Top
Image Alt

أدلة الرافضة على الرجعة ونقضها

  /  أدلة الرافضة على الرجعة ونقضها

أدلة الرافضة على الرجعة ونقضها

أ. أدلة الرافضة على الرجعة:

اتجه شيوخ الشيعة إلى كتاب الله سبحانه وتعالى ليأخذوا منه الدليل على ثبوت الرجعة التي ينفردون بالقول بها عن سائر المسلمين، ولمَّا لم يجدوا بغيتهم تعلَّقوا كعادتهم بالتأويل الباطني، وركبوا متن الشطط، وتعسفوا أيّما تعسف في هذا السبيل، حتى أصبح استدلالهم حجة عليهم، ودليلًا على زيف معتقدهم، وبرهانًا على بطلان مذهبهم، وأقوى أدلتهم وأشهرها حسب نظرهم.

 ويرى شيخ المفسرين عندهم أن من أعظم الأدلة على الرجعة ما جاء في قول الحق -تبارك وتعالى: {وَحَرَامٌ عَلَىَ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 95] قال القمي وهو شيخ المفسرين عندهم، وقد وضع عنوانًا لهذه الآية عندما استدل بها قال فيه: “أعظم آية دالة على الرجعة” لأن أحدًا من أهل الإسلام لا يُنكر أن الناس كلهم يرجعون يوم القيامة من هلك ومن لم يهلك.

وفي الحقيقة نقول لهم: هذه الآية حُجة عليكم؛ لأنها تدل على نفي الرجعة إلى الدنيا؛ إذ معناها كما صرح به ابن عباس رضي الله عنهما وأبو جعفر الباقر، وقتادة، وغير واحد، قالوا في معناها: “حرام على أهل كل قرية أُهلكوا بذنوبهم أنهم يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة”، وهذا كقوله سبحانه وتعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ الْقُرُونِ أَنّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [يس: 31]، وكقوله: {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَىَ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [يس: 50].

وزيادة “لا” هنا لتأكيد معنى النفي من حرام، وهذا من أساليب التنزيل البديعة، البالغة النهاية في الدقة، وسر الإخبار بعدم الرجوع مع وضوحه هو الصدع بما يزعجهم ويؤسفهم من الهلاك المؤبد، وفوات أمنياتهم الكبرى، وهي حياتهم الدنيا، وإذا كان المقصود إثبات الرجعة فهي رجعة للناس ليوم القيامة بلا ريب أي: ممتنع ألبتة عدم رجوعهم إلينا للجزاء يعني: أن عدم رجوعهم إلى الله عز وجل للجزاء والوقوف بين يديه للحساب، هذا أمر ممتنع، ولا يليق بحكمة الحكيم سبحانه وتعالى.

ولذلك يذهب بعض المفسرين في هذه الآية التي استدل بها هؤلاء وهي {وَحَرَامٌ عَلَىَ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} يذهب بعض المفسرين إلى أن الآية تُقرّر الإيمان بالبعث، وهي تتمة وتقرير لما قبلها، وهو قول الحق -تبارك وتعالى: {كُلّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} [الأنبياء: 93] فتكون “لا” فيها على بابها، وهي مع “حرام” من قبيل نفي النفي؛ فتدل على الإثبات، والمعنى: وحرام على القرية المهلكة عدم رجوعها إلى الآخرة، بل واجب رجوعها للجزاء، فيكون الغرض إبطال قول من ينكر البعث.

ومن أشهر الآيات التي يستدل بها الإمامية على الرجعة -كما يذكر ذلك الألوسي، رحمه الله- ما جاء في قول الحق -تبارك وتعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلّ أُمّةٍ فَوْجاً مّمّن يُكَذّبُ بِآيَاتِنَا} [النمل: 83] والآية كما يقول المفسرون في يوم الجزاء، يوم يقوم الناس لرب العالمين، إلا أن هؤلاء يجعلونها في عقيدتهم في الرجعة، ولذلك قال شيخهم شبر: بأنها فسرت في أخبارهم بالرجعة، وقال الطبرسي: “استدل الشيعة الرافضة بهذه الآية على صحة الرجعة” قالوا: إن دخول “من” في الكلام يوجب التبعيض، فدل بذلك على أنه يُحشر قوم دون قوم، وليس ذلك صفة يوم القيامة، الذي يقول فيه سبحانه: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} [الكهف: 47].

أما كون “من” الأولى للتبعيض، فهذا شائع؛ لأن كل أمة منقسمة إلى مصدق ومكذب أي: ويوم يجمع من كل أمة من أمم الأنبياء، أو من أهل كل قرن من القرون جماعة كثيرة مكذبة بآياتنا، وهذا لا يدل أبدًا على مسألة الرجعة إلى الدنيا بعد الموت بحال من الأحوال، ولكن الشيعة تتعلَّق بكل آيات اليوم الآخر المتضمنة لرجوع الناس لربهم؛ لتجعلها في عقيدتهم في الرجعة، كما هو دأبهم الباطل في تأويل الآيات، وصرفها عن ظاهرها الصحيح. وتخصيص المكذبين بهذا الحشر لا يدل أبدًا على ما يزعمون، لأن هذا حشر للمكذبين للتوبيخ والعذاب بعد الحشر الكلي الشامل لكافة الخلق.

أما “من” الثانية فهي بيانية، جيء بها لبيان فوجًا، ولهذا فإن بعض مفسري الشيعة المعاصرين أدرك ضلال قومه في هذا التأويل فقال في تفسير الآية: “من” هنا بيانية وليست للتبعيض تمامًا، كخاتم من حديد، والمعنى: أن في الأمم مصدقين ومكذبين بآيات الله وبيناته، وهو يحشر للحساب والجزاء جميع المكذبين بلا استثناء، وخصَّهم بالحشر مع أنه يعُمّ الجميع؛ لأنه تعالى قصد التهديد والوعيد. هذا كلام لبعضهم وهو يبين أن استدلالهم إذًا بهذه الآية استدلال باطل، وأن بعضهم عَرَف ذلك، فأراد ألا يدع مجالًا -كما يزعمون- لأهل الحق في انتقادهم لهذه الأدلة.

ومن الآيات التي يتأوّلونها في الرجعة ما جاء في قول الله -تبارك وتعالى: {قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} [عبس: 17] الآيات، وقد جاء في تفسير القمي: {قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} قال: هو أمير المؤمنين قال: ما أكفره أي: ماذا فعل وأذنب حتى قتلوه: {ثُمّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ} [عبس: 21، 22] قال في الرجعة: {كَلاّ لَمّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ} [عبس: 23] أي: لم يقض أمير المؤمنين ما قد أمره الله به، وسيرجع حتى يقضي ما أمره”.

ويلاحظ على هذا القول الذي قاله القمي عدَّة أمور:

أولها: أن شيخهم القمي هذا أوَّل الإنسان في قوله سبحانه: {قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه مع أن الآية تدل بنصها وسياقها على أن المراد بالإنسان هنا الكافر، ولهذا قال السلف في تفسيرها: “لعن الإنسان الكافر ما أكفره”، وقد ذكر ذلك الإمام الطبري -رحمه الله- فهل يا ترى وُضع مثل هذا التأويل للإساءة بأمير المؤمنين من طرف خفي، أو أنه أثر من آثار طائفة الكاملية من الشيعة التي تذهب إلى تكفير المؤمنين وبقية الصحابة رضي الله عنهم، والرافضة والاثنا عشرية تكون في هذه الحالة قد تلقَّفت منهم هذا التفسير، وغيَّرت فيه، أو أن مخترع هذا النص أعجمي جاهل بلغة القرآن، وإنما كتب ما أملاه عليه تعصّبه وزندقته.

على أيَّة حال فهذا التأويل يدل على مدى إفلاس أصحاب هذا الاعتقاد في العثور على ما يدل على مبدئهم، أما تأويله لقوله سبحانه: {ثُمّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ} وهي نصٌّ صريح في البعث والنشور، وقد أوَّله بالرجعة، وهذا فضلًا عن أنه تحريف لمعاني القرآن الكريم؛ فإنه يصرف من يصدق بهذه الروايات عن الإيمان باليوم الآخر إلى هذه العقيدة المبتدعة، ولذلك يلاحظ أن طوائف من غلاة الشيعة أنكرت الإيمان باليوم الآخر وقالت بالتناسخ.

ويلاحظ أن الاثنا عشرية قد عمدت إلى كل نصٍّ في اليوم الآخر فجعلته في الرجعة، وقد مرَّ بنا أن هذا قد أصبح قاعدة عامة عندهم، وجعلهم الروايات والآيات الواردة في اليوم الآخر جعلهم إيَّاها في الرجعة؛ ظلمٌ كبير، كما أن قولهم بأن المقصود بالإنسان في قوله تعالى: {قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} أمير المؤمنين رضي الله عنه بهتانٌ كبير عليه، وإساءة بالغة في حقه؛ لأنها كما يظهر منها تُبيّن أن أمير المؤمنين رضي الله عنه قد تخلَّى عن أوامر الله سبحانه وتعالى وأنه سيرجع ليقضي ما أمر الله -تبارك وتعالى- به.

وهم بهذا يشبهونه رضي الله عنه بالمشركين الكافرين الذين ابتعدوا عن شرع الله سبحانه، فإذا عاينوا العذاب تمنَّوا الرجعة، فكم أساء هؤلاء إلى أهل البيت وهم يزعمون أنهم يحبون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن الآيات التي جعلوها في الرجعة ما جاء في قول الحق -تبارك وتعالى: {كُلّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185] حيث قالوا في تأويلها لم يذق الموت من قبل، ولا بد أن يرجع حتى يذوق الموت، وقصدوا بذلك أمير المؤمنين رضي الله عنه وهذه الرواية وردت في بعض كتبهم أن أمير المؤمنين لم يذق الموت، وأنه لم يُقتل، ولا بد إذًا أن يرجع حتى يذوق الموت، وقد ذكر ذلك العياشي في تفسيره، وهذه الرواية تجعل الرجعة لجميع الناس حتى يتحقق لكل أحد منهم موتٌ وقتل، كما يعتقدون؛ بينما هم قالوا بأن الرجعة خاصة بمن محَّض الإيمان ومحَّض الكفر -كما سلف- كما أن هذا التأويل الباطل يحمل جهلًا بلغة العرب التي نزل بها القرآن؛ حيث عدَّ القتل ونحوه ليس من قبيل الموت التي تنص عليه الآية، وهذا مبلغ علمهم.

ويتعلق الشيعة بآيات كثيرة يئوّلونها بمثل هذا التأويل الباطني الباطل، وقد تسابق شيوخهم كعادتهم في الإكثار من هذه التأويلات، والتي أسندوها للآل حتى تكتسب الرواج عند الأتباع؛ فقد بلغ مثلًا عدد الآيات التي أولوها بالرجعة حسب ما جمعه شيخهم الحرّ العامري، بلغ عدد الآيات اثنان وسبعون آية، وصل فيها التأويل الباطني المتعسّف الغاية القصوى، مع أن العامري لم يذكر كل ما عندهم، وقد اعتذر عن ذلك في نهاية استدلاله بالآيات التي ذكرها بعدم حضور الكتب عنده، وكأنه يودُّ أن يقول: بأن الآيات في القول بالرجعة كثيرة، وهذا ضرب من الخيال وزعم باطل.

كما يستدل الشيعة ببعض ما أخبر الله -تبارك وتعالى- به من معجزات الأنبياء، كإحياء الموتى لعيسى عليه السلام أو بما أخبر الله به سبحانه في كتابه من إحياء الموتى، يستدلون بهذه المعجزات التي فيها إحياء بعض الناس في الدار الدنيا، وهذه معجزات تكون خاصة بأنبياء الله -تبارك وتعالى- ورسله، ومن ذلك ما جاء في قول الحق -تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة: 243]، وكأنهم بهذا النهج يستدلُّون على قدرة الله سبحانه التي ليست هي موضع الخلاف بالقول بالرجعة، ولا شكَّ أنه لا ينكر أحد ما وقع مما ورد به الخبر الثابت القطعي المتواتر، ولكن الذي يُنكر هو دعوى الرجعة إلى الدنيا بعد الموت للحساب والجزاء قبل يوم الحساب والجزاء، هذا هو المنكر الأعظم الذي ليس عليه دليل، والذي أُريدَ به إضعاف جانب اليوم الآخر في النفوس، وإلا فمعجزات الأنبياء وآيات الله في خلقه ليست محلّ خلاف،وهذه المعجزات كانت وقتية وفي عصرها، وانتهت بمن أجراها الله -تبارك وتعالى- على أيديهم، وليس فيها شيء من الباطل.

ويأخذ الشذوذ في الاستدلال على صحة الرجعة مداه الأكبر حينما يقرّرون أن أوضح دليل على صحة الرجعة، وأظهر برهان على ثبوتها هو أنه لا قائل بها من غير الشيعة الإمامية، هذا من أوضح الأدلة على أن هؤلاء قد كذبوا في ذلك، والشيعة الإمامية هم الذين قالوا فقط بهذه الرجعة. والزيدية قد يقول بعضهم بهذا، خاصة من مال منهم إلى الرفض، ولكن الشيعة الزيدية في حقيقة الأمر قد نقلوا روايات كثيرة عن أئمة أهل البيت تُبيّن براءتهم من عقيدة الرجعة، وتُعارض روايات الإمامية في ذلك، ولذلك فإن الزيدية الحقَّة يُنكرون هذه الدعوى إنكارًا شديدًا، ولا يتفقون مع الإمامية الذين ذهبوا وأجمعوا على القول برجعة الأموات بعد ذلك في الحياة الدنيا، وما ذهبوا إلى هذا القول إلا لكي تشفى قلوبهم من الغلّ الذي فيها بقولهم بأنهم سينتقمون من الشيخين الجليلين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

ب. نقد مقالة الرجعة وبيان بطلانها:

أقول في هذه المسألة: فكرة القول بالرجعة إلى الدنيا بعد الموت فكرةٌ مخالفةٌ بنص القرآن، وباطلة بدلالة آيات عديدة من كتاب الله -تبارك وتعالى- قال الله عز وجل: {قَالَ رَبّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلّيَ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاّ إِنّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99، 100]، فقوله سبحانه: {وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} صريح في نفي الرجعة مطلقًا.

وقال سبحانه: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ الْقُرُونِ أَنّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ}، وقال تعالى: {وَأَنذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الّذِينَ ظَلَمُوَاْ رَبّنَآ أَخّرْنَآ إِلَىَ أَجَلٍ قَرِيبٍ نّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتّبِعِ الرّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوَاْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ} [إبراهيم: 44]، وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَىَ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبّهِمْ رَبّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنّا مُوقِنُونَ} [السجدة: 12]، ولا يُستجاب لهم في ذلك، وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النّارِ فَقَالُواْ يَلَيْتَنَا نُرَدّ وَلاَ نُكَذّبَ بِآيَاتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 27، 28]، فهؤلاء جميعًا كما جاء في الآيات يسألون الرجوع عند الموت، وعند العرض على الجبار جل علاه، وعند رؤية النار؛ فلا يُجابون لما سبق في قضاء الله عز وجل أنهم إليها لا يرجعون، ولذلك عَدَّ أهل العلم القول بالرجعة إلى الدنيا بعد الموت من أشدِّ مراحل الغلو في بدعة التشيع.

قال ابن حجر: “التشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غالٍ في تشيعه، ويطلق عليه رافضي، وإلا فشيعي، فإذا انضاف إلى ذلك السب أو التصريح بالبغض فغالٍ في الرفض، وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشد في الغلو”، وقد جاء في مسند أحمد أن عاصم بن ضمرة، وكان من أصحاب علي رضي الله عنه قال للحسن بن علي: “إن الشيعة يزعمون أن عليًّا يرجع. قال الحسن: كذب أولئك الكذابون لو علمنا ذاك ما تزوج نساؤه، ولا قسمنا ميراثه”، والقول بالرجعة بعد الموت إلى الدنيا لمجازاة المسيئين وإثابة المحسنين يُنافي طبيعة هذه الدنيا، وأنها ليست دار جزاء قال تعالى: {وَإِنّمَا تُوَفّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185].

كما أن القول بالرجعة يضعف جانب الإيمان بيوم البعث والجزاء، ويبدو أن هذا من أهداف واضعي هذا المبدأ، وقد تمثل هذا عمليًّا في تأويلات الاثنا عشرية لآيات اليوم الآخر بالرجعة، وفي تأثير هذه التأويلات وهذا المذهب على بعض الفرق المنتسبة للتشيع وإنكارها لليوم الآخر، واعتقادها بالتناسخ الذي ربما تكون عقيدة الرجعة هي البوابة إليه، كما أن تأويلاتهم تدعو له.

 ويرى بعض الباحثين أن عقيدة الرجعة تسرَّبت عن طريق المؤثرات اليهودية والمسيحية، ودخلت التشيع بتأثير أتباع تلك الديانات، وقد استنتج شيخهم الصادقي -وهو من شيوخهم المعاصرين- أن مبدأ الرجعة عند قومه يرجع في أصله إلى ما ورد في كتب اليهود، واعتبر ذلك بشارة للشيعة.

وقد كان لابن سبأ اليهودي -كما تنقل ذلك كتب الشيعة والسنة على السواء- دور التأسيس لمبدأ الرجعة، إلا أنها رجعة خاصة بعلي رضي الله عنه كما أنه ينفي وقوع الموت عليه أصلًا كحال الاثنا عشرية مع مهديهم الذي يزعمون وجوده، لكن يبدو أن الذي تحمل كبر نشره وتعميم مفهومه وتأويل آيات القرآن فيه هو جابر الجعفي بعد ابن سبأ، حتى امتدحته روايات الشيعة بفقهه في أمر الرجعة؛ حيث جاء في تفسير القمي أن أبا جعفر قال: “رحم الله جابرًا بلغ فقهه أنه كان يعرف تأويل هذه الآية: {إِنّ الّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَآدّكَ إِلَىَ مَعَادٍ}” يعني: الرجعة، وعقيدة الرجعة عند الإمامية هي كما قال السويدي -رحمه الله: “خلاف ما علم من الدين بالضرورة من أنه لا حشر قبل يوم القيامة، وأن الله تعالى كلما توعَّد كافرًا أو ظالمًا، إنما توعده بيوم القيامة، كما أنها خلاف الآيات والأحاديث المتواترة المصرحة بأنه لا رجوع للدنيا قبل يوم القيامة”.

error: النص محمي !!