Top
Image Alt

أدلة ثبوت الشفاعة, وأقسامها، وشروطها

  /  أدلة ثبوت الشفاعة, وأقسامها، وشروطها

أدلة ثبوت الشفاعة, وأقسامها، وشروطها

أ. أحاديث الشفاعة وشروطها:

الشفاعة لغة: الانضمام إلى آخر من أجل نصرته، فالشفاعة تدل على ضم شيئين ومقارنتهما، واشتقاقها من الشفع الذي هو ضد الوتر.

وأما الشفاعة اصطلاحًا: فهي التوسط للغير بجلب منفعة, أو دفع مضرّة.

والشفاعة تنقسم إلى قسمين:

شفاعة مثبَتة: وهي التي أثبتها القرآن الكريم والسنة المطهرة.

وشفاعة منفية: وهي التي يثبتها الكفار والمشركون وأهل البدع للشفعاء الذين لا يملكون الشفاعة؛ كاستشفاع المشركين بأصنامهم، واستشفاع أهل البدع بمتبوعيهم.

فالشفاعة المثبتة: هي التي ثبتت للنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، ولغيره كذلك، في كثير من الأحاديث النبوية الثابتة الصحيحة؛ فمن ذلك: حديث الشفاعة العظمى، وملخصه: أن الأمم يوم القيامة تفزع إلى الأنبياء, تطلب منهم الشفاعة عند الله تعالى ليقضي بينهم، ويريحهم من مقامهم ذلك؛ بسبب شدة الكرب والضيق الذي يصيب الخلائق, فتفزع إلى آدم فيعتذر عنها، ثم إلى نوح فيعتذر, ثم إلى إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى -عليهم الصلاة والسلام- حتى ينتهي الأمر إلى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: ((أنا لها)).

ففي (الصحيحين) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((فأنطلق فآتي تحت العرش, فأقع ساجدًا لربي, ثم يفتح الله عليّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك، سلْ تعطه، اشفع تشفع. فأرفع رأسي فأقول: يا رب، أمتي، أمتي. فيقال: يا محمد، أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة)).

قال القرطبي -رحمه الله- مبينًا وجه الاستدلال بهذا الحديث على الشفاعة: “وقوله: ((فيقال: يا محمد، أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه)) يدل على أنه شفع فيما طلب من تعجيل حساب أهل الموقف، فإنه لما أمر بإدخال من لا حساب عليه من أمته؛ فقد شُرع في حساب من عليه حساب من أمته وغيرهم” انتهى كلامه.

ومن أحاديث الشفاعة: قوله صلى الله عليه وسلم: ((أنا أول شفيع في الجنة، لم يصَدَّق نبي من الأنبياء ما صُدِّقتُ، وإن من الأنبياء نبيًّا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد)) رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: ((آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد, فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك)) رواه مسلم.

وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما, عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذُكِر عنده عمه أبو طالب, فقال: ((لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضَحْضَاح من النار يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه)).

وروى البخاري في صحيحه, من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فيدخلون الجنة، يسمَّون الجهنميين)).

وأما عن شروط الشفاعة المثبَتة؛ فإن أهل العلم استنبطوا من آيات الشفاعة وأحاديثها شروطًا، وهذه الشروط هي:

  1. كون المشفوع له من أهل التوحيد.
  2. رضا الله تعالى عن المشفوع له، ولا يرضى الله إلا عن أهل التوحيد.
  3. إذن الله تعالى للشافع في الشفاعة.
  4. ومن أهل العلم من يزيد شرطًا رابعًا, وهو: قدرة الشافع على الشفاعة.

وبعد أن قرر العلامة ابن القيم -رحمه الله- شروط الشفاعة, وأطلق عليها أصول الشفاعة, قال: “فهذه ثلاثة أصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها: لا شفاعة إلا بإذنه، ولا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله، ولا يرضى من القول والعمل إلا توحيده واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم” انتهى كلامه.

والدليل على هذه الشروط من الكتاب العزيز قول الله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لاّ تَنفَعُ الشّفَاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرّحْمَـَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} [طه: 109], وقوله تعالى: {وَكَمْ مّن مّلَكٍ فِي السّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىَ} [النجم: 26].

وقد قرر أهل العلم -رحمهم الله تعالى- هذه الشروط, وتوسعوا في إيراد الأدلة عليها من الكتاب والسنة.

ب. أقسام الشفاعة وأنواعها، وأنواع الشفعاء:

ذكرنا جملة من أحاديث الشفاعة الثابتة عند أهل السنة والجماعة، ويحسن بنا أن نذكر أنواع الشفاعة أخذًا من تلك الأحاديث السابقة:

فالشفاعة نوعان في الأصل:

  • شفاعة خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
  • شفاعة مشتركة يشارك فيها غيره من الشفعاء صلى الله عليه وسلم. وفيما يلي بيان لتلك الشفاعات:

أولًا: الشفاعة العظمى: وهذه خاصة بنبي الرحمة صلى الله عليه وسلم, وهي المشار إليها بالمقام المحمود في قوله تعالى: {عَسَىَ أَن يَبْعَثَكَ رَبّكَ مَقَاماً مّحْمُوداً} [الإسراء: 79].

والدليل على هذه الشفاعة: ما أخرجه البخاري في صحيحه, من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ((إن الناس يصيرون يوم القيامة جُثًا -أي: جماعات- كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود)).

وملخص هذه الشفاعة: أن الناس يأتون آدم عليه السلام فيطلبون منه الشفاعة فيعتذر، ثم يتقدمون إلى نوح فيعتذر، ثم إلى إبراهيم، ثم إلى كل نبي, ثم ينتهون إلى عيسى آخر الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم فيعتذر, ويحيلهم إلى خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم, فيأتون المصطفى صلى الله عليه وسلم فيطلبون الشفاعة فيقول: ((أنا لها)).

ثانيًا: الشفاعة في استفتاح باب الجنة لأهلها:

لقد ورد في بعض الأحاديث؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من يشفع لأهل الجنة في دخولها، والحديث الصحيح في هذا النوع من الشفاعة هو: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم يدق باب الجنة ويستفتح, فيقال: من أنت؟ فيقول: أنا محمد, فيقول له الخازن: بك أمرت ألّا أفتح لأحد قبلك)) فيفتح له الباب صلى الله عليه وسلم.

ثالثًا: الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه:

وهذه الشفاعة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب، ودليلها: ما جاء في (الصحيحين) عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه قال: ((يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء؛ فإنه كان يحفظك ويغضب لك؟ قال: “نعم، هو في ضحضاح – والضحضاح: ما رقّ من الماء على وجه الأرض، واستعير للنار، أي: الخفيفة- من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)).

رابعًا: الشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة:

ودليلها: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أم سلمة رضي الله عنها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لأبي سلمة لما توفي, فقال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين -أي: الباقين- واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونوِّر له فيه)).

خامسًا: الشفاعة في دخول الجنة بلا حساب:

ودليل هذه الشفاعة: قوله صلى الله عليه وسلم لعكاشة بن محصن: ((اللهم اجعله منهم)). وذلك لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أمته سبعين ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب, يدخلون الجنة؛ فقال عكاشة للنبي صلى الله عليه وسلم: “ادع الله أن يجعلني منهم”، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنت منهم)), فقام إليه رجل آخر فقال: “ادع الله أن يجعلني منهم”، فقال: ((سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ)). رواه البخاري ومسلم.

سادسًا: الشفاعة لأهل الكبائر:

المراد بأهل الكبائر: العصاة من أهل التوحيد الذين يدخلون النار بسبب ذنوبهم، فيشفع فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم لإخراجهم من النار بعد دخولها، ودليلها قوله صلى الله عليه وسلم: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)).

سابعًا: شفاعته في أن يؤذن لجميع المؤمنين, في دخول الجنة:

ففي (صحيح مسلم) عن أنس رضي الله عنه, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أنا أول شفيع في الجنة)).

ثامنًا: شفاعته صلى الله عليه وسلم في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم:

حيث يشفع النبي صلى الله عليه وسلم في هؤلاء ليدخلوا الجنة، وفي أقوام آخرين قد أُمِر بهم إلى النار؛ فلا يدخلونها.

وقد ثبت في نصوص الشرع أن هناك شفعاء يشفعون أيضًا، ويأذن الله تعالى لهم في الشفاعة، وهم: الملائكة، والأنبياء، والمؤمنون؛ قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: ((شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبقَ إلا أرحم الراحمين)).

كما ثبت أن الشهيد يشفع لأهله، قال صلى الله عليه وسلم: ((يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته)) أخرجه أبو داود في سننه، وصححه الشيخ الألباني في (صحيح الجامع الصغير).

كما ثبت أن أولاد المؤمنين إذا ماتوا صغارًا قبل الحُلُم, يكونون شفعاء لوالديهم؛ حتى يدخلوا الجنة جميعًا.

كما ثبت أن القرآن والصيام يشفعان للمؤمن يوم القيامة؛ كما ثبت في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: ((الصيام والقرآن يشفعانِ للعبد يوم القيامة)) أخرجه الإمام أحمد في (المسند), والحاكم في (المستدرك) وصححه، ووافقه الذهبي وصححه الشيخ الألباني.       

وقد ذكر بعض أهل العلم أن شفاعة غير النبي صلى الله عليه وسلم ممن ذكرنا, تكون مشتركة مع النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاث شفاعات, وهي:

  • الشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخلها.
  • الشفاعة فيمن دخل النار أن يخرج منها.
  • الشفاعة في رفع درجات المؤمنين في الجنة.

فهذه الشفاعات ليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم, بل تكون للملائكة والنبيين والصديقين وغيرهم من المؤمنين والصالحين، حتى يشفع الرجل في أهله وفي جيرانه, وفيما أشبه ذلك.

error: النص محمي !!