Top
Image Alt

أدلة وجود الجنة والنار ودوامهما, والرد على المخالفين

  /  أدلة وجود الجنة والنار ودوامهما, والرد على المخالفين

أدلة وجود الجنة والنار ودوامهما, والرد على المخالفين

أ. الأدلة على خلق الجنة والنار, وأنهما موجودتان الآن:

يعتقد أهل السنة والجماعة أن الله سبحانه وتعالى خلق الجنة والنار كغيرهما من المخلوقات، وأنهما موجودتان الآن معدتان لسكانهما، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أطلعه الله عليهما في بعض المقامات؛ ولهذا قال الإمام الطحاوي -رحمه الله- في عقيدته: “والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان؛ فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه، وكلٌّ يعمل لما قد فُرِغ له وصائر إلى ما خُلق له، والخير والشر مقدَّران على العباد”.

ثم شرع الشيخ ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله- في شرحه لعقيدة الطحاوي, حيث قال: “أما قوله: إن الجنة والنار مخلوقتان؛ فاتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل على ذلك أهل السنة حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية؛ فأنكرت ذلك وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة. وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد, الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا ولا ينبغي له أن يفعل كذا!! وقاسوه على خلقه في أفعالهم؛ فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة!! وقالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث؛ لأنها تصير معطلة مددًا متطاولة؛ فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى، وحرفوا النصوص عن مواضعها، وضلَّلوا وبدَّعوا مَن خالف شريعتهم.

فمن نصوص الكتاب قوله تعالى عن الجنة: {أُعِدّتْ لِلْمُتّقِينَ} [آل عمران: 133], {أُعِدّتْ لِلّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ} [الحديد: 21]، وعن النار {أُعِدّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 136]، {إِنّ جَهَنّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً (21) لّلطّاغِينَ مَآباً} [النبأ: 21، 22]، وقال: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىَ (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىَ (14) عِندَهَا جَنّةُ الْمَأْوَىَ} [النجم: 13- 15].

وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى، ورأى عندها جنة المأوى، كما في (الصحيحين) في حديث أنس رضي الله عنه في قصة الإسراء، وفي آخره: ((ثم انطلق بي جبرائيل حتى أتى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي. قال: ثم دخلت الجنة، فإذا هي جنابذ اللؤلؤ, وإذا ترابها المسك)).

وفي (الصحيحين) من حديث عبد الله بن عمر, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي؛ إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة, وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك, حتى يبعثك الله يوم القيامة)).

وتقدم حديث البراء بن عازب, وفيه: ((ينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها)).

وفي (صحيح مسلم) عن عائشة رضي الله عنها قالت: “خسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم…” فذكرت الحديث وفيه: ((وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت في مقامي هذا كل شيء وُعِدتم به؛ حتى لقد رأيتني آخذ قطفًا من الجنة حين رأيتموني تقدمت، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا حين رأيتموني تأخرت)).

وفي (الصحيحين) -واللفظ للبخاري- عن عبد الله بن عباس قال: “انخسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم…” فذكر الحديث وفيه: ((فقالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئًا في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت فرجعنا! فقال: إني رأيت الجنة، وتناولت عنقودًا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أرَ منظرًا كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: بمَ يا رسول الله؟ قال: بكفرهن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان؛ لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت خيرًا قط)).

وفي (صحيح مسلم) من حديث أنس: ((وايم الذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا. قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار)).

وفي (الموطأ) و(السنن) من حديث كعب بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما نسمة المؤمن طير تعلق في شجر الجنة، حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة))، وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة.

وفي (صحيح مسلم) و(السنن) و(المسند) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبرائيل إلى الجنة؛ فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعدّ الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها؛ فأمر بالجنة فحُفَّت بالمكاره, فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها. قال: فنظر إليها، ثم رجع فقال: وعزتك لقد خشيت ألا يدخلها أحد. قال: ثم أرسله إلى النار فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها؛ فإذا هي يركب بعضها بعضًا، ثم رجع فقال: وعزتك لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر بها فحُفت بالشهوات، ثم قال: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها. فذهب فنظر إليها فرجع فقال: وعزتك, لقد خشيت ألا ينجو منها أحد إلا دخلها)). ونظائر ذلك في السنة كثيرة” انتهى كلامه.

ب. دوام الجنة والنار وبقاؤهما بإبقاء الله تعالى لهما، والرد على المخالفين لذلك:

مذهب أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار خُلقتا لجزاء الخلق؛ فالطائعون إلى الجنة والكافرون إلى النار، وأنهما باقيتان مؤبدتان لا تفنيان.

يقول ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله- وهو يشرح قول الإمام الطحاوي -رحمه الله- في عقيدته: “وقوله: لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان. هذا قول جمهور الأئمة من السلف والخلف، وقال ببقاء الجنة وقال بفناء النار جماعة من السلف والخلف، والقولان مذكوران في كثير من كتب التفسير وغيرها.

وقال بفناء الجنة والنار الجهم بن صفوان إمام المعطلة, وليس له سلف قط، لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين ولا من أهل السنة، وأنكره عليه عامة أهل السنة وكفَّروه به، وصاحوا به وبأتباعه من أقطار الأرض.

وهذا قاله لأصله الفاسد الذي اعتقده؛ وهو امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث… وأبو الهذيل العلَّاف -شيخ المعتزلة- وافقه على هذا الأصل، لكن قال: إن هذا يقتضي فناء الحركات، فقال بفناء حركات أهل الجنة والنار، حتى يصيروا في سكون دائم، لا يقدر أحد منهم على حركة!!… فهذا القول تصوره كافٍ في الجزم بفساده.

فأما أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد؛ فهذا مما يعلم بالضرورة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر به، قال تعالى: {وَأَمّا الّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلاّ مَا شَآءَ رَبّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108] أي: غير مقطوع، ولا ينافي ذلك قوله: {إِلاّ مَا شَآءَ رَبّكَ}.

واختلف السلف في هذا الاستثناء؛ فقيل: معناه: إلا مدة مكثهم في النار، وهذا يكون لمن دخل منهم إلى النار ثم أُخرج منها, لا لكلهم. وقيل: إلا مدة مقامهم في الموقف. وقيل: إلا مدة مقامهم في القبور والموقف، وقيل: هو استثناء استثناه الرب ولا يفعله، كما تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك, وأنت لا تراه، بل تجزم بضربه. وقيل: {إِلاّ} بمعنى الواو، وهذا على قول بعض النحاة، وهو ضعيف، ومنهم من يجعل {إِلاّ} بمعنى “لكن”؛ فيكون الاستثناء منقطعًا، ورجّحه ابن جرير، وقال: إن الله تعالى لا خلف لوعده، وقد وصل الاستثناء بقوله: {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}. قالوا: ونظيره أن تقول: أسكنتك داري حولًا إلا ما شئت، أي: سوى ما شئت، أو: لكن ما شئت من الزيادة عليه.

وقيل: الاستثناء لإعلامهم بأنهم مع خلودهم في مشيئة الله؛ لأنهم لا يخرجون عن مشيئته، ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود؛ كما في قوله تعالى: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنّ بِالّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} [الإسراء: 86]…

وقيل: إن {مَا} بمعنى “من”, أي: إلا من شاء الله دخوله النار بذنوبه من السعداء، وقيل غير ذلك.

وعلى كل تقدير؛ فهذا الاستثناء من المتشابه, وقوله: {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} محكم، وكذلك قوله تعالى: {إِنّ هَـَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نّفَادٍ} [ص: 54]، وقوله: {أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلّهَا} [الرعد: 35], وقوله: {وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 48].

وقد أكد الله سبحانه وتعالى خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن، وأخبر أنهم {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاّ الْمَوْتَةَ الاُولَىَ} [الدخان: 56]، وهذا الاستثناء منقطع، وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله تعالى: {إِلاّ مَا شَآءَ رَبّكَ} تبين أن المراد من الآيتين استثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود؛ كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت، فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية، وذاك مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم فيها.

والأدلة من السنة على أبدية الجنة ودوامها كثيرة جدًّا؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَن يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت)) وقوله: ((ينادي منادٍ: يا أهل الجنة، إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وأن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وأن تحيوا فلا تموتوا أبدًا))، وتقدم ذكر ذبح الموت بين الجنة والنار، ((ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت)).

وأما أبدية النار ودوامها؛ فللناس في ذلك ثمانية أقوال:

أحدها: أن من دخلها لا يخرج منها أبد الآباد، وهذا قول الخوارج والمعتزلة.

الثاني: أن أهلها يعذبون فيها، ثم تنقلب طبيعتهم وتبقى طبيعة نارية, يتلذذون بها؛ وهذا قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي!!

الثالث: أن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود ثم يخرجون منها، ويخلفهم فيها قوم آخرون؛ وهذا القول حكاه اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم…

الرابع: يخرجون منها، وتبقى على حالها ليس فيها أحد.

الخامس: أنها تفنى بنفسها؛ لأنها حادثة، وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه!! وهذا قول الجهم وشيعته…

السادس: تفنى حركات أهلها، ويصيرون جمادًا لا يحسّون بألم، وهذا قول أبي الهذيل العلَّاف كما تقدم.

السابع: أن الله يخرج منها من يشاء كما ورد في الحديث، ثم يبقيها شيئًا، ثم يفنيها…

الثامن: أن الله تعالى يُخرج منها من يشاء كما ورد في السنة، ويُبقي فيها الكفار بقاء لا انقضاء له”.

ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ مّقِيمٌ} [المائدة: 37]، {لاَ يُفَتّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزخرف 75]، {فَلَن نّزِيدَكُمْ إِلاّ عَذَاباً} [النبأ: 30]، {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} [البينة: 8]، {وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 48]، {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النّارِ} [البقرة: 167]، {وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ حَتّىَ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40]، {لاَ يُقْضَىَ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا} [فاطر: 26]، {إِنّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} [الفرقان: 65], أي: مقيمًا لازمًا.

وقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم ولم يختص الخروج بأهل الإيمان، وبقاء الجنة والنار ليس لذاتهما؛ بل بإبقاء الله تعالى لهما.

error: النص محمي !!