الدلائل والحجج والبراهين المبينة صدق الرسل في دعواهم أنهم رسل الله؛ كي تقوم الحجةُ على الناس، ولا يبقى لأحدٍ عذرٌ في عدم تصديقهم وطاعتهم {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ} [الحديد: 25]، أي: بالدلائل والبينات التي تدل على صدقهم” انتهى كلامه.

فاتضح أن الله سبحانه أَيّدَ رُسُلَهُ -عَلَيْهِم السَّلاَمُ- بالآيات, والمعجزات الواضحة والبينة لحكمة جليلة، وهي إثبات صدق الرسول فيما جاء به، وما يدعيه من الاتصال بالملأ الأعلى ومشافهة الملائكة، وأن الله تعالى هو الذي قال له: اذهب فبلغ الناس شرعي, وأْمرهم بالمعروف وانههم عن المنكر، وأخبرهم أن لدي نارًا أعذب بها العصاة والمكذبين للرسل، وأن لدي جنةً أعددتها للمطيعين لي والمتبعين للرسل، والمصدقين بالرسالات السماوية.

والذي يدعي ذلك سوف يواجهه المخاطبون من العقلاء بالتساؤل التالي: ما الدليل على صدق ما تقول؟ فإن الدعاوى سهلٌ الإتيان بها، وقد مر على البشرية كثيرٌ من مدَّعي النبوة، فإذا كان الرجل مؤيدًا بالوحي ومرسلًا من قِبَل الله تعالى حقًّا؛ أتاه التأييد من العناية الإلهية حالًا، ولم تتخلَّ عنه العناية الإلهية، فيؤيد كل رسول بما يثبت نبوته، ويتحدى الرسول قومه في الفن الذي ينتشر بينهم؛ فكان السحر مشتهرًا في عهد موسى عليه السلام, وكان الطب وإنكار الروح في عهد عيسى عليه السلام, وكانت البلاغة في عهد نبينا خاتم النبيين محمدٍ صلى الله عليه وسلم, فكانت معجزة كل نبيٍّ من جنس ما اشتُهر على عهده؛ فسبحان الله الحكيم الخبير الذي يضع الأمور في موضعها، والذي يؤيد رسله {إِنّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا} [غافر: 51].

error: النص محمي !!