Top
Image Alt

أدلة النفخ في الصور مع ذكر الاستشكال الحاصل في حديث: ((إن الناس يصعقون يوم القيامة))، والجواب عليه

  /  أدلة النفخ في الصور مع ذكر الاستشكال الحاصل في حديث: ((إن الناس يصعقون يوم القيامة))، والجواب عليه

أدلة النفخ في الصور مع ذكر الاستشكال الحاصل في حديث: ((إن الناس يصعقون يوم القيامة))، والجواب عليه

أ. أدلة النفخ في الصور:

قبل أن نذكر أدلة النفخ في الصور من الكتاب والسنة, يحسن بنا أن نذكر المراد بالصور؛ فالصور -في لغة العرب-: القرن، وقد فسره الرسول صلى الله عليه وسلم بما تعرفه العرب في لغتها بأنه القرن؛ ففي الحديث الذي رواه أهل السنن عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: ((جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما الصور؟ قال: الصور: قرن ينفخ فيه)), وذكر البخاري -رحمه الله- أن مجاهدًا -رحمه الله- قال: “الصور كهيئة البوق”.

ومن الأدلة على النفخ في الصور قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرْضِ إِلاّ مَن شَآءَ اللّهُ} [الزمر: 68]، وقوله تعالى: {مَا يَنظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ (49) فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَىَ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [يس: 49، 50].

يقول الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسير آية “الزمر”، وهي قول الحق -تبارك وتعالى-: {وَنُفِخَ فِي الصّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرْضِ إِلاّ مَن شَآءَ اللّهُ ثُمّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىَ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر: 68]: “يقول -تبارك وتعالى- مخبرًا عن هول يوم القيامة، وما يكون فيه من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة؛ فقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرْضِ إِلاّ مَن شَآءَ اللّهُ} هذه النفخة هي الثانية، وهي نفخة الصعق، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السموات والأرض إلا من شاء الله، كما جاء مصرحًا به مفسرًا في حديث الصور المشهور, ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أولًا، وهو الباقي آخرًا بالديمومة والبقاء، ويقول: {لّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر: 16] ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه بنفسه، فيقول: {لِلّهِ الْوَاحِدِ الْقَهّارِ} [غافر: 16]؛ أنا الذي كنت وحدي, وقد قهرت كل شيء, وحكمت بالفناء على كل شيء.

ثم يحيي أول من يحيي إسرافيل، ويأمره أن ينفخ في الصور أخرى، وهي النفخة الثالثة نفخة البعث، قال الله  عز وجل : {ثُمّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىَ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} أي: أحياء بعدما كانوا عظامًا ورفاتًا، صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة: {فَإِنّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُم بِالسّاهِرَةِ} [النازعات: 13، 14]، وقال  عز وجل : {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنّونَ إِن لّبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً} وقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السّمَآءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مّنَ الأرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم: 25]” انتهى كلامه.

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “والقرآن قد أخبر بثلاث نفخات:

نفخة الفزع، ذكرها في سورة النمل في قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرْضِ إِلاّ مَن شَآءَ اللّهُ}.

ونفخة الصعق والقيام، ذكرهما في قول: {وَنُفِخَ فِي الصّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرْضِ إِلاّ مَن شَآءَ اللّهُ ثُمّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىَ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ}” انتهى كلامه.

وقد جاءت الأحاديث مصرحة بالنفخ في الصور؛ ففي (صحيح البخاري) و(مسلم): عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما بين النفختين أربعون)). قالوا: يا أبا هريرة؛ أربعون يومًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت.

وفي (صحيح مسلم) عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا، فأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيُصعق ويُصعق الناس، ثم يرسل الله -أو قال: يُنزل الله- مطرًا، كأنه الطل -أو الظل، نعمان الشاك، أي: راوي الحديث- فتنبت منه أجساد الناس، ثم يُنفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون)).

وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يصعق الناس حين يصعقون، فأكون أول مَن قام، فإذا موسى آخذ بالعرش، فما أدري أكان فيمن صعق؟!)).

وبالجملة, فإن النفخ في الصور ثابت بنصوص الكتاب والسنة وكلام أهل العلم؛ لأن هذه المسألة من المسائل الغيبية التي لا مجال لمعرفة تفاصيلها، وكيفية النفخ في الصور، ومَن النافخ إلا عن طريق الوحي, والله تعالى أعلم.

ب. بيان الاستشكال الحاصل في حديث: ((إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أم جوزي بصعقة يوم الطور؟!)):

والجواب عليه: هذا الحديث رواه الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه مطولًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((استبّ رجلان: رجل من المسلمين، ورجل من اليهود؛ فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين. فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين. قال: فغضب المسلم عند ذلك فلطم وجه اليهودي، فذهب اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تخيروني على موسى؛ فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان موسى فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله  عز وجل ؟!)).

والاستشكال: هل هذا الذي تحدث عنه النبي صلى الله عليه وسلم صعق وغشي يحصل بعد البعث, أو هو النفخة الأولى التي يموت بسببها كل مخلوق في السماء والأرض إلا من شاء الله, وهو المستثنى في قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرْضِ إِلاّ مَن شَآءَ اللّهُ} [الزمر: 68]؟

يقول ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله- لحل هذا الإشكال, بعد أن أورد الحديث السابق: “فإن قيل: كيف تصنعون بقوله في الحديث: ((إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فأجد موسى باطشًا بقائمة العرش))؟

قيل: لا ريب أن هذا اللفظ قد ورد هكذا، ومنه نشأ الإشكال، ولكنه دخل فيه على الراوي حديث في حديث فركب بين اللفظين، فجاء هذان الحديثان هكذا: أحدهما: ((إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق)) كما تقدم، والثاني: ((أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة)) فدخل على الراوي هذا الحديث في الآخر.

وكذلك اشتبه على بعض الرواة, فقال: ((فلا أدري؛ أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله  عز وجل ؟)), والمحفوظ الذي تواطأت عليه الروايات الصحيحة هو الأول، وعليه المعنى الصحيح؛ فإن الصعق يوم القيامة لتجلي الله لعباده إذا جاء لفصل القضاء، فموسى عليه السلام إن كان لم يصعق معهم، فيكون قد جُوزي بصعقة يوم تجلى ربه للجبل، فجعله دكًّا، فجُعلت صعقة هذا التجلي عوضًا عن صعقة الخلائق لتجلي ربه يوم القيامة؛ فتأمل هذا المعنى العظيم، ولا تهمله” انتهى كلامه.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “وأما الاستثناء فهو متناول لمن في الجنة من الحور العين، فإن الجنة ليس فيها موت، ومتناول لغيرهم، ولا يمكن الجزم بكل ما استثناه الله، فإن الله أطلق في كتابه. والنبي صلى الله عليه وسلم قد توقف في موسى، وهل هو داخل في الاستثناء فيمن استثناه الله أم لا؟ فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يخبر بكل من استثنى الله؛ لم يمكننا نحن أن نجزم بذلك” انتهى كلامه.

error: النص محمي !!