Top
Image Alt

أدوات الاستثناء غير “إلا”

  /  أدوات الاستثناء غير “إلا”

أدوات الاستثناء غير “إلا”

1. الاستثناء بـ”غير”:

الاستثناء بـ”غير” محمول على “إلا” في إفادة الاستثناء، وليس ذلك في كل أحوالها، وإنما هي تكون مستثنى بها كـ”إلا” حينًا، وتكون غير ذلك حينًا آخر، على النحو الذي سوف نبينه بتوفيق من الله.

أ. أَصْلُ “غير” أن يوصف بها لِمَا فيها من معنى اسم الفاعل، ألا ترى أن قولك: “زيدٌ غيرُ عمرو” معناه مغاير لعمرو؟ والموصوف بها نكرة محضة نحو قوله تعالى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [فاطر:37]، فـ”غير” صفة لصالح، ولكن صالحا نكرة، و”غير” مضافة إلى معرفة لا أثر لإضافتها إلى الموصول؛ لأن “غير” من الكلمات الموغلة في الإبهام فلا تتعرف بالإضافة، وإذا كانت “غير” موغلة في الإبهام ولا تتعرف بالإضافة، فمعنى هذا أنه لا يوصف بها إلا النكرة.

قالوا أيضًا: ويوصف بها المعرفة في اللفظ المشبهة بالنكرة في المعنى، وجعلوا من ذلك قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ} [الفاتحة:7]، على القول بأن {غَيرِ المَغضُوبِ} صفة لـ “الذين أنعمت عليهم”، فإن موصوف: {الَّذِينَ} هم جنس مبهم، لا قوم بأعيانهم.

وذهب السيرافي إلى أن “غير” تتعرف بالإضافة، إذا وقعت بين شيئين متضادين كما في قولهم: “الحركة غير السكون”، فعلى قوله “غير” في الآيتين بدل لا صفة.

قال ابن هشام في (المغني): مبحث “غير”:

ولا تتعرف “غير” بالإضافة لشدة إبهامها، وتستعمل غير مضافة لفظًا على وجهين؛ أحدهما -وهو الأصل-: أن تكون صفة للنكرة، نحو قوله تعالى: {نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}، أو لمعرفة قريبة من النكرة، نحو: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ}؛ لأن المعرف الجنسي قريب من النكرة، ولأن “غيرًا” إذا وقعت بين ضدين ضعف إبهامها، حتى زعم ابن السراج أنها حينئذٍ تتعرف ويرده الآية الأولى، وهي: {غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}؛ فـ”غير” مضافة إلى “الذي كنا نعمل” وهو اسم موصول معرفة ووصفت به نكرة، فإضافة غير لا يكسبها تعريفًا.

هذا هو أصل “غير” أنها تستعمل صفة للنكرة؛ لأنها بمعنى اسم الفاعل.

ب. ولكنها قد تخرج عن هذا الأصل في التعامل بها، وتتضمن معنى “إلا” فيستثنى بها اسم مجرور بإضافتها إليه، كما حدث أن “إلا” خرجت عن الاستثناء وضمنت معنى “غير”، فوصف بها جمع منكر كما سبق في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء:22]، أي: غير الله، فـ”غير” قد تضمنت معنى “إلا” فيستثنى بها، و”إلا” قد تضمن معنى “غير” فيوصف بها.

ج. الحكم الإعرابي لـ”غير” الاستثنائية:

لما حُملت “إلا” على “غير”، انتقل إعراب “غير” إلى الاسم الذي بعد “إلا”، كما انتقل إعراب الاسم الذي بعد “إلا” إلى “غير” في الاستثناء، فيعرب الاسم الذي بعد “إلا” بما يستحقه، وتعرب هي -أي: غير نفسها- بما يستحقه المستثنى بـ”إلا” في ذلك الكلام.

وتفصيل ذلك: أنك تقول: “قام القومُ غيرَ زيدٍ” بالنصب وجوبًا في “غير”؛ لأنك لو وضعت مكان غير “إلا” وقلت: “قام القومُ إلا زيدًا” وجب نصب زيد، ولأن “غير” اسم يضاف نقل إعراب المستثنى إلى المضاف وهو “غير”، فوجب نصبها بعد الكلام التام الموجب.

وإذا كان الاستثناء منقطعًا ولم يمكن تسليط العامل على المستثنى، كما في نحو: “ما نفع هذا المال غير الضرر” عند الجميع، وجب النصب في “غير”؛ لأنك لو قلتَ: “ما نفع هذا المالُ إلا الضررَ” وجب النصب أيضًا، أي: إنك إذا رفعت “غير” وأحللتَ “إلا” محلَّها، كان الضرر واجب النصب، فلما وضعت “غير” انتقل الإعراب إلى المضاف.

وإذا قلت: “ما فيها -في الدار- أحدٌ غيرَ حمارٍ” وجب النصب عند الحجازيين.

إذًا: نصب غير يجب في مواطن وجوب النصب بـ”إلا”؛ إذا كان الكلام تامًّا منفيًّا والاستثناء منقطعًا، ولم يمكن تسليط العامل على المستثنى، أو أمكن تسليط العامل على المستثنى عند الحجازيين.

أيضًا: يجب نصب “غير”، إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه، نحو قولك: “ما فيها غير زيدٍ أحدٌ”، وننتهي إلى أن النصب بغير واجب في المواطن التي يجب فيها نصب المستثنى بـ”إلا”.

ويترجح النصب في مسألتين:

المسألة الأولى: “ما فيها غير زيدٍ أحدٌ” عند الكوفيين؛ لأن الكوفيين والبغداديين أجازوا أن يتقدم التابع على المتبوع، أي: عندهم يجوز أن تقول: “ما فيها غير زيدٍ أحدٌ” بإبدال غير من أحد.

المسألة الثانية: “ما فيها أحد غير حمار”، وذلك عند تميم في الاستثناء المنقطع الذي يمكن فيه تسليط العامل على المستثنى، وهذا موطنٌ يرى الحجازيون وجوب النصب.

ويضعف القول بنصب “غير” في مسألة واحدة، وهي: ما إذا كان الكلام تامًّا غير موجب، نحو: “ما قام القوم غير زيد”، فالنصب مرجوح والتبعية راجحة، فقولك: “ما قام القوم غيرُ زيدٍ” مرجح على قولك: “ما قام القوم غيرَ زيدٍ”، وحيث نصبت “غير” فناصبها ما قبلها من العوامل.

2. الاستثناء بـ “سوى”:

“سوى” الوارد فيها أربع لغات: “سِوى” بالكسر والمد -والمد في “سوى” بكسر السين غريب- سوى وسواء، و”سُوى” بضم السين والقصر لا غير، و”سَواء” بفتح السين والمد لا غير. هذه هي اللغات الأربعة الواردة في “سوى”.

و”سوى” قد تضمن معنى “غير” فيستثنى بها، كما أن “غير” تتضمن معنى “إلا” فيستثنى بها، فـ”سوى” محمولة على “غير” قد تُضمن معنى “غير”، وإذا ضُمنت معنى “غير” جاز أن يُستثنى بها، فليست “سوى” في كل استعمالاتها أداة استثناء، كما أن “غير” ليست في كل استعمالاتها أداة استثناء، وإذا كانت “غير” محمولة على “إلا”، و”سوى” محمولة على “غير”، عَرَفْنَا أن “سوى” في الاستثناء قليلة، أي: إن تضمين “سوى” معنى “غير” قليلٌ في الاستعمال، لدرجة أن سيبويه لم يذكرها في الاستثناء، وهذا يدل على غاية القلة في استعمالاتها في هذا الباب، فهي من الأدوات المهمّشة في هذا الباب، والتي يجب ألا تنهض مساوية لغيرها من أدوات الاستثناء.

وقال أبو حيان: إن الزجاجي وابن مالك يرون أن “سوى” كـ”غير” معنًى وإعرابًا، ولا يصح أن يؤخذ هذا الكلام على إطلاقه، بل الأمر مقيّد؛ لأن “سوى” محمولة على “غير” في بعض استعمالاتها، وليست في كل استعمال يمكن أن تكون كـ”غير”.

ويؤيد رأي الزجاجي في “سوى” -وكذلك ابن مالك- ما حكاه الفراء من قولهم: “أتاني سواك”، أي: أتاني غيرك، فـ”سوى” هنا محمولة على “غير”، وقول الشاعر:

وإذا تُباع كريمة أو تُشترى

*فسواك بائعها وأنت المشتري

فـ”سوى” هنا بمعنى “غير”، لكن “سوى” في قولنا: “أتاني سواك” في محل رفع فاعل، وفي قول الشاعر “سواك” مبتدأ.

رأي سيبويه والجمهور في “سوى”:

نُسب إلى سيبويه والجمهور في “سوى” التي تُضمن معنى “غير” في الاستثناء، أنها ظرف مكان بمعنى “وسط” وغير متصرف، واستدلوا على ذلك بوصل الموصول بها، نحو: “جاء الذي سواك”، فليست هنا بمعنى “غير”؛ لأن “غير” لا تدخل ههنا إلا والضمير قبلها، يقولون: “جاء الذي هو غيرك”، فلما وصلوا “سوى” بغير الضمير ادُّعي أنها ظرف، والتقدير: جاء الذي استقر مكانك.

قالوا -أي سيبويه والجمهور: ولا تخرج عن النصب على الظرفية إلا في الشعر، كقول الشاعر:

 ولم يبقَ سوى العدوا

*نِ دِنّاهم كما دانوا

فجعلها فاعلًا في الشعر.

هذا رأي سيبويه في “سوى” والجمهور: أنها ملازمة للظرفية المكانية، ولا تخرج عن النصب على الظرفية إلا في الشعر.

3. الاستثناء بـ”ليس”، و”لا يكون”:

باقي لنا من الأدوات فعلان هما عالة على هذا الباب؛ لأن باب الاستثناء في النحو لا يكون، ولا يُعتبر إلا إذا كان هناك مستثنى منصوب على الاستثناء، أي: هناك إخراج بكلمة منصوبة على الاستثناء، وليس باب الاستثناء منعقدا لكلمات تفيد معنى الإخراج ولا تُنصب على الاستثناء، فليس للمعنى تنعقد الأبواب في النحو، وإنما الذي تنعقد الأبواب له في النحو الإعراب.

“ليس” و”لا يكون” فعلان، ويجب نصب ما بعدهما على الخبرية بـ”ليس”، والخبرية بـ”لا يكون، ولكن” ما عَلاقة هذا بباب الاستثناء؟

والأعجب من ذلك أن الموطن الإعرابي لجملة “ليس”، ولجملة “لا يكون” في هذا الباب: النصب على الحالية، فعندما تقول: “قام القوم ليس زيدًا”، جملة “ليس زيدا” حال، ولم تقترن بـ”قد”، قال النحاة: لأن ذلك مستثنى في هذا الباب. فما علاقة ذلك كله بباب الاستثناء؟ هي علاقة معنى فقط؛ لأن هناك إخراجًا، من أجل ذلك دخل هذا الأسلوب في هذا الباب.

ومن شواهد “ليس” و”لا يكون” في الحديث: «ما أنهر الدمَ، وذُكر اسم الله عليه فكلوا»، هذا حكم عام خُصص بـ«ليس السن والظفر»، فلو رفعت “ليس” ووضعت مكانها “إلا” وقلتَ: “ما أنهرَ الدمَ، وذُكر اسم الله عليه فكلوا، إلا السن والظفر” لأعربت “السن” مستثنى منصوبًا، و”الظفر” معطوفًا عليه، وهذا من مواطن وجوب الاستثناء؛ لأن الكلام تام موجب، أما هنا مع “ليس” فـ”السن” خبر لـ”ليس”، فنقول: “ليس السنَّ والظفرَ” بنصبهما؛ لأنهما مستثنيان من فاعل “أنهر” المستتر فيه، وما بينهما اعتراض.

هذه عبارة صاحب (التصريح) معلقًا على قول (الموضح) لابن هشام: “ليس السن والظفر” بنصبهما؛ لأنهما مستثنيان من فاعل “أنهر”. والتعليق هذا في غير محله، ولا معنى له؛ لأن النصب هنا لا علاقةَ له بالمستثنى منه، وإنما أيضًا المستثنى منه كلام من جهة المعنى فقط، والنصب هنا للخبرية لـ”ليس” فقط.

ومثال “لا يكون” أن يُقال: “أتاني المدعوون لا يكون زيدًا”، بنصب خبر لـ”لا يكون”.

هذا بالنسبة للاسم المنصوب بعد “ليس” و”لا يكون”، وهو منصوبٌ على الخبرية لهذين الفعلين.

اسم “ليس” و”لا يكون”:

لا خلافَ في أن اسمهما ضمير مستتر، وإنما الخلاف في مفسِّر هذا الضمير، فاختلف النحاة في مفسّر هذا الضمير إلى ثلاثة آراء:

الرأي الأول -رأي سيبويه: أن الضمير عائد على اسم الفاعل المفهوم من الفعل السابق، فعندما تقول: “قام القوم لا يكون زيدا” أي: لا يكون القائم زيدًا.

الرأي الثاني -رأي جمهور البصريين: أن مفسر الضمير البعض المدلول عليه بالكلام السابق، فمعنى “قام القوم لا يكون زيدًا”: قام القوم لا يكون بعضُهم زيدًا.

الرأي الثالث –رأي الكوفيين: أن مفسِّر الضمير المصدر المدلول عليه بالفعل تضمنًا؛ لأن الفعل متضمن لاسم الحدث، والتقدير: قام القوم ليس قيامهم قيام زيد، فحُذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مقامه.

وهذا كلام مردود؛ فإنه تقدير لمحذوف لم يُلفظ به قط. والرأي الأول وهو رأي سيبويه مردود عند النحاة أيضًا؛ لأنه غير مطرد في نحو: “القوم إخوتك ليس زيدًا”، فاسم “ليس” ضمير، وليس في الكلام السابق فعل يمكن أن يؤخذ منه اسم الفاعل؛ فكلام سيبويه في مفسِّر الضمير في “ليس زيدًا” من قولنا: “قام القوم ليس زيدًا” ليس مطردًا، فهو متخلف في بعض الاستعمالات؛ فلا يجوز العمل به. ورأي الكوفيين مردود أيضًا، وهو أن مفسر الضمير المصدر المفهوم من الفعل السابق؛ لأن فيه تقديرًا لمحذوفٍ؛ فلم يبقَ لنا إلا الأخذ برأي جمهور البصريين، وهو: أن مفسر الضمير بعض المفهوم من الكلام السابق.

فعلى قول البصريين نقول: إن مفسّر الضمير في قولنا “قام القوم لا يكون زيدًا”: لا يكون بعضهم زيدًا، وهناك دليلٌ على ما ذهب إليه البصريون من استعمال القرآن الكريم، فالله سبحانه وتعالى يقول: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} [النساء:11].

{فَإِن كُنَّ} ما مفسّر الضمير في {كُنَّ}؟

الجواب: إن الضمير في قوله تعالى: {فَإِن كُنَّ نِسَاء} مفسر بالبعض المفهوم من الكلام السابق؛ لأنه عائدٌ على البعض المفهوم من الكلام السابق، والكلام السابق فيه “الأولاد” {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ}، وكلمة “الأولاد” تشمل الذكور والإناث، فالنون في: {كُنَّ} وهو اسمها عائد على الإناث اللاتي هن بعض الأولاد المتقدم ذكرهم في قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ}، فإنه في قوة: يوصيكم الله في أولادكم الذكور والإناث، و{نِسَاء} خبر {كُنَّ} تماما كما في قول القائل: “قام القوم لا يكون زيدا”، و”زيدا” خبر “يكون”، واسمها ضمير على البعض المفهوم من الكلام السابق، وهنا في القرآن الكريم مفسِّر اسم “كان” ضمير مفسَّرٌ بالبعض المفهوم من الكلام السابق، وفي ذلك تقوية لرأي البصريين القائلين بأن مفسر الضمير في “لا يكون زيدًا”، هو البعض المفهوم من الكلام السابق.

أما الموطن الإعرابي لجملة “ليس زيدًا”، و”لا يكون زيدًا” من قولنا: “قام القوم ليس زيدًا” و”قام القوم لا يكون زيدًا”، فهو أنهما في موضع نصب على الحال، وهذا مما يؤكد لنا أن مثل هذين الأسلوبين في باب الاستثناء من باب المعنى فقط، وليسَا من باب الإعراب الذي من أجله عُقد هذا الباب.

لكن، كيف حُكِمَ على جملة “ليس” بأنها حال، والفعل الماضي لا يقع حالًا إلا مع “قد” ظاهرةً أو مقدرةً؟

والجواب: أن قوة تعلق الجملة الاستثنائية بما قبلها أغنى عن الضمير، وظاهر كلامهم كون جملة الاستثناء حالية، وإن كان المستثنى منه نكرة؛ فيلزم مخالفة القاعدة المشهورة، وهي: أن الجمل بعد النكرات صفات؛ ولذلك نقول: يحتمل تخصيص إطلاقهم بما إذا كان المستثنى منه معرفة.

والذي نريد أن نصل إليه، أو أن نقره هو أن جملة “ليس زيدًا” و”لا يكون زيدًا” من قول القائل: “قام القوم ليس زيدًا” و”قام القوم لا يكون زيدًا” في محل نصب على الحال، وأن الاسم المنصوب بعدهما خبر لهما، وأن اسمهما ضميران مفسران بالبعض المفهوم من الكلام السابق.

وهناك رأي ثانٍ في موضع الإعراب لجملة: “ليس زيدًا” من قولنا: “قام القوم ليس زيدًا”، وهو أنها جملة مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب، والراجح أنها في موطن نصب على الحالية.

ولو ذهبتَ هذا المذهب لقُبِل منك الكلام، ولو ذهبت المذهب الأول أيضًا لَقُبِلَ منك الكلام، فهذان وجهان جائزان في إعراب أو في بيان موطن جملة “ليس زيدًا”، من قولنا: “قام القوم ليس زيدًا”.

4. الاستثناء بـ”خلا” و”عدا”:

من أدوات الاستثناء “خلا” و”عدا”، وهما حرفان، وأيضًا من الأدوات التي يتعامل بها في هذا الباب من جانب المعنى، وليس من جانب الإعراب.

وهذه الأدوات التي مرت باستثناء “غير”، و”سوى” -إذا حُملت على “غير”- أدوات لم تدخل هذا الباب من أجل الهدف الذي من أجله عُقد الباب، وهو النصب على الاستثناء مع إفادة الإخراج، فهذه الأدوات تفيد الإخراج من غير نصب على الاستثناء.

الوجه الأول لاستعمال “خلا” و”عدا”:

ومما دخل هذا الباب -من باب المعنى فقط- ليحقق جزءًا واحدًا من الجزأين اللذين عقد من أجلهما هذا الباب “خلا” و”عدا”؛ ذلك لأنهما يجران ما بعدهما حِينًا، وينصبان ما بعدهما حينًا آخرَ، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:

واجرر بسابقي يكون إن ترد

*…. …. …. ….




وذلك بعد أن قال:

واستثنِ ناصبًا بـِلَيْسَ وخلَا

*…. …. …. ….




وبـعدًا وبـيكون بعد لَا

*…. …. …. ….




واجرر بسابقي “يكون” إن تردْ

*…. …. …. ….




وسابقيْ “يكون” هنا: “خلا” و”عدا”، والجر بـ”خلا” و”عدا” قليل لقلته، وشذ الجر بـ”خلا” و”عدا” ولم يحفظ سيبويه في “عدا” الجر، ولكن من شواهده قول القائل:

أبحنا حيهم قتلا وأسرا
 
*عدا الشمطاء والطفل الصغير

و”الشمطاء” مجرورة بـ”عَدَا”، و”قتلا” تمييز محول عن المفعول، والتقدير: أبحنا القتل والأسر في هذا الحي.

ومثال الجر بـ”خلا” قول الأعشى:

خلا اللهِ لا أرجو سواك

*وإنما أعد عيالي شعبة من عيالكَ

بجر لفظ الجلالة.

و”خلا” و”عدا” موضعهما جارّين نصبٌ، أي: عندما تقول: “قام القوم خلا زيدٍ” أو “عدا زيدٍ”، فما الموطن الإعرابي لـ”خلا زيدٍ” وهما جار ومجرور؟

قيل: إن الموطن الإعرابي لـ”خلا زيدٍ” في قولنا: “قام القوم خلا زيدٍ” أو “عدا زيدٍ” في محل نصب على الاستثناء.

وقيل: في موطن نصب؛ لأنهما متعلقان بالفعل أو شبهه؛ فَهُمَا في حكم المفعول به، وذلك على قاعدة أحرف الجر، فيكونان في موضع المفعول به، كـ”زيد” في قولنا: “مررت بزيد”، إلا أن تعديتهما على جهة السلب، وليس على جهة الإيجاب، معنى ذلك: أنك عندما تقول: “مررت بزيدٍ” فالباء نقلت معنى الفعل إلى الاسم، وجرت معنى الفعل إلى الاسم؛ فزيد ممرور به، أما في نحو: “قام القوم خلا زيدٍ” فحرف الجر لم يجر معنى الفعل إلى الاسم، بل نفى معنى الفعل عن الاسم، وهذا هو معنى قولهما: إن تعديتهما على جهة السلب.

قال ابن هشام في (المغنى): والصواب عندي الأول؛ لأن “خلا” لا تعدّي الأفعال إلى الأسماء، أي: لا توصل معناها إليها، بل تزيل معناها عنها؛ فأشبهت في عدم التعدية الحروف الزائدة، ولأن “خلا” في هذا المكان بمنزلة “إلا”، و”إلا” غير معلقة بالفعل، فالنتيجة التي نريد أن نصل إليها أن “خلا” ومجرورها في محل نصب على الاستتثاء، هذا معنى قولهم: عن تمام الكلام”.

الوجه الثاني لاستعمال “خلا” و”عدا”:

أن يُنصب بهما على الفعلية، على أنهما فعلان ماضيان جامدان؛ لوقوعهما موقع “إلا”؛ لأن الفعل إذا وقع موقع الحرف يصير جامدًا، كما أن الاسمَ إذا وقع موقع الحرف يصير مبنيًّا، قال الموضح في (شرح اللمحة): هذا إن صح في “عدا” -أي: إن صح النصب في “عدا”- لكونها كانت متعدية قبل الاستثناء، كقولك: “عدا فلان طوره” أي: تجاوزه- لم يصح في “خلا” لكونها قاصرة، فكيف تنصب المفعول به؟ والجواب: أنهم ضمنوها في الاستثناء مع “جاوز” وحسن ذلك؛ لأن كل من خلا من شيء فقد جاوزه.

وإذا نُصب ما بعدهما على المفعولية، ففاعلهما ضمير مستتر فيهما وفي مفسره، وفي موضع الجملة منهما البحث السابق في “ليس” و”لا يكون”، فيكون فاعلهما المضمر إما عائدًا على اسم الفاعل المفهوم من الفعل السابق، فإذا قلت: “قام القوم عدا زيدٍ” فالتقدير: عدا القائمُ زيدًا، وإما على مصدر الفعل الذي ضمنه الفعل السابق، أي: عدا القيام زيدًا، وإما على البعض المدلول عليه بالكلام السابق، أي: عدا بعضهم زيدًا، وفيه نظر؛ لأن المقصود من قولك: “قام القوم عدا زيدًا” أن زيدًا لم يكن معهم أصلًا، ولا يلزم من خلوّ بعض القوم منهم، ومجاوزة بعضهم إياه خلوّ الكل، ولا مجاوزة الكل، بخلاف قولك: “قاموا ليس زيدًا” أي: ليس بعضهم زيدًا؛ لأن البعضَ هنا في سياق النفي؛ فيشمل كل بعض من القوم، فحصل المقصود من الاستثناء بخلافه، وجملة الاستثناء في موضع نصب على الحال، أو مستأنفتان؛ فلا موضعَ لهما.

وتدخل على خلا وعدا “ما” المصدرية، وهو مشكل على ما تقدم من أن “خلا” و”عدا” جامدان، و”ما” المصدرية لا توصل بفعل جامد كما نص عليه في (التسهيل)، وعلى القول بجواز دخول “ما” عليهما تعين النصب في المستثنى عند الجمهور؛ لتعيّن الفعل حينئذٍ، وإليه أشار بقوله:

وبعد ما انصب…….

*…. …. …. ….




ومثاله قول لبيد:

ألا كل شيء ما خلا اللهَ باطلُ
 
*…. …. …. ….




أي: ذاهب وفانٍ، أخذًا من قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص:88]، وجملة “ما خلا الله” استثنائية، ويحتمل أن تكون صفة للمضاف إليه و”ما” زائدة، والتقدير: كل شيء غير الله باطل، وعلى هذا فلا استثناء.

وجاء في (شرح شواهد العيني) بهامش الأشموني: وجملة “ما خلا الله” إما حال على تقدير: حال كونه خاليًا عن الله، وإما في محل نصب على الظرفية، أي: كل شيء وقت خلوّه عن الله باطل.

والشاهد في قول الشاعر:

تمل الندامى ما عداني فإنني

*بكل الذي يهوى نديمي مولعُ

 فـ”عدا”: فعل ماض، والدليل على ذلك نون الوقاية، و”ما” موصول حرفي، و”عدا” صلته، وموضع الموصول وصلته نصب بلا خلاف، إما على الظرفية الزمانية على حذف مضاف، وعلى الحالية على التأويل باسم الفاعل، وتلك الحال فيها معنى الاستثناء، فمعنى “قاموا ما عدا زيدٍ”: قاموا وقت مجاوزتهم زيدًا على الأول، أو: قاموا مجاوزين زيدًا على الثاني. وإما النصب على الاستثناء، كانتصاب “غير” في “قاموا غير زيد”، والذي يُعتمد عليه هو الأول؛ فإن كثيرًا ما يُحذف اسم الزمان وينوب عنه المصدر.

إذًا، جملة “ما عداني” في قول الشاعر:

تمل الندامى ما عداني

*…. …. …. ….




في موضع نصب: إما على الظرفية، والحالية، والاستثناء، والمعتمد عليه في هذا المكان: أن النصب هنا على الظرفية، والتقدير: قاموا وقت مجاوزتهم زيدًا، والذي رشّح هذا الرأي هو أن حذف اسم الزمان مع نيابة المصدر عنه كثيرٌ.

و”ما” إذا دخلت على “خلا” و”عدا” تعيّنتا للفعلية، فما بعدهما يُنصب على المفعولية لهما، وسجّل الناظم ابن مالك -رحمه الله- أن مع دخول “ما” عليهما قد يُجر بهما، والجر بهما حينئذٍ يكون على تقدير زيادة “ما”، فلا تكون “ما” مصدرية.

5. “حاشا” من أدوات الاستثناء:

الباقي لنا حرف واحد في هذا الباب وهو “حاشا”، فـ”حاشا” عند سيبويه تجر المستثنى لا غير، وسمع غيره النصب؛ فقد سَمِعَ الأخفش النصب بـ”حاشا”، ودليله قول القائل: “اللهم اغفر لي ولمن سمع، حاشا الشيطانَ وأبا الأصبغ”، بنصب “الشيطانَ وأبا الأصبغ”، وهذا النصب -النصب بـ”حاشا”- والذي لم يحفظه سيبويه ثبت بنقل: أبي زيد، والفراء، والأخفش، والشيباني، وابن خروف، وأجازه الجرمي والمازني والمبرد والزجاج والناظم، حيث قال:

وكخلا حاشا …. ….
 ….
*…. …. …. ….




وفاعل “حاشا” إذا نُصب بها، ينطبق عليه ما قيل في فاعل “ليس” و”لا يكون” و”ما خلا” و”ما عدا”، فالأدوات: “ليس” و”لا يكون” و”ما خلا” و”ما عدا” و”حاشا” كلها تخضع لنظام واحد، وإعراب واحد إذا نُصب ما بعدها.

والجديد في “حاشا” أنه لا يجوز أن تدخل “ما” عليها، بخلاف “خلا” و”عدا” إذ تدخل عليهما “ما” المصدرية، أما “حاشا” فلا تصحب “ما”، ويكاد الإجماع ينعقد على أن “ما” لا تدخل على “حاشا”، وما استدل به ابن مالك من قوله صلى الله عليه وسلم: ((أسامة أحب الناس إليّ ما حاشا فاطمة))، فعلماء الحديث أثبتوا أن: ((ما حاشا فاطمة)) مُدرج من كلام الراوي. أما ما ورد في قول الأخطل من دخول “ما” على “حاشا” في قوله:

رأيت الناس ما حاشا قريشًا

*فإنا نحن أفضلهم فعالًا

فهذا نادر لا يُعوّل عليه في قياس.

ولا يجوز دخول “إلا” على “حاشا”، خلافًا للكسائي في إجازة ذلك إذا جرت، نحو: “قام القوم إلا حاشا زيدٍ”، ومنعه إذا نصبت، وحكاه أيضًا أبو الحسن عن العرب، ومنعه البصريون مطلقًا وحملوا ما ورد من ذلك على الشذوذ. قاله المرادي في (شرح التسهيل).

ووجّه بعضهم قول الكسائي بأن “حاشا” ضعفت في الاستثناء، فقويت بـ”إلا”، كما قويت “لكن” العاطفة بالواو لوقوعها غير عاطفة، وكما قويت “هل” بـ”أم” في الاستفهام، نحو: أم هل؟

هذا آخر ما يمكن أن يقال في هذا الباب، ذلك أن الباب تنقسم أدواته باعتبار الأصالة في هذا الباب، والدخول عليه إلى قسمين:

أداتان مختصتان بهذا الباب؛ الأداة الأولى: “إلا” وهي أم الباب، والأداة الثانية: “غير” وهي محمولة على “إلا”، ولم تكن “غير” مساوية لـ”إلا” في هذا الباب؛ لأن الأصل في “غير” أن يوصف بها. أمّا مَا عدا ذلك من الاستثناء بـ”ليس” و”لا يكون” و”خلا” و”عدا” و”حاشا” و”سوى”، فهذه الأدوات تدخل في باب الاستثناء باعتبار المعنى فقط، أما باعتبار الإعراب فهي بعيدة كل البعد عن باب الاستثناء؛ فليس هناك شيء منها ينصب على الاستثناء، هذا فيما يتعلق بقاعدة الاستثناء من كتاب النحو.

error: النص محمي !!